لعلها تدرك أنها فنانة ذات طراز خاص, وإلا فمن أين لها بكل هذه الشفافية وهذا الوعي والذكاء الذي يطل من بين كلماتها.إنها الفنانة يسرا التي تعيش نشاطا فنيا مكثفا في الفترة الأخيرة, فبمجرد أن انتهت من تصوير فيلم (الوردة الحمراء) مع المخرجة إيناس الدغيدي لم تنتظر قليلا لتلتقط أنفاسها, فدخلت على الفور فيلمها الجديد (العاصفة) مع المخرج الشاب خالد يوسف. حول هذين الفيلمين وأشياء أخرى كان الحوار. * نبدأ من فيلمك الأخير الذي تصورينه حاليا مع المخرج الشاب خالد يوسف, وهو الفيلم الذي يحمل عنوان (العاصفة).. ألا تخافين مغامرة العمل مع مخرج يخطو خطواته الأولى نحو الإخراج؟! ـ إطلاقا.. فالعمل مع المخرجين الشبان أو المؤلفين أو الممثلين الذين ينتمون لجيل الشباب أو الذين يخوضون تجاربهم الأولى شيء ضروري ومغامرة مطلوبة, خاصة وأن السينما في حاجة ملحة إلى دماء وأفكار وتجارب جديدة ولعلنا جميعا كنجوم في السينما المصرية قلنا هذا الكلام من قبل وواجبنا الآن هو التنفيذ, فليس معنى أنني نجمة كبيرة أن أفرض على نفسي فكرة العمل مع الكبار فقط, بل لابد من التعاون مع أي جديد, فهذا من وجهة نظري هو التطور الطبيعي للأشياء, وبالنسبة لعملي مع المخرج خالد يوسف أنا سعيدة جدا به, لأنه مخرج واعي وله رؤية متميزة رغم أن هذه هي التجربة الأولى له في عالم الإخراج وإن كان قد عمل في الفترة الأخيرة كمساعد مخرج ليوسف شاهين, وقد تعرفت عليه في مكتب يوسف شاهين ووعدته بأن أقوم ببطولة أفلامه وفعلا عندما عرض علي دوري (العاصفة) وافقت دون تردد, وأشعر أنه سيصنع فيلما مهما. * وما هي حكاية (العاصفة)؟! ـ الفكرة الأساسية في الفيلم تدور حول حرب الخليج الثانية, وتدور الأحداث حول أسرة مصرية تتكون من الأم وهي الشخصية التي أجسدها والولدان (هاني سلامة ومحمد نجاتي) أما الأب فهو الغائب الحاضر والذي كان فدائيا ومقاتلا شرسا يدافع عن الوطن, فقد اختفى بعد ارتفاع العمل الإسرائيلي فوق القاهرة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد في ,1979 وتلتقي الأم برجل آخر (هشام سليم) وتنشأ بينهما علاقة حب, ولكنها تعجز عن المضي في هذه العلاقة لأنها تعاني التمزق الداخلي بسبب انتظارها لعودة زوجها الغائب, وتتصاعد الأحداث فيسافر الابن الأكبر للعمل في العراق ثم يتطوع في الجيش الشعبي العربي, وتحدث المفارقة حين يقف هذا الابن في صف المواجهة عندما يدخل الجيش العراقي الكويت ليجد شقيقه الأصغر قد تجند في الجيش المصري المشارك في القوات الحليفة المناهضة للعراق في هذا الفيلم الذي يحكي باختصار عن التفتت العربي للأسف الشديد.. * هل يذكرك التعاون مع خالد يوسف بالعمل مع يوسف شاهين؟! ـ نعم.. وإلى حد كبير, فكما يقول المثل الشعبي (ابن الوز عوام), وكلنا نعتبر خالد هو ابن يوسف شاهين وتلميذه النجيب, وفعلا اكتسب كثيرا من صفاته ولعل أهمها الجدية والالتزام والتعامل مع الممثل بحب واحترام وحميمية شديدة. * هناك فيلم آخر انتهيت من تصويره مؤخرا وهو (الوردة الحمراء) مع المخرجة إيناس الدغيدي, فما قصته؟ ـ هذا الفيلم يدور حول القصة الخالدة التي تجمع بين رجلين وامرأة واحدة وأقوم أنا بدور هذه المرأة المتزوجة من تاجر سلاح هو أحمد رمزي بينما كانت تحب رجلا آخر هو مصطفى فهمي الذي تسببت في دخوله السجن وخرج لينتقم منها, بل أن الرجلين يتحالفان معا للقضاء عليها, إنه فيلم يتضمن قضية إنسانية ويطرح أزمة الثالوث الشهير الزوج والزوجة والعشيق وإن كان يطرحها بشكل رومانسي, ولكنها ليست رومانسية كتلك التي تعودنا عليها بل هي الرومانسية القاسية, لأن هناك أيضا نوعا من الحب القاسي العنيف. * وكيف ترين العمل مع الفنان أحمد رمزي, وهل صحيح أنك سبب إقناعه بالموافقة على هذا الدور؟! ـ أحمد رمزي إنسان دقيق وملتزم بشكل مخيف, وإذا انتهى من عمله فإنه كان يجلس في غرفته لا يكاد يبرحها, ومما لا شك فيه فهو ثروة بالنسبة لنا, وهو فنان له تاريخ وله عشاقه ومعجبوه الذين لم ينسوه حتى الآن, واشتراكه في الفيلم كان اقتراح إيناس الدغيدي التي طلبت مني أن أذهب معها لإقناعه بالعودة إلى السينما, ولكني قلت إنه ينبغي لها أن تذهب هي أولا بمفردها بحيث أكون أنا الكارت الثاني, وقد قبل هذا النجم صاحب الأفلام الجميلة العودة إلى التمثيل. * معروف أن مصطفى فهمي نجم تليفزيوني ألن يؤثر ذلك على الفيلم..؟! ـ مصطفى فهمي ممثل جيد ولكنه لم يأخذ حظه كاملا في السينما, ولا مانع من أن يسعى لذلك, بالإضافة إلى أنه يصلح لأن يكون نجما سينمائيا شكلا ومضمونا. * وما رأيك في إيناس الدغيدي؟! ـ في الحقيقة إنها "عقل" خلف الكاميرا.. * ولكن إيناس الدغيدي مهتمة بتقديم تفاصيل مشوهة ومفتعلة عن المرأة, وتطرح نمطا للمرأة يعكس وجهة نظرها الخاصة.. فما تعليقك؟! ـ أنا أعرف إيناس جيدا, وهي سيدة واضحة وجريئة جدا وأنا أحترم فيها جرأتها, هي أيضا تحب الحدود لكن ليس إلى درجة أن تتحول إلى جدران لكي نشعر بها أو نراها, يكفي الحدود المستترة التي تجعل الإنسان يوافق أو يرفض, وإيناس ـ بحكم معرفتي بها ـ تتراجع عن أشياء كثيرة وتغيرها إذا شعرت أنها زائدة عن الحد, إنها تعرف الأصول والحدود لكنها لا تتحدث عن المرأة المصرية فقط بل عن المرأة من حيث أنها "إنسان", إنها تتحدث عن المرأة كمطلق.. كيف تحب.. كيف تغار.. كيف تكره.. كيف تعيش وتأخذ وتعطي, إيناس تلعب بمجموعة مشاعر إنسانية يمكن أن نقول عنها تفاصيل دقيقة جدا ولذلك هي متفردة.. فهي شديدة الثقافة.. غزيرة العطاء, وهي كالمانيكان الذي يليق عليه كل الموديلات, لها رؤية وشكل خاص تقدمه في أفلامها وتجيد توليفة فنية.. لا مجرد توليفة تجارية ولديها لغة سينمائية عالية. * حديثك لا يحمل تقديرا فقط للمخرجة إيناس الدغيدي ولكن أيضا يتضمن رؤية خاصة للسينما والحياة.. فكيف تكونت هذه الرؤية خلال رحلتك الفنية..؟! ـ إنها نتاج أكثر من 20 سنة من العمل والكفاح والمغامرة في الحقل الفني, فرؤيتي للأمور لم تتكون بين يوم وليلة وإنما من خلال عشرات التجارب الإنسانية والفنية وكانت النتيجة أنني تعلمت أنه كلما أعطيت الفن حقه يعطيني وكلما أحببته واحترمته يعيد لي هذا الحب والاحترام وأكثر منه, والفن رسالة عظيمة في الحياة مثل رسالة القلم, والسينما مرآة المجتمعات المتحضرة التي تعكس مشاكله السياسية والاجتماعية والحياتية وتبحث لها عن حلول. * وهل تشعرين أنك أكثر تميزا بين نجمات جيلك؟! ـ لا يشغلني هذا الأمر, فقط أنا أحب عملي جدا وأحترمه وفخورة به وبنفسي كفنانة, وأنا أعتز بفني وبجمهوري وأحب وأحترم العلاقة الخاصة جدا بيني وبين الجمهور وبيني وبين النقاد الذين يضيفون لي من خلال نقدهم. وطوال عمري الفني وأنا أتعامل مع عملي بجدية شديدة وأعتبره أساس كياني ووجودي, ومن خلال تاريخي الذي صنعته على مدى أكثر من 20 عاما من العمل, تعرضت خلالها للفشل والنجاح, وتعرضت في بداية حياتي لاختيارات صحيحة وأخرى خاطئة, ولكنني بدأت أضع تخطيطاً لحياتي منذ الثمانينيات, وحددت لنفسي جدولا زمنيا بتخطيط وفكر محدد, وأحاول بقدر الإمكان الالتزام به, ولذلك فإنه إذا تم رصد مجمل أعمالي منذ الثمانينيات وحتى الآن فستكون النتيجة أنها أهم أعمالي طوال مشواري الفني, أو الإنتاج الذي أضاف لي كممثلة وصنع تاريخي الفني. * يبدو واضحا أنك راضية عن هذا المشوار, فماذا عن رضاك عن الجوائز التي حصلت عليها خلال رحلتك الفنية؟! ـ الجوائز شيء مهم لأنها تقدير لمجهودي وأدائي وعشقي المتفاني للفن, ولدي غرفة خاصة بمنزلي تمتلئ عن آخرها بالجوائز الدولية والمحلية وشهادات التقدير, ومع ذلك فهناك أعمال لم أحصل عنها على جوائز لكنني أحبها جدا, وكلها نجاحات لها طعم مختلف عن أي نجاح من نوع آخر. القاهرة ـ (البيان) ـ نيرة بركات