بقلم : عائشة ابراهيم سلطان في بكين كما في القاهرة, وفي هونج كونج كما في اي مدينة عربية شرقية, العولمة تثقف البشر على طريقتها وتصوغهم في نمط سلوكي واحد, حتى وان اختلفت الاشكال من مكان لاخر, لكن النتيجة واحدة, الجميع يأكل نفس الطعام (من مطاعم الوجبات السريعة عادة) ويرتدي التي شيرت والجينز, ويشرب بنهم علب وزجاجات البيبسي كولا, ويرقص الديسكو والماكرينا ويطالع أفلام الاكشن, ولا ثقافة اخرى منافسة في المشهد العالمي. في الجانب الآخر اليوم, نذهب عميقا الى بكين, الى واحدة من اكثر حضارات الشرق عراقة وقدما وتعقيدا, وتماسكا حول الهوية والرموز الحضارية, في بكين بدأت طبول العولمة تدق, وبدأ الناس يرقصون الديسكو. هل تغيير الشكل ـ مظاهر المدنية المادية ـ يعد تغييرا بالفعل, بمعنى آخر, هل يعتبر التغيير الخارجي في المقتنيات والاشياء امرا يستحق الاعتداد والفرح؟ هناك من يجيب بـ (نعم) غافلا او متغافلا عن, ان هذا التغيير الشكلي في البداية غالبا ما يقود لاقتحام الجوهر وتدمير الداخل وغزو العقل والروح وطمسهما في ثقافة الاشياء والمقتنيات. العولمة, اقنعت الجميع بأنها فاتحة الخير, وانها النصر المبين للانسان المضطهد والمحروم من تقنيات العصر, وثورة المعلومات والتكنولوجيا, وحرية التعبير حتى وان كان التعبير برقص الديسكو, فهم يوهمونك بأنه تعبير سام وحقيقي يشكل احتجاجا ضد الوضع بواسطة حركات الجسد وبالتالي تكتفي شعوب من العولمة بالرقص والسهر وافلام الاكشن الفارغة, وبالجوع والحرمان بطبيعة الحال, بينما تنال الشعوب منتجة ومصدرة العولمة بكل الوليمة! في بكين ـ مثلا ـ كان الشعب يستخدم الدراجات الهوائية في تنقلاته, وكانت هذه الدراجات ومازالت تشكل طقس الحياة اليومي ومشهدا معبرا لثقافة عامة تقول باختصار كيف يتعاطى الانسان مع واقعه ووضعه المادي وبيئته وصحته؟ لكن هذا المشهد سيتغير قريبا ـ وقد بدأ بالفعل ـ حيث ان شوارع بكين بدأت تختنق مروريا بسبب الزحام والاعداد الكبيرة من السيارات ما يعني في المقابل غازات عوادم سيارات ملوثة للبيئة, وفقدان ميزة التنقل الجميل والرياضي. احد سكان الصين الذي يعيش في الولايات المتحدة ويزور مدينته سنويا يذكر هذه الجملة ذات المغزى: (في السابق كان يحكمنا زعماء الحزب الشيوعي, والآن يحكمنا رؤساء الشركات) ! فهل هناك فرق او تغيير؟ الرجل يقول بأن التغيير كان كبيرا, والسبب على ما نظن بأن الحزب يحكم وفق عقيدة, ورجاله يستهدفون تثبيت اخلاقيات معينة في الناس, بينما رؤساء الشركات لا يستهدفون سوى تربية انسان مستهلك يزيد جيوبهم امتلاء, كما يزيد البيئة تلوثا, ومنظومة القيم اضمحلالا! في نظام السوق وآليات العولمة, لا وجود نهائيا لثقافة الاسرة المتماسكة, والفرد الهادىء المطمئن, ان البديل هو اسر مفككة يسعى كل فرد فيها لمصلحته وعمله ومواعيده وفرديته مضحيا بأوقات اجتماع العائلة ومواعيد الوجبات والنوم, والسفر الجماعي, والنزهات الاسرية والبديل على المستوى الفردي, انسان قلق بسبب تقلبات الاسعار وسوق الوظائف واحتياجات العمل. العولمة ليست سوى شعور عارم بالقلق وعدم الرضى وخلل التركيبة الاجتماعية, ويبقى ان يختار الانسان بين ان يكون وقودا للمحرقة, او ان يكون شجرة صفصاف ثابتة وصامدة ولكن الى متى؟ هل العولمة عاصفة ستمر مخلفة الهدوء, ام زلزالا سيخلف الدمار, هذا ما يتساءل عنه سكان النصف الجنوبي من العالم!