قطارات هولندية ينطلق القطار السريع متجها إلى امستردام قادما من باريس, والسريع هنا سريع فعلا, سرعته ثلاثمئة وخمسون كيلو مترا في الساعة, أي انه يقطع المسافة بين القاهرة وقنا في ساعتين, هل سنشهد ذلك في حياتنا؟ لعل وعسى! المفروض ان أصل امستردام (المطار) في الثانية إلا أربع دقائق أي قبل إقلاع الطائرة المصرية بثلاث ساعات, مدة كافية لانهاء اجراءات السفر, غير ان قلقا راودني, ماذا يحدث لو ان القطار تأخر؟ أكد لي الاصدقاء ان القطار السريع من النادر ما يقع له ذلك, غير أنني فكرت ماذا يحدث لو ان هذا النادر جرى معي, لمت نفسي, أخطأت إذ قررت ركوب هذا القطار, كان المفروض ان أركب السريع الصباحي, صحيح أنه يصل في الحادية عشرة وسأقضي ساعات أطول في المطار, لكن هذا أضمن وأفضل من ركوب القطار الذي لا يليه آخر. تذكرت حكمة الأجداد القدامى: انتظر القطار ولا تدع القطار ينتظرك لأنه لن ينتظر. السريع هنا اسمه (تاليس) , كان القطار ينطلق بسرعة, لا صوت له, حركة ناعمة, هادئة, وحولي ركاب يابانيون, أحدهم متقدم في العمر, يتطلع إلي مبتسما سعيدا يومئ برأسه فأومئ, وكلما رأى لافتة على الطريق تحمل اسم شركة كبرى نطق وبصوت مرتفع.. أشير إليه, طبعا.. طبعا. فجأة لاحظت ان العربات المنطلقة على الطريق السريع المحاذي تتساوى سرعتها تقريبا مع القطار, ثم اصبحت تسبقه, بدأ القطار يهدئ من سرعته, توقفت عن التنفس مصغيا بحذر إلى سرعته التي راحت تقل شيئا فشيئا حتى توقف, تحدث السائق عبر مكبرات الصوت, أولا بالهولندية, ثانيا بالفرنسية, ثالثا بالانجليزية. قال أنه يأسف لوقوع تأخير, لكنه لم يحدد مدته. تحرك القطار لكن بسرعة أبطأ, ثم توقف. يا للحظ العاثر, ربما لم يحدث ذلك منذ عدة سنوات, بدأت أفكر في طائرة مصر للطيران, وطيرانها بدوني, واحتمال قضاء ليلتين آخريين حتى موعد الطائرة التالي, الجمعة, تطلع إلى العجوز الياباني, أومأ برأسه, قال لفظا لم ألتقط حروفه جيدا, ظل محتفظا بابتسامته وكنت أكاد أطق من الغيظ. عاد القطار إلى الحركة, تزايدت السرعة حتى اصبح سريعا فعلا, يتجاوز كل ما يتحرك على الطريق. عاد السائق ليتحدث مبديا اعتذاره, ذكر شيئا عن الفلسفات التي لم تتغير منذ عام 1973, وأبدى الاعتذار مرة أخرى, وقال ان القطار سيصل إلى المحطة التالية, القطار متأخر أربع دقائق, عندئذ اتخذت وضعا احتجاجيا في مقعدي, وتطلع إلى الياباني المبتسم قلت بغضب أربع دقائق تأخير, ما هذه الفوضى؟ ما هذا التعطيل؟.. لابد ان نرفع قضة ضد هذا (التاليس) . أصغى الياباني جادا لا يتحدث الانجليزية إلا أنه راح يهز رأسه بحماس. تاليس منذ سنوات بدأ تسيير هذه القطارات السريعة جدا والتي تتجاوز سرعتها ثلاثمئة كيلو متر في الساعة, أول ما عرفتها في فرنسا, عندما ركبت القطار من باريس إلى مدينة بوردو, ويعرف بالـ (تي في جي) , وكان مثيرا بالنسبة لي هذه السرعة المرتفعة و التي يشعر بها الراكب من خلال تراجع الاشجار والبيوت, خاصة تلك القريبة جدا من طريق القطار, تتراجع بسرعة رهيبة, بينما يمضي القطار بلا ضجيج, في حركة ناعمة, منسابا إلى الامام, ثم ركبت القطار مرة أخرى من مدريد إلى قرطبة, وجدت فيه اناقة ورفاهية, وتناسق ألوان, يتوزع فيه الأخضر والابيض في تناسق بديع, الغالب على القطار الفرنسي والهولندي الاحمر, من الداخل, في الفرنسي الازرق والابيض, أما في الهولندي المعروف باسم (التاليس) فالغالب عليه البرتقالي وهو لون القطارات في هولندا. الآن يمكن قطع القارة الاوروبية من أدناها إلى اقصاها بالقطار عبر شبكة كثيفة محكمة من الخطوط, وأخيرا قرأت عن قطار يمشي في اليابان بسرعة تتجاوز الخمسمئة كيلو متر, أي ثلثي سرعة الطائرة الحديثة, أكاد أثق ان القطارات سوف تشهد تغيرات هامة إلى الافضل, خلال السنوات المقبلة بحيث تصبح الوسيلة الأولى للسفر في العالم, وكثيرا ما أردد ان السفر بالنسبة لي يعني الانتقال بالقطار مهما تعددت وتطورت الوسائل الاخرى. في المحطة الأحد صباحا يصحبني الدكتور صبري إمام حتى اللحظات الأخيرة لاقامتي في اوترخت, الوقت مبكر, ومحطة القطار هادئة, نظيفة, القطارات يتم النزول إليها بواسطة سلالم متحركة أو ثابتة, المسافرون يتحركون بهدوء, المناخ بارد, لكنه محتمل, المدينة في الخارج خاوية, شوارع ممتدة لا يتحرك فيها أحد, واجهات المتاجر مصمتة, إنه الأحد, العطلة, يظهر من داخل أحد المكاتب جنديان, شرطة, قوام كل منهما متين, قوي, مدججان بالسلاح, مسدس تبدو قبضته, قيد حديدي جاهز, أنبوب ربما حوى غاز مخدر, أجهزة أخرى لا أدري كنهها. كانا يمشيان على مهل, ببطء, هادئان, واثقان, اقتربا من رجل إفريقي يجلس إلى جوارنا, تحدثا إليه, قام على الفور منصرفا. قلت لصبري: ماذا قالا؟ أجابني بإنهما سألاه إذا كان ينتظر القطار؟ وعندما نفى طلبا منه الخروج. قلت: هل توجها إليه لأنه أسود؟ نفى صبري. والدليل إنهما لم يقتربا منا وكلانا غامق السمرة, إنهما على خبرة بالمتسكعين, اتجها إلى ماكينة التذاكر الاوتوماتيكية, مثل هذه الآلات تضم نقودا كثيرة من حصيلة البيع, أحاطا برجل يرتدي الجينز, طويل اللحية, هائش الشعر, كان في وضع المتأمل للماكينة, يحمل حقيبة من قماش مهترئ. تحدثا إليه. فجأة, انقض كل منهما على أحد ذراعيه, أطلقا صيحة مركزة, مفاجئة, ثم دفعا به في حركة عنيفة, تقدما بسرعة وتحفز باتجاه المكتب الذي خرجا منه, وبدا كل منهما في خطاه طاقة هائلة من العنف والتوقع والحذر, أما هائش الشعر بينهما فلم يكن باستطاعته الحراك. محطات لكي نصل إلى محطة القطار في مدينة أوترخت نجتاز سوقا تجارية كبيرة تشبه مدينة صغيرة من طابقين, المحطة والسوق متجاورتان في المدينة الهولندية, عند الدخول إلى المحطة لا نرى القطارات واقفة أو أرصفة, إنما تنتظم مجموعة من المكاتب, بعضها بنك أو مكاتب صرافة, وقسم شرطة, وكالات سفر, مطعم أنيق للوجبات السريعة. (أين القطارات إذن؟) أشار الصديق صبري إمام إلى لافتات زرقاء معلقة على مسافات متساوية, كل منها يحمل سهما باتجاه الأرض, إلى أسفل, باتجاهه ألمح سلما يؤدي إلى تحت حيث الارصفة والقطارات, كل لافتة عليها اتجاه القطار وموعد تحركه, في الغالب الاتجاهات ثابتة, بمعنى ان القطارات المتجهة من اوترخت إلى روتردام تكون من الرصيف عينه, إلا إذا حدث طارئ. اللغة الهولندية صعبة, لا أتقن منها كلمة, ولكن صحبة الصديق صبري بددت عني ذلك الاحساس بعدم الامان الذي اشعر به في المطارات الكبرى, محطات القطار التي تبث في الانسان احساسا بالخوف وامكانية الضياع, خاصة عندما أكون خارج وطني, غريبا مغتربا.