يا أهل القانون أظنها مسرحية (كاسك يا وطن) للكوميديان السوري الموهوب دريد لحام, في المسرحية مشهد مازالت الذاكرة تعيه جيدا رغم أنها تنتمي الى حقبة السبعينيات من القرن الماضي.. وفي المشهد يقف البطل (غوار) وسط فرقة موسيقية (على قد الحال) وهم ينشدون أغنية عن القانون حيث الكلام - وأظنه أيضا للشاعر المؤلف محمد الماغوط - يلعب على قافية الخلط بين آلة القانون الموسيقية وبين سطوة القانون الجزائية, القانون بمعناه المعروف في حياة الانسان.. تقول الأغنية وأذكر أن كانت من مقام البياتي: يا أهل القانون.. راح فين القانون راح فين القانون.. أكبر مصيبة ضياع القانون. من يومها وأنا أتطلع الى عازف القانون في التخت الشرقي العربي المعروف.. وقد اتخذ مجلسه دائما في وسط الجوقة.. أو مركز دائرة الاهتمام (أسعد كثيرا حين ألمح عازفة قانون في فرقة الموسيقى العربية في أوبرا القاهرة التي يقودها صديقنا المايسترو سليم سحاب).. العازف.. العازفة يوحي كل منهما بمعاني الأستذة.. السلطنة ولا عجب فهو محور الاهتمام باستمرار.. عن يمينه طاقم الكمنجات.. لا تدري لم يتسم عازفوها برؤوس صلعاء لامعة تجاوبها أناقة في الهندام لا تخطئها العيون, وعن يساره يقبع العود.. قلبي دائما مشدود اليه.. وجداني منجذب باستمرار الى ريشته الرقيقة المرهفة تخرج منها أنغام صافية بالغة العذوبة مفعمة دوما بشجن الروح الشرقي الذي لايعرف جماله الشجي أبناء الغرب الذين تروعهم تلك الدرجة التي نذوب بها في ألحان معزوفاتنا الشرقية الأصيلة, طبعا بشرط أن تكون شرقية وأصيلة حقا.. بعد ذلك يتناثر عازفو الايقاع, وخاصة (الرق) الذي تكاد نقراته الصادرة من الأنامل الفاهمة المدربة الخبيرة تضبط حركة العمل الفني بأكمله.. ثم هناك كما لايخفى عليك آلات التشيللو والكونترباس التي تضبط بدورها الايقاع في الصوت الوئيد الخفيض الغليظ, ويرجع الفضل في ادخال بعضها الى عامود الموسيقى العربية المعاصرة, الى الموسيقار الأشهر محمد عبدالوهاب الذي آثر أن يلفت الأسماع والأنظار الى فنه هذا الجديد المثير, وخاصة في رائعته الشهيرة التي صاغها شعرا أمير الشعراء أحمد شوقي في الليل لما خلي.. إلا من الباكي, والنوح على الدوح.. حملي.. للصارخ الشاكي.. هناك لاتعرف وسط هذه المنظومة الذهبية من القول الجميل.. أأنت بازاء الفصحى وقد باحت بأسرارها.. أم بازاء العامية وهي ترتقي حثيثا الى ذرى القول البليغ الفصيح (قدم عبدالوهاب رائعته في مناسبة انعقاد أول مؤتمر للموسيقى العربية في قاهرة الملك فؤاد عام 1932 وكان مكان الانعقاد هو معهد الموسيقى الشرقي وأظن أن مشاهدي ومتابعي حلقات أم كلثوم قد عايشوا وقائع هذا العهد ونعموا بأقباس من تاريخه المجيد في خدمة الوجدان العربي المعاصر). والقانون.. الموسيقي جهاز معجباني.. مفتون بنفسه.. يكاد يفرض نفسه فرضا على متابعي التخت الشرقي في كل العصور.. أين هذا من تواضع العود الطيب الذي يكاد ينكر ذاته وسط الوتريات.. هذا رغم أن العود آلة لها تاريخ, اذا استخدمنا التعبير الذي أدخله الى قاموسنا المعاصر مفكرنا الراحل أحمد بهاء الدين عليه ألف رحمة ونور.. نعم العود مذكور في كتب التراث العربي.. وفي مقدمتها طبعا أغاني أبي الفرج الأصفهاني.. وكم تتكرر عند العم أبي الفرج حكاية مجلس الأنس الهني يعقدها في الأسمار المقمرات وغير المقمرات طليعة القوم من خلفاء وأمراء وكتاب وحجاب (طبعا نقصد بالكتاب طبقة الوزراء في تلك العصور من البهلنية السعيدة, أين هذا من كتاب عصرنا التعيس الذي يحترف فيه المهر حرفة الكتابة السيارة فاذا هو معرض لدخول السجن بتهمة التعرض لوزير هنا أو مدير هناك ولا حول ولا قوة إلا بالله). المهم أن زمن أبي الفرج كان يشهد انعقاد مجلس الأنس وفي صدره صاحب البيت الموسر الكبير.. وحين يحبك المزاج يستدعون الجارية فلانة (دائما كانت اسماؤهن طريفة من أمثال (وحيدة) صاحبة ابن الرومي, أو (فوز) صاحبة العباس بن الأخنف أو (سلامة) التي جسدت شخصيتها في الفيلم البدوي الشهير كوكب الشرق أم كلثوم).. وإذ تحضر الشادية يقول أبوالفرج.. وتناولت العود, وأصلحت أوتاره ثم انطلقت تغني صوتا أو صوتين من شعر فلان وصاحب المجلس (صاحب القعدة يعني) يستزيدها لحلاوة صوتها.. وبعدها يندمج صاحب الأغاني نفسه في الدور وتحبك معه الصنعة فاذا به يضيف واصفا أهل المجلس بأن هذا قد غشي عليه ساعة من فرط الوجد أو أن ذلك قد شق قميصه طربا إزاء قوة التأثير. ولا أكتمك إن كنت منذ مطالع الصبا أحب الشعر الكلاسيكي القديم وأحاول أن أروض النفس الصبية على تذوقه طبعا خارج مقرر الدراسة في اللغة العربية.. وحين وقع في يدي لا أدري كتاب الأغاني أو أجزاء منه, أدركت أنني كمن صادف كنز علي بابا.. افتح ياسمسم ومع ذلك فقد صادفت عند (أبي الفرج) تبرا وترابا بقدر ما صادفت ذهبا ودرا ثمينا.. نعم.. ظللت أردد كالمأخوذ أبياتا للعباس بن الأخنف مازلت أحفظها بعد انصرام سنوات ربما تزيد على نصف القرن يقول فيها: يا عازلي: قد كنت قبلك عازلا حتى ابتليت فصرت صبا ذاهلا الحب أول ما يكون مجانة فاذا تحكم صار شغلا شاغلا أرضى فيغضب قاتلي.. فتعجبوا يرضى القتيل ولا يرضى القاتلا كنت استملح مثل هذا الشعر ولا أكاد أفقه من معانيه الكثير.. ومع ذلك فقد هالني كيف أن أبا الفرج كان يفضل بيتا من الشعر لست أدري لمن قال ان عليا بنت المهدي وهي أخت هارون الرشيد على سن ورمح كانت تنشده وتردده إذ كانت هاوية للغناء تجيده وتفتن فيه الى درجة الاحتراف.. البيت بعد إذنك يقول: بُنى الحب على الجور فلو أنصف المحبوب فيه لسُمج والمعنى طريف لكن آه من سماجة الكلمة الأخيرة وثقل ظلها الفادح.. ويخيل الينا أن هذا المعنى أخذه أحمد رامي شاعر أم كلثوم وأعمل فيه قريحته الشعرية ثم قدمه وسط مقطوعة ياللى كان يشجيك أنيني فقال: عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك وتجيب خضوعي منين ولوعتي في هواك. ومن طرائف مايروى في هذا الباب أن صالح باشا, وكان من أعيان منطقة الفيوم في غرب صعيد مصر الأوسط.. كان من سميعة أم كلثوم.. وربما شق عليه يوما متابعة هذا المعنى.. فسأل جاره عما تقوله الست في ذلك المقطع.. فأجاب الجار مازحا: يا باشا.. أم كلثوم تسألك: عزبة جنابك فين؟ هنالك انفرجت أسارير صالح باشا وصاح وهو في غاية الرضا عن النفس يقول: جول لها في أخميم.