الثورة والمرأة تعلمت من كتب التاريخ الحديث وكتب تاريخ الأدب الحديث ان ثورة 1919 تركت أعمق الأثر في المجتمع المصري, وفجرت رغبة التحرر الساكنة في الأعماق على كل المستويات, الأمر الذي ظهرت نتائجه في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة. ولا شك ان هذه الرغبة التحررية كانت رغبة عارمة اشتعلت بها نفوس كل طوائف الشعب المصري التي أشعلت الثورة تمردها على الظلم الأجنبي وعلى التقاليد الجامدة التي كانت خير عون للظلم الأجنبي. وأتصور ان هذه الرغبة التحررية فتحت أعين الجميع على واقعهم, ودفعت فئات المقموعين في هذا الواقع إلى تحطيم كافة القيود التي ورثوها عن الماضي, والتي أدركوا في اندفاعهم الثوري الذي تحول إلى ممارسة جذرية لأفعال الاحتجاج انه قد آن الأوان للتخلص نهائيا من هذه القيود. وكان المظهر العملي لذلك, من منظور الدائرة الخاصة بحركة المرأة المصرية هو ارتفاع نبرة الأصوات المطالبة بتحرير المرأة, وتصاعد العمل على تأكيد حضور (المرأة الجديدة) التي ظل قاسم أمين يحلم بها سنوات عديدة, قبل قيام الثورة, ومات من قبل أن يرى تحقق حلمه في تدافع الأحداث التي فجرتها ثورة 1919. وقد تجلى هذا المظهر العملي في تحول الموقف من تعليم البنات جذريا, واقتحام المرأة لقاعات الجامعة المصرية, جنبا إلى جنب الرجل, وذلك في موازاة ما صدر من مجلات متخصصة في الأمور النسوية والقضايا الخاصة بالمرأة ومكانتها في المجتمع والحياة. وبعد أن كان الرجال في الأغلب الأعم - فيما عدا رائدات قليلات ظللن أقرب إلى الاستثناء الذي لا ينقض القاعدة - هم الذين يتحملون أعباء الدعوة إلى سفور المرأة, ويطالبون بحقوقها, ويستنهضون الرأي العام لكي ينتبه إلى مساوئ الحجاب. جاءت ثورة 1919 فنبهت الأمة المصرية بأسرها, رجالا ونساء, إلى ما يجب فعله للنهوض بالمرأة. وتغيير المفاهيم السائدة عنها, سواء المفاهيم التي حملتها المرأة عن نفسها أو المفاهيم التي ظل الرجال ثابتين عليها في نظرتهم إلى المرأة. ومنذ اللحظة الأولى لقيام ثورة ,1919 فيما نقرأ في كتب التاريخ التي تعودنا عليها, سارت المرأة في المظاهرات كالرجل تماما, وأعلنت عن استعدادها للإسهام في الثورة بمختلف الوسائل وفي شتى الميادين, بل انها أسهمت بالفعل في هذه الثورة وسقط من بين صفوفها عدد من النساء الشهيدات اللاتي ذكر المؤرخ عبدالرحمن الرافعي أسماءهن ضمن أحداث ثورة 1919 التي أرخ لها في المجلد الكبير الذي نشره عن هذه الثورة. وقد تحدث الرافعي عن إسهام المرأة بالمظاهرات في الثورة, وذكر من ذلك المظاهرة الأولى التي قامت بها السيدات والآنسات يوم الأحد 16 مارس 1919. وكان الغرض منها الاعراب عن شعورهن والاحتجاج على ما أصاب الأبرياء من القتل والتنكيل في المظاهرات السابقة. وتوالت مظاهرات النساء, وتتابع هتافهن بحياة الحرية والاستقلال وسقوط الحماية, ووصل الأمر إلى حد انهن اجتمعن بالكنيسة المرقسية حين وفدت لجنة ملنر إلى القاهرة في السابع من ديسمبر سنة ,1919 وكان عدد النساء المجتمعات كبيرا, وكن ينوين الاحتجاج على قيام وزارة يوسف وهبة باشا وقدوم لجنة ملنر. ويبدو ان اندفاعة المرأة المصرية إلى المظاهرات, وما واكب هذه الاندفاعة من تأكد حضورها الواعد الصاعد في مجالات المجتمع المختلفة, جنبا إلى جنب ارتفاع مكانتها في أعين وعقول أبناء المجتمع الذين تأثروا بايجابية إسهامها في ثورة 1919 إلى أبعد حد, أقول: يبدو ان ذلك هو المسئول عن شيوع الاعتقاد بأن المرأة المصرية خلعت حجابها في ثورتها على المحتل, وانها تحدت التقاليد وظهرت سافرة في مظاهرات ثورة 1919. وأتصور ان ذلك الاعتقاد قد أسهمت في تأكيده انباء الثورة المتواترة خصوصا بعد تأويلها في عقود لاحقة, وبعد اعادة تخيلها وتركيبها على نحو يناسب عقول ازمنتنا المعاصرة, وليس عقول المعاصرين لاحداث الثورة نفسها, ولذلك اظهرت السينما المصرية, مثلا, مظاهرات النساء في ثورة 1919 وابرزت جماعات النساء السافرات تواجه جنود الاحتلال البريطاني الذين كان عليهم التصدي لنساء مستعدات للتضحية بأرواحهن فداء للوطن الذي عزم الجميع على ضرورة تحريره من المحتل الغاصب وغير بعيد عن هذه الصورة قصيدة شاعر النيل حافظ ابراهيم عن مظاهرة النساء الكبرى في ثورة 1919 خصوصا حين تخيل بعض معاصرينا وقائع القصيدة, مفسرين اياها على نحو جعل من النساء المتظاهرات نساء سافرات, تمردن على المحتل الغاصب كما تمردن على التقاليد التي يرمز اليها الحجاب الذي اصبح شعار عبوديتهن. واحسب ان هذه الصورة البراقة هي الصورة التي لاتزال ذائعة شائعة في كل ما جرى عليه عرف الكتابة عن هذه الفترة, ومن ذلك, مثلا ما نقله المرحوم سيد حامد النساج ـ وهو افضل من كتب عن تطور فن القصة القصيرة في مصر الى اليوم ـ عن اثر ثورة 1919 في ازاحة حجاب المرأة, فضلا عن تمرد المرأة التي خلعت حجابها في فعل تحررها اثناء الثورة, وقد ذهب المرحوم سيد النساج في كتابه عن (تطور فن القصة القصيرة في مصر: من سنة 1910 الى سنة (1933) وقد صدرت طبعته الاولى في القاهرة سنة 1968) الى ان سعد زغلول زعيم الثورة هو المسئول عن ذلك بأكثر من معنى, يقصد الى ان زعيم الامة والثورة كان اول من دعا الى سفور المرأة بصورة فعلية, تماما كما دعا الى حق الامة في الحرية والحياة الديمقراطية السليمة, وكان المجلى العملي الملموس لهذه الدعوة ما فعله سعد زغلول عندما وقفت امامه احدى الخطيبات وعلى وجهها النقاب, فنهض هو (وأزال بيده نقابها, فخطبت وهي سافرة) ويذكر المرحوم سيد النساج في مراجعه انه نقل هذه الواقعة عن (المجلة الجديدة) في عددها الصادر في شهر مارس سنة 1930 (ص520) واعترف انني استمعت الى هذه الصورة البراقة طويلا, وظللت معتقدا بصحة تفاصيلها منبهرا بتخيل شجاعة النساء اللاتي خلعن حجابهن اثناء المظاهرات, تماما كما اعجبت بهذه الصورة التي تروى عن سعد زغلول الثائر الذي نزع الحجاب عن وجه هذه الفتاة الثائرة التي كانت تخطب, ولم انتبه الا بعد ذلك بسنوات الى ان عدد (المجلة الجديدة) الذي نقل عنه المرحوم سيد النساج صدر في مارس 1930 وليس سنة 1919 وان كل الكتب التي رجعت اليها عن الثورة وكل الدوريات من الجرائد والمجلات التي صدرت سنة 1919 وما بعدها لم يحمل صورة امرأة سافرة في مظاهرة قط, وان كل الصور التي نعرفها عن مظاهرة النساء في ثورة 1919 كلها صور عن نساء محجبات لم يمنعهن الحجاب من القيام بالاحتجاج على الاحتلال البريطاني, وممارسة شجاعة التظاهر في وجه مدافع وبنادق جنود الاحتلال. والاطرف من ذلك ان كتاب (ثورة 1919) الذي كتبه عبدالرحمن فهمي وكان من معاصري الثورة, وانغمس في احداثها, لم يذكر شيئا عن نزع المرأة حجابها اثناء احداث ثورة 1919. وشيئا فشيئا, ادركت ان فعل تمرد المرأة على حجابها لم يكن اثرا مباشرا, فوريا, آنيا, من اثار ثورة 1919 وانما كان اثرا من آثارها غير المباشرة, ونتيجة لاحقة ترتبت على النتائج المباشرة لاحداث الثورة, وحقيقة الامر ان المرأة المصرية نزعت حجابها بعد الثورة بسنوات, خصوصا بعد ان تعمقت نتائج الثورة كل النفوس والعقول, وبعد ان تمثلت هذه النفوس والعقول افكار الثورة وامتلأت بها امتلاء كاملا في سنوات متعاقبة, سنوات كانت قليلة حقا, لكنها كانت كافية لتشجيع المرأة على التمرد على حجابها, ومن ثم ممارسة فعل السفور الذي كان بمثابة رد فعل لاحق على ما احدثته دوامات ثورة 1919 المتسعة والمتصاعدة, اما متى حدث ذلك على وجه التحديد؟ ومن هي الرائدة التي فعلت ذلك؟ فالاجابة عنه في استراحة لاحقة.