(الصوت) فن من فنون الاغنية العربية التي تميزت بها منطقة الخليج, وصار كلما سمعت (مراويس) جمع مرواس وهو طبل صغير ينقر عليه بالاصابع, الاغنية الخليجية يتذكر سامعها اهل الخليج, في الفترة الحديثة وحتى الان طور المطربون الجدد فن ايقاعات الصوت، ووظفوه في الحانهم الجديدة معتمدين على ايقاع (المراويس) والتصفيق المتناغم الذي يصاحبها.. لكن كيف ولد فن الصوت في المنطقة الخليجية, وكيف اصبح فنانا خاصا بالمكان وبيئته؟ (حينما نطرح هذين السؤالين لابد من ذكر عبدالله بن محمد بن فرج (1836 ـ 1901) والذي تكن له الاغنية الكويتية الفضل الكبير في تأصيل اصولها.. ولد الفرج في الكويت ونشأ وترعرع بالهند وبرع في الموسيقى, وضع الحانا تداولها عازفو الكويت والبحرين وعرفت بألحان الخليج, تلقى الفرج دراسة واسعة في الموسيقى بحكم نشأته في بومباي بالهند وكان بجانب ذلك يحضر مناظرات الادباء والفنانين المهاجرين من حضرموت واليمن, وكان يسمع منهم بعضا من الاغاني والضروب العربية القديمة, وبعدما نفدت ثروته لكثرة مصاريفه وعدم استفادته من التجارة رجع الى الكويت, وفيها استطاع ان يولد الفن الكويتي المعروف بالصوت. وعلى اثر تلك الانطلاقة برز بعد ذلك نفر الفنانين المتألقين في صياغة الفن ونشره بروح جديدة مقتفين بذلك اثر من سبقهم, وعلى اعتبار ان هؤلاء الجدد سوف يشكلون مدرسة جديدة لفن الصوت الخليجي, فقد كانت مهمتها التنقيب في مجاهل الاغنية والوصول الى مكامن اسرار تلك الصيغ الفنية العربية القديمة, وهكذا أدت المدرسة الجديدة الى مزيد من الابتكار وازدهار غناء الصوت وانتشاره من بلد لاخر ليسود منطقة الخليج العربي بأكملها, هذا في الوقت الذي نجد فيه المنافسة غير المحدودة تأخذ بكبار الفنانين البحرينيين والكويتيين مثل صقر بن فارس ومحمد بن فارس وضاحي بن وليد وبين عبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي وعبدالله الفضالة, ثم تأخذ قطر زمام المبادرة فيبرز هناك اسماعيل القطري في حين يلمع مطرب اخر من مطربي اغنية الصوت في سلطنة عمان من خلال المطرب راشد سالم الصوري, وعلى اثر هذه المنافسة يصل غناء الصوت الى حضرموت اليمن وعدن فيبرز هناك ابراهيم الماس وفاضل الطفش فيتجاوز غناء الصوت تلك الحدود الى الحجاز لنجب الشريف هاشم ومحمد علي السندي يأتيان الى الكويت لمجالسة كبار الفنانين والاخذ عنهم من فن الغناء.. ولم تقف اغنية الصوت عند هذه الحدود بل نجدها تتعدى حدود المنطقة فتستهوي الكثير من ابناء سواحل افريقيا, فنجد منهم من يعبر المحيط ليصل الى الكويت ليصبح استاذا لفن هذا الغناء مثل أحمد الزنجباري الذي تخرج على يده الكثير من المطربين مثل سعود الراشد, عوض الدوخي, فرج الفرج وسلطان احمد. وهكذا انطلقت اغنية الصوت من موطنها الكويت لتنتشر في المناطق المجاورة محتفظة بالضروب الايقاعية والاساليب الفنية وملازمة الزفن والتصفيق, والزفن هو نوع من الرقص يصاحب اغنية الصوت. تتكون اغنية الصوت الخليجية من عدة قوالب غنائية وموسيقية ومنها (الاستماع) وهو نوع من الغناء المرسل يراعى فيه حسن الاداء بمصاحبة آلة العود دون التقيد بميزان معين او ضرب آلة ايقاعية معينة, وهو يخضع لتلك القاعدة التي بني عليها الصوت العربي من حيث مسايرته للجرس الموسيقي, الا انه وفي الغالب يميل نحو الايقاع المنغم في السرد الالقائي, والاستماع هو عبارة عن فاصل من الغناء الاستهلالي المستقل لا يرتبط وغناء الصوت ويختلف عن الغناء المعروف بالتحريرة, وانما هو غناء يسبق غناء الصوت لتهيئة ما قد يجد عليه من غناء بعد فترة قصيرة. ويصاحب اغنية الصوت رقص يسمى بالزفن ويقوم به مجموعة من الشبان يحركون خطواتهم واكتافهم ورؤسهم حسب الايقاع المصاحب.. ويبدأ الزفن بعدما تبدأ آلة العود واستمرار نقرات الايقاع حيث يأخذ الزافن مكانه بالوقوف امام المطرب ومجموعة (الرواسين) عازفي الطبول الصغيرة, ومع الايقاع يبدأ بضرب الارض بمشط القدم اليمنى ضربا خفيفا وبنصف ارتفاع اليد اليمنى وهو بذلك كأنه يوقع الميزان بآخر نقرة في ايقاع الضرب على المراويس ولتكرار هذه الضربات بالقدم نحو ثلاثة ايقاعات وباستمراره بالوقوف امام مجموعة العازفين يتخذ من بين كل ضربة واخرى حركات كاهتزاز الاكتاف والرأس والحواجب, ثم يعود الى الوراء, ويتناوب الشبان على هذا الزفن فرادى ومجموعات, وترتبط خطواتهم بايقاعات الاغنية وهم يروحون ويجيئون امام المطرب وفرقة العزف بشكل سير متعرج ايقاعي, وعادة ما يكون لمجموعة الزافينين قائد معين. ويحتل فن الصوت عند اهل الخليج مكان الصدارة في غنائهم وتتخلل نصوصه المغناة قصائد من الشعر الجاهلي وغيره, ورغم ارتباط المجتمع البحري بهذا النوع من الغناء وقبل الطفرة الحضارية التي نشهدها اليوم كانت لجلسات الصوت شهرة واسعة, الا انه ومع رحيل عدد من سلاطين هذا النوع من الغناء مازال اهل المنطقة الخليجية يعدونها اغنيتهم الرئيسية. الان يبتعد المطربون الجدد عن هذا اللون من الغناء الذي يصاحبه الكثير من الارتجال في فن القاء الموال والكثير من الاداء الحركي والايقاعي. لقد استطاع سلاطينه الاولين ان يمرروا من خلاله نصوصا شعرية لكبار الشعراء العرب, وتعامل معه الاهالي بشتى فئاتهم على انه نوع من الغناء الجاد بزخرفات التصفيق واداءات الزفن التعبيرية واصوات مطربيه الذين أجادوا وبرعوا في تلوينه. اليوم يعبر فن الصوت على الاسماع وكأنه شيء من الذاكرة, قليل من المطربين الحاليين يهتمون به, لكن تعاملهم معه يأتي كنوع من الحنين لا محاولة لاحيائه بصورته الاصيلة.
