دخلت أزمة رواية (وليمة لأعشاب البحر) للروائي حيدر حيدر والتي نشرتها هيئة قصور الثقافة في مصر إلى منحدرات جديدة فمن ناحية ندد عدد من خطباء المساجد في مصر يوم الجمعة الماضي بالرواية وطالبوا بعقاب كل المسئولين الذين أقدموا على نشرها، بداية من وزير الثقافة نفسه وقال خطباء المساجد في محافظات عديدة من مصر أن الرواية تحتوي على عبارات تسيىء إلى الاسلام والقرآن إساءات بالغة, ومن جهة أخرى أصدرت جماعة الاخوان المسلمين بيانا ضد الرواية وتقدمت ببلاغ للنائب العام. في الوقت نفسه تقدم عدد من المحامين من بينهم د. عبد الحليم رمضان ببلاغات مماثلة, وهكذا أصبح اسم الروائي السوري حيدر حيدر أكثر شهرة في مصر من روائيين مصريين, فلأول مرة يتردد اسم روائي عربي في مساجد مصرية مقرونا بأنه كتب رواية تهاجم الاسلام وتسيىء الى القرآن, هذا ما حدث في مسجد الأمين بمنطقة حدائق حلوان يوم الجمعة الماضي عندما هاجم الرواية الدكتور ابراهيم الخولي الأستاذ بالأزهر في خطبة الجمعة الماضية مطالبا بالقصاص من كل المسئولين في وزارة الثقافة الذين سعوا في نشرها. وكانت أزمة الرواية التي نشرتها هيئة قصور الثقافة وهي إحدى هيئات وزارة الثقافة قد بدأت عندما كتب الكاتب محمد عباس في جريدة الشعب المصرية مقالا تحريضيا عنيفا ضد الرواية مؤكدا أنها تستبيح الدين الحنيف وأن ما جاء فيها كفر صراح.. ولما كانت المقالة ذات عناوين تحريضية بارزة منشورة في الصفحة الأولى من الجريدة تلقفها عدد من وعاظ المساجد ونددوا بالرواية في خطبة الجمعة السابقة. ورواية (وليمة لأعشاب البحر) نشرتها هيئة قصور الثقافة ضمن سلسلة (آفاق الكتابة العربية) التي يشرف عليها الروائي ابراهيم أصلان وهي ليست الطبعة الأولى بالتأكيد فقد صدرت الرواية عام 1983 وصدر منها عشرة طبعات على الأقل في سوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية ونشرتها سلسلة (آفاق الكتابة العربية) في مصر في طبعة شعبية زهيدة الثمن فتلقفها التيار السلفي وشن عليها حملة واسعة وطالب بمصادرتها. والرواية تتناول حياة عدد من الماركسيين العرب في العراق ابان مذبحة الأهوار التي وقعت ضدهم من النظام البعثي فهاجروا الى الجزائر وصدموا في نظام الحكم هناك وانتحر البطل قاذفا بنفسه في البحر ليصبح وليمة لأعشابه, ولما كانت الرواية تتناول حياة مجموعة ذات علاقة سلبية بالاسلام فقد ورد على ألسنتها عبارات تسيىء للاسلام كدين, غير أن الروائي لم يكن متعاطفا معهم وإنما صورهم كمثقفين مأزومين مهزومين في سياق عربي رديء وانتهى بهم الى قتل النفس كحل وحيد لأزمتهم الخانقة. أما الحملة على الرواية فقد طالت وزير الثقافة نفسه وانحرفت الى تكفير كل من ساهم في نشرها بداية من الناقد علي أبوشادي رئيس هيئة قصور الثقافة الى الشاعر محمد كشيك أمين عام النشر في الهيئة الى الروائي ابراهيم أصلان رئيس تحرير السلسلة التي قامت بالنشر, ووصل الأمر الى تحريض أجهزة الدولة كلها بداية من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الوزراء طلبا للثأر والقصاص مما تصوره أصحابها إساءة للاسلام . . ومن جهته طلب مجلس الوزراء من وزير الثقافة أن يقدم تقريرا مفصلا عن الرواية وعن الواقعة.. ومن المتوقع أن يقدم الوزير تقريره الذي تعكف الآن لجنة من كبار النقاد على كتابته, تتكون اللجنة من الناقد د. صلاح فضل والناقد د. أحمد هيكل وزير الثقافة الأسبق والناقد د. عبدالقادر القط والكاتب كامل زهيري والناقد د. محمود مندور. وفي استطلاع (البيان) مع أعضاء اللجنة قال رئيسها الدكتور صلاح فضل: من ناحية المبدأ فكلنا ضد أي مساس بالاسلام والقرآن الكريم, أما الرواية كعمل أدبي وفني فلابد من قراءتها بهذه الصفة, وعندما يقدم الأديب في روايته لصا أو مجرما أو تاجرا للمخدرات أو حتى شخصية ملحدة فليس معنى هذا أن الأديب لصا أو مجرما أو ملحدا وإنما هو يقدم في روايته شخصيات تتصارع وتتحاور داخل عمل فني ليبرز الصراع بين الخير والشر والشخصيات الملحدة التي يقدمها الروائي لابد لكي ينجح فنيا في عمله الأدبي أن يقدمها بأقوالها ومعتقداتها وهذا ليس معناه أنه يروج لهذه الأقوال أو المعتقدات. وعن رأيه في الحملة التي شنت ضد الرواية قال الدكتور صلاح فضل أنها لاتخدم سوى أهداف أصحابها وهي لاتخدم المقدسات من قريب أو بعيد. أما الدكتور جابر عصفور الناقد والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة فقال لـ (البيان) : رواية (وليمة لأعشاب البحر) من أفضل الروايات العربية المعاصرة على الاطلاق ومن يتهمونها بالكفر هم مجموعة من جماعات الضغط السياسي الذين يتقنعوا تحت أقنعة دينية ويتولون ارهاب المثقفين والمبدعين ويحاربون كل من يدافع عن الدولة المدنية, وهؤلاء لهم طريقة مغلوطة في قراءة الأعمال الأدبية وفي رؤية الأعمال الفنية, وهم يقرأون الأعمال الأدبية على طريقة (لاتقربوا الصلاة) ويسكتون. أي أنهم يقتطعون الجمل والعبارات من سياقها ويوظفونها وفقا لما يخدم مصالحهم. وكل هذه الحملة الظالمة استندت الى ما لايزيد عن خمسة جمل فقط مقتطعة من 700 صفحة وهؤلاء ينبغي أن يخجلوا من أنفسهم فهم يريدون مصادرة رواية من أجمل الروايات العربية لم تصادرها أي دولة عربية من قبل رغم نشرها وتوزيعها منذ عام ,1983 انهم يريدون تلطيخ سمعة مصر وتصويرها على أنها دولة للمصادرة والارهاب وأنها ضد الاستنارة والعقلانية والتسامح. ومن ناحيته قال الروائي محمد البساطي أن رواية حيدر حيدر عمل فني رائع وفذ وما يقال عنها غير صحيح بالمرة فهذه الجمل القصيرة التي تم اقتطاعها من سياقها لو وضعت في سياق الرواية لما حدثت أي مشكلة ويمكنك أن تضع رواية (وليمة لأعشاب البحر) ضمن أهم روايات انتجتها العقلية العربية. ومن جهته قال الروائي إبراهيم أصلان المشرف على السلسلة التي نشرت الرواية: أن الاعمال الفنية والروايات في العالم كله لا يتم التعامل معها هكذا أبدا, والروايات عموما تعبير جمالي عن بيئة وناس, وفي هذه البيئة ما هو جيد وما هو ردئ, وبين هؤلاء الناس من هو صالح ومن هو طالح, ونجاح أي عمل فني يتمثل في القدرة على اختيار شخصيات حية من الواقع يتحدث كل منها بلسانه وافكاره الخاصة التي قد تكون مقبولة وقد تكون مرفوضة منا نحن القراء, والأفكار التي تأتي على لسان الشخصيات في أي رواية لا تعبر عن أفكار الكاتب وإلا انتفت عنها صفتها الفنية تماما. إلى ذلك واصلت صحيفة الشعب في عددها الصادر أمس (الثلاثاء) هجموهها على الرواية ونددت بمؤلفها وجهة إصدارها وطالبت بعدم الاكتفاء بسحبها من الاسواق وإنما محاكمة من تسبب في نشرها.