نشأ على حب المقام العراقي فكان له اختيار صعب دون تفكير, ذلك ان للنشأة دورها ولكونه سليل عائلة زاخرة بالاصوات المقامية ومعروفة بممارسة هذا اللون في الشعائر الدينية ابا عن جد, ولكن دون احتراف. يقول (حسين الاعظمي) مطرب المقام الاول في العراق حاليا: امتلكت التعابير المقامية بالفطرة وعبرت عنها وعن ثقافتي البيئية باحتراف قراءة المقام العراقي. معلمون كثيرون * لماذا لم يحترف الغناء أحد من عائلتك قبلك؟ ـ لأني من بيئة محافظة, ويصعب التغلب على الصراع النفسي للانتقال الى الغناء. * وبالنسبة لك؟ ـ صقلت موهبتي بدءا عن طريق البيئة فكان لي معلمون كثيرون تلقائيا.. كانت البيئة والاسرة والتاريخ هم من علمني المقام اضافة الى امتلاكي آلة تسجيل كنت أول من يمتلكها في العائلة, وهذا يعني انني امتلكت نظام الاعادة والتكرار فكان المسجل منعطفاً كبيراً في تعليمي اضافة الى نصائح الآخرين وتشجيعهم. * ومتى كانت بداية الاحتراف إذن؟ ـ كان لدي صديق يؤدي المقام نصحني بالغناء في المقهى البغدادية التابعة للمتحف البغدادي وعندما استمع الي مسئول المقهى استغرب كثيراً, ووافق على غنائي في المتحف يوم 23/3/1973 تقرر مصير حياتي عندما ذهبت لاغني لاول مرة على مسرح المتحف البغدادي.. من هذا اليوم بدأت مسيرة اكثر من 27 عاما ومازلت احتفل بهذا اليوم لحد الآن. لماذا المقام عراقي؟ * لماذا تطلق صفة (العراقي) على المقام.. الا توجد مقامات في دول اخرى؟ ـ المقام كشكل غنائي موسيقي عريق واساس احترام هذا اللون هو القدم التاريخي والتراث الحسي غير المربوط بزمن معين.. لقد ظهر هذا التراث في وقت واحد في اماكن متعددة, وكان تراثا عفويا, ربما مرت عليه اربعة قرون.. اما سبب اطلاق صفة (العراقي) عليه فالغرض منها هو تمييزه عن مقامات موجودة في دول اخرى مثل تركيا وايران, اضافة الى انه نشأ وترعرع في بغداد, والعاصمة تمثل البلد كله بالطبع. * ما الفرق بين المقام العرابي والمقامات الاخرى؟ ـ المقام لدينا يقوم على اصول ثابتة اما في الخارج فيغنونه بانفلات. * لماا تنفرد الآن في ساحة الغناء العراقي المقامي بينما سبقك جيل رائع من مطربي المقام؟ ـ سبب قوة وجودي في هذه الفترة هو انني عاصرت كبار المطربين وبقيت الوحيد بعد رحيلهم. التهرب من المقام * اليس هناك جيل واعد من مطربي المقام؟ ـ عندما درست في معهد الدراسات النغمية, كانت معاناتي من الطلبة كبيرة, فهم يستقون منا اصول المقام ثم ينتقلون الى الاغاني السريعة خارج المعهد, ومع ذلك تخرج في معهدنا بعض المطربين الجيدين مثل فريدة وعوني.. كما تخرج ايضاً مطربون درسو المقام ونجحوا في الغناء أكثر من غيرهم رغم انتقالهم الى الاغاني العادية مثل كاظم الساهر ومحمود انور واحمد نعمة. * ما سبب تهربهم من المقام؟ ـ مرحلة الثمانينيات والتسعينيات أثرت كثيراً على الشباب العراقي فقد مروا بمراحل عصيبة بين الحرب والحصار واعتاد اغلبهم على غناء الاغاني الوطنية كما لجأوا الى الغناء المربح لصعوبة الظرف ولان المقام لا يحقق لمطربه شهرة سريعة. * هل تعتقد أن هذا اللون سيندثر مع الزمن لقلة مطربيه؟ ـ لن يندثر ابدا, فالمادة التراثية لا تنشأ أو تموت من خلال الافراد مهما كانت قيمة الفرد الثقافية, ذلك ان التراث وليد الجماعة ومتى ما انتهت الجماعة ينتهي المقام ويبقى بوجودها.. رائد المجددين * من أي جيل تعتبر نفسك؟ ـ يمكن أن أعتبر نفسي رائدا للمجددين, فكل الذين سبقوني والذين عاصرتهم وأعاصرهم حاليا اقتفوا خطوات استاذنا الكبير (محمد القبانجي) دون ان تكون لديهم مؤهلاته, لكني لن افتقي خطوات القبانجي نفسها, بل سأنحو منحاه التجديدي, فأنا امتلك الكثير من مؤهلاته. * ما مساهماتك لايصال المقام إلى كل اذن عراقية؟ ـ ساهمت في تأسيس بيت المقام العراقي الذي افتتح العام 1987 ومازال يحتضن المواهب الجيدة ويحافظ على روح المقام العراقي كما اقمت طقسا اسميته (حفلات قاعة الرباط الشهرية) التي بدأتها عام 1995 لتشكل منعطفاً كبيراً في التقاليد الفنية فقد استمرت هذه الحفلات شهريا واستقطبت جمهوراً كبيراً وبدأت القي فيها محاضرات واقيم ندوات وسأقدم في هذه الحفلات انواعا جديدة من المقام باضافات فنية من (الانغام الحرة) وهو عمل جديد ارتجالي يولد على المسرح ابتدأ من القصيدة الى المسارات اللحنية ويعتمد في نجاحه على لحظة الاداء. نقلة عالمية في 60 بلداً * كيف تستطيع الفرقة الموسيقية ان تتألف مع الارتجال؟ ـ قبل ظهورنا على المسرح نهيء الاطار الموسيقي للعمل من ناحية السلم الموسيقي والذي هو اساس العمل الفني. * كيف تستمد مقومات هذا الارتجال؟ ـ القصيدة هي التي تقودني الى الارتجال في المسارات اللحنية الجديدة بهدف تصوير معاني القصيدة. * أكثر محطة أثرت في حياتك؟ ـ انتمائي الى فرقة التراث التي اسسها الموسيقار الراحل منير بشير. فقد سافرنا كثيرا وحصلنا على شهادات تقديرية وجوائز كثيرة.. كنت قد زرت اكثر من 60 بلدا في العالم, وقدمت التراث العراقي, ويسعدني اني انجزت الكثير على الصعيد العملي وليس على الصعيد الفني فقط, فقد عملت اسطوانات ليزر في باريس, وهي موزعة الآن في كل انحاء العالم, وتحتوي على المقامات العراقية والاغاني العراقية التراثية, واحدى هذه الاسطوانات هي اسطوانة دينية أديت فيها الاذان بسبعة سلالم بطلب من الفرنسيين, وأديت فصلا من منقبة نبوية شريفة ومدائح نبوية, ويرافق هذه الاسطوانات كتيب صغير باللغتين الانجليزية والفرنسية يتحدث عن المقام العراقي, بهذه الطريقة حاولت ايصال التعابير العراقية الدينية والدنيوية الى كل انحاء العالم. * هل تجد اقبالا على المقام العراقي في الخارج؟ ـ في العالم, عندما تكون صادقا وتظهر بملابسك الحقيقية وتراثك الاصيل يحترمك الجمهور, مثلا عندما يغني كاظم الساهر في كل انحاء العالم يسمعه العرب فقط, اما الغناء التراثي والفلكلوري, فيسمعه العالم كله, لانه سيدرس من خلاله ثقافة البلد الذي ينتمي اليه. المرأة.. والمقام * ما سبب عزوفك عن غناء المقام؟ ـ اتصف الاداء المقامي بالتعابير الانفعالية, ويمكن وصفها ايضا بالحادة أو الخشنة, لهذا السبب ابتعدت المرأة عنه.. في السابق, غنته صديقة الملاية وزكية جورج وسليمة مراد وزهور حسين ومائدة نزهت ثم ابتدعت عنه المطربات.. ومن اسباب ذلك الرأي المتخلف الذي يقول بأن على المرأة التنازل عن هويتها كامرأة والغناء باسلوب الرجل كما فعلت صديقة الملاية لتحقق النجاح, لكني أجد العكس فقد كانت مائدة نزهت أعظم مؤدية في القرن العشرين, وجاءت بعدها المطربة الشابة فريدة التي ادت المقام بناء على دراسة اصولية, وكانت قد تتلمذت على يدي في المعهد.. انا مع مشاركة المرأة في اداء المقام لغرض التلوين في المقام العراقي. * هل أنت سفير المقام العراقي الحالي؟ ـ أنا أحمل المقام كرسالة خارج العراق, لكني لا أحمل لقب (السفير) رسميا.. كان ناظم الغزالي سفيرا حقيقيا وكان اعظم مؤد في القرن العشرين, فقد كان يخرج من مأزق افتقاد صوته الى درجة القرار والسوبر انو بذكاء خارق فيؤدي المقام برقة وهمس مشكلا منعطفا كبيراً في تاريخ المقام العراقي. بغداد ـ عدوية الهلالي
حسين الاعظمي مطرب المقام الاول في العراق: أنا مع المرأة مغنية المقام لن أقتفي خطوات (القبانجي) بل سأكون مجدداً
