فقد المسرح الاسباني واحدا من أهم كتابه خلال النصف الثاني من القرن العشرين, بوفاة الكاتب "أنطونيو بويرو باييخو" في الثامن والعشرين من شهر ابريل 2000 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين, بعد حياة حافلة قضى منها أكثر من نصف قرن في الكتابة المسرحية, كتب خلالها عددا كبيرا من الأعمال الخالدة, التي أهلته للحصول على الجائزة الوطنية للآداب عدة مرات, ثم جائزة ثربانتيس عام 1985 التي تعتبر أكبر جائزة أدبية في اللغة الاسبانية. منذ أن كانت مسرحيته "حكاية سلم" التي تم عرضها على المسرح لأول مرة عام ,1949 والتي اعتبرها النقاد بداية لعصر مسرحي جديد في اسبانيا, مرورا بمسرحيات مثل "اليوم عيد" و "حلم العقل" و"المؤسسة", و"الحكاية المزدوجة للدكتور بالمي", أو "شراك القدر", وغيرها من الأعمال الكبيرة, ثم كانت مسرحية "مهمة في قرية غير مأهولة" التي كانت آخر أعماله التي شاهدها على المسرح قبيل رحيله بأيام قليلة, كان النشاط الإبداعي الأساسي لأنطونيو بويرو باييخو. لكن الكتابة المسرحية لم تكن كل إبداعه, بل كتب عددا من الروايات والدراسات الأدبية, وكان له نشاطه اللغوي من خلال عضويته بالمجمع الملكي للغة الاسبانية منذ عام ,1971 دون أن يهمل هوايته الفنية الأولى وهي الرسم الذي درسه في كلية الفنون الجميلة, واجمل آثار تلك الهواية الصورة الوحيدة التي خلدت الشاعر الاسباني ميجيل هيرنانديث, والتي رسمها بويرو باييخو أثناء سجنهما وانتظارهما معا لتنفيذ حكم الإعدام الذي صدر ضدهما بعد محاكمة عسكرية سريعة أقامها لهما نظام الجنرال فرانكو بعد انتهاء الحرب الأهلية عام ,1939 بسبب انضمامهما إلى الجيش المدافع عن شرعية الجمهورية. الكاتب المسرحي أنطونيو بويرو باييخو من مواليد عام 1916 بمدينة "غوادا لاخارا" التي يعود اسمها إلى الاسم العربي الأندلسي القديم "وادي الحجارة", والتي تقع حاليا في إطار إقليم "كاستيا لامنتشا" على رغم قربها من العاصمة مدريد, وعاش في تلك المدينة كل طفولته تقريبا وجزءا من مراهقته, وكان لديه ميل منذ فترة مبكرة من حياته نحو القراءة وسماع الموسيقى, إذ الفن التشكيلي كان هوايته الأولى ومحل اهتمامه, لكن حب والده للمسرح دفع به إلى هوايته منذ الصغر لأنه كان يصطحبه معه لمشاهدة بعض الأعمال المسرحية التي كانت تعرض في ذلك الوقت. على اثر الاقتراب من هذا الفن عبر المشاهدة بدأ "أنطونيو بويرو باييخو" الفتى يعشق التمثيل والإخراج المسرحي ويمارسهما مع أقرانه الصغار بالمدينة, وكتب أثناء دراسته الأولية أول عمل مسرحي درامي بعنوان: " الرجل الوحيد ", ونال عنه جائزة طلابية تعتبر أول جائزة يتلقاها الكاتب في حياته الأدبية والفنية. ميله نحو الفن التشكيلي دفعه إلى الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة بمدريد, ودرس فيها على أيدي عدد من أهم الفنانين التشكيليين المعروفين في ذلك الوقت, لكن دراسة الفنون لم تمنعه من متابعة النشاط الأدبي الكبير الذي كان يعم العاصمة الاسبانية في ظل حركة سياسية متوترة, التي كانت تشهدها البلاد إذ كانت في مخاض حقيقي بعد سنوات الهزيمة التي تلت هزيمة اسبانيا في كوبا عام ,1898 ثم دكتاتورية الجنرال بريمو دي ريبيرا, إلى إعلان الشعب في استفتاء عام قيام الجمهورية وما نتج عن ذلك من قلاقل انتهت بالبلاد إلى حرب أهلية مدمرة. أثناء دراسته في العاصمة مدريد, ازداد ميله اكثر نحو الإطلاع على الفلسفة والعلوم الطبيعية, وانطلاقا من نشاطه الأدبي والثقافي بدأ يتجه نحو المشاركة في العمل السياسي الذي كان يجتذب عددا كبيرا من شباب تلك الأيام, اقترب أولا من الحركات اليسارية الماركسية, إلا أنه لم ينضم رسميا لأي من الأحزاب الشيوعية التي كانت قائمة في اسبانيا في ذلك الوقت, ولم تكن مشاركته معروفة سوى في إطار الحركة الطلابية بالجامعة, حيث كان له هناك نشاط واسع حتى انه تم اختياره سكرتيرا عاما لاتحاد الطلاب بقسم الفنون الجميلة, وكان مرسمه في مدريد مقرا للقاءات أدبية, ومنطلقا للعديد من الأنشطة السياسية الطلابية بالجامعة. في ظل النشاط السياسي اللاحق على قيام الجمهورية في أوائل الثلاثينيات والفوضى التي عمت الساحة السياسية الداخلية تم القبض على أبيه وشقيقه الأكبر اللذين كانا ضابطين بالجيش, وتم إعدامهما في شهر نوفمبر عام ,1936 مما ترك في ذاكرة الشاب أنطونيو جرحا عميقا لا يندمل, وظهر هذا الجرح في العديد من الأعمال التي طرح فيها قضية المسئولية الأخلاقية إزاء الأعمال الظالمة غير المبررة, التي ارتكبتها بعض الجماعات الثورية قبيل الحرب الأهلية الاسبانية (1936-1939). لم يمر وقت طويل حتى التحق أنطونيو بويرو باييخو متطوعا بإحدى فرق المشاة التي كانت تقاتل تحت علم الجمهورية ضد قوات الجنرال فرانكو, الذي رفض الاعتراف بالاستفتاء ورفض رأي الجماهير, وخلال فترة تطوعه شارك في تحرير عدد من النشرات الثورية سواء بالكتابة أو بالرسم, إضافة إلى ممارسة أنشطة ثقافية أخرى, خلال تلك الفترة تعرف على عدد من الشخصيات الأجنبية التي تطوعت للقتال إلى جانب القوات الجمهورية في مواجهة الفاشية التي كانت تحاول إجهاض الحلم الاسباني في الديمقراطية على الطريقة الغربية. ما ان انتهت الحرب الأهلية بهزيمة الجمهورية وانتصار قوات الجنرال فرانكو حتى تم القبض على أنطونيو بويرو باييخو في منطقة فالنسيا, وتم نقله إلى معسكر للاعتقال الجماعي في منطقة كاستيون, ثم تم الإفراج عنه والتصريح له بالسفر إلى العاصمة مدريد, على أن يتقدم للسلطات المحلية خلال فترات محددة, لكنه لم يطع الأوامر وبدأ العمل في صفوف الحزب الشيوعي الذي كان قد انضم إليه خلال الحرب الأهلية, فتم القبض عليه مجددا متمهما بالتمرد وعدم إطاعة الأوامر الصادرة من السلطات القائمة, وبعد ثمانية أشهر من السجن تم الحكم عليه بعقوبة الإعدام, التي تم تخفيفها إلى السجن ثلاثين عاما. تنقل خلال تلك الفترة بين عدة سجون, حتى وجد نفسه يوما رفيقا للشاعر الشهير ميجيل هيرنانديث في سجن كوندي دي تورينو, ورسم له خلال تلك الفترة الصورة الشخصية الشهيرة التي لا يعرف للشاعر صورة غيرها حتى الآن, وبعد عدة سنوات تقرر الإفراج عنه عام ,1946 ليعود إلى الحياة المدنية وقد جف ينبوع موهبته التشكيلية, ولكن نبتت في داخله بذرة الكتابة المسرحية بعمق كبير, فقرر التخلي عن الفرشاة والإمساك بالقلم وفتح باب قلبه على مصراعيه للكتابة المسرحية. عندما قرر أنطونيو بويرو باييخو الاتجاه إلى الكاتبة المسرحية اختار أن يكون مسرحه مختلفا عن السائد في ذلك الوقت, سواء من ناحية الشكل أو الموضوع, إلا انه كان مشغولا بفكرة أساسية تتمثل في"العمى" أو "فقد البصر", ليس على المستوى الفيزيقي فقط, بل على المستوى المعنوي أيضا, فكتب مسرحيته الأولى عام 1946 التي كان عنوانها "في الظلام الحارق", ثم كتب بعدها مسرحية " حكاية غير رحيمة ", لكنه لم يقدمهما للعرض على المسرح باعتبارها -في رأيه - من الأعمال غير الناضجة التي لا تستحق المشاهدة, ثم كتب مسرحيتي "محاكمة سليمان الأخرى" و "إنهم ينظرون إلينا", إلا أنه ما بين عامي 1947 و1948 كتب مسرحيته المعروفة "حكاية سلم" التي اعتبرها النقاد البداية الحقيقية للكتابة المسرحية المعاصرة في اسبانيا, وكانت في الوقت نفسه بداية لعصر مسرحي كامل, ثم كتب بعد ذلك "الرعب الساكن" و "مغامرة في الرمادي". تقدم عام 1948 لمسابقة جائزة "لوبي دي بيجا" المسرحية التي كانت تقدمها بلدية العاصمة الاسبانية مدريد, وكانت المفاجأة أن مسرحيتيه "حكاية سلم" و "في الظلام الحارق" فازتا بالمركزين الأولين, حيث حصل بمسرحيته الأولى على جائزة المسابقة فيما جاءت مسرحيته الثانية في المركز الثاني, أي أن نتيجة المسابقة العامة انتهت إلى أن تكون مسابقة خاصة بالكاتب وحده, وتم تقديم "حكاية سلم" على المسرح الاسباني في أكتوبر عام ,1949 ونالت نجاحا باهرا لم يكن متوقعا لكاتب شاب يخطو خطواته الأولى على طريق الشهرة. منذ تقديم "حكاية سلم" ونجاحها تحول أنطونيو بويرو باييخو إلى كاتب مسرحي متميز عن غيره من معاصريه من المسرحيين الاسبان, لأنه كان يحاول أن يركز دائما على قضايا الإنسان الاسباني المعاصر, وينقل تلك المشاكل إلى خشبة المسرح بشكل أمين, ووسيلته في ذلك الدراما المأساوية, فكتب بعد ذلك عددا كبيرا من الأعمال البارزة في إنتاجه اليوم, مثل: "اليوم عيد" و"حالم من اجل شعب" و "كونشيرتو سان أوفي يدو" و"الحكاية المزدوجة للكتور بالمي" التي قدمها المسرح القومي المصري تحت عنوان "دماء على ملابس السهرة" من ترجمة الدكتور صلاح فضل, وإخراج الفنان نبيل منيب, ولعب بطولتها عزت العلايلي ومحسنة توفيق. له أيضا مسرحيات "الطاقة" و "حلم العقل" و "لاثارو في مصيدته" و "موسيقى قريبة" و "المؤسسة", "شراك القدر", ثم كانت "مهمة في قرية غير مأهولة" مسرحيته الأخيرة التي قدمها المسرح الاسباني, والتي شاهدها الكاتب قبيل رحيله بأيام قليلة. يعتبر أنطونيو بويرو باييخو الكاتب الوحيد الذي حصل على الجائزة الوطنية للمسرح ثلاث مرات في ثلاث سنوات متتالية, حصل عليها عام 1956 عن مسرحيته "اليوم عيد", وعام 1957 عن مسرحيته "خطابات غارقة في الوحل", وعام 1958 عن مسرحيته "حالم من أجل شعب", وكان حصوله على جائزة "ثرفانتيس" عام 1985 التي تعتبر نوبل الآداب المكتوبة باللغة الأسبانية تتويجا لإبداعه الذي وضعه على قمة المسرح الاسباني المعاصر بجدارة. انطونيو بويرو باييخو (2000-1916م)