تشهد بكين العاصمة للصين, منذ سنوات قلائل تغيرات هائلة تطال معظم جوانب الحياة في هذه المدينة المترامية الاطراف. ويتخذ هذه التغيرات شكل التصادم بين المبادىء التي وضعها كونفوشيوس التي تركز على القيم العائلية وذلك التأكيد الجديد على المال والسوق, حيث تم استبدال الثقافة البيروقراطية التي تهدف الى ابقاء الناس تحت المراقبة والسيطرة بقابلية للتحرك شكلية تنغرس جذورها عميقاً في المجتمع الصيني. لكن التغيير الذي يأتي على الشكل فقط غالباً ما يجلب معه بعض المساوىء التي تنعكس سلباً على حياة الناس. وهذا هو بالضبط ما حصل مع بكين التي بدأت تشهد شوارعها اختناقات مرورية بسبب الاعداد الكبيرة من السيارات التي حلت محل الدراجات. ناهيك عن ارتفاع منسوب التلوث في الجو الناجم عن عوادم السيارات التي تختلط بذرات الغبار لتشكل طبقة دائمة من الضباب الملوث في سماء المدينة. ويقول احد سكان بكين الذي يعيش في امريكا ويعود الى المدينة في زيارات منتظمة للاهل والاصدقاء: (في السابق, كان يحكمنا زعماء الحزب الشيوعي. والآن يحكمنا رؤساء الشركات. فالتغيير كان هائلاً) . والآن فان اصدقاءه وافراد عائلته - الذين كانوا في يوم من الايام مطمئنين وظيفيا وواثقين من ثبات الاسعار- يشعرون بالقلق من ان الاقتصاد الجديد المدفوع بقوة المال سيتجاوزهم ويتركهم خلفه. ويقول الشخص نفسه معلقاً: ان هذا الوضع له تأثير كبير على العلاقات داخل الاسر وبين الاصدقاء وداخل التركيبة الاجتماعية. هناك عدم رضى وقلق حقيقيين لكن الناس يتأقلمون. وعلى امتداد القرون الماضية, اصبح سكان بكين خبراء في التأقلم والتكيف مع الوضع السائد. وشأن اشجار الصفصاف المزروعة حول المدينة, تمكن السكان من الصمود والبقاء من خلال تحليهم بالمرونة عبر الانحناء للرياح القوية ثم النهوض من جديد مع عودة الهدوء. غير ان اسوأ ما في التغيير الذي تعرضت له بكين والذي يصعب معه التأقلم هو استغناء المصانع والشركات الكبيرة عن العمال الذين وجدوا انفسهم عاطلين عن العمل. وتصل اعداد هؤلاء العمال الى حوالي 300 الف عامل فصلوا من اعمالهم في السنوات الاخيرة. وتشعر الاغلبية الساحقة من الناس في بكين بالغضب إزاء الفساد المستشري في البلاد. ولكنهم يفضلون الصمت حيال هذا الامر وينفجرون في بعض الاحيان اذا ما وجدوا التشجيع. ويقول احد المسئولين في المدينة: (الناس هنا مثل (التيرموس) باردين من الخارج وساخنين من الداخل) . وهم صريحون ولديهم حس دعابة يظهر في نكاتهم التي يتندرون بها على صحيفة (الشعب اليومية, الصحيفة الشيوعية الرسمية, حيث يقولون: الشيء الوحيد الذي يمكنك تصديقه في تلك الصحيفة هو التاريخ) . جلد تنين وسكان بكين يمتازون بالقوة والقسوة كجلد التنين, كيف لا وهم الباقون الوحيدون في مدينة شهدت صعود وهبوط جميع انواع الحكام. فقد برزت بكين كعاصمة لسلالة لياو في القرن العاشر للميلاد. ثم جاء غزاة جيرتسين اعقبهم المغول بقيادة جنكيز خان الذين تركوا المدينة حطاماً تلتهمه النيران. وقد اعيد بناؤها في عهد سلالتي منج وكينج. ثم جاء القوميون والقادة العسكريين والبعثات التبشيرية والغزاة اليابانيين, واخيراً, وبعد فترة دموية من الحرب الاهلية استلم الشيوعيون زمام السلطة بقيادة ماوتسي تونج. والآن تبدو البنايات التي شيدها ماو على الطراز السوفييتي كئيبة وقديمة بعد ان طغت عليها الاضواء الساطعة لمحلات ماكدونالد وكنتاكي فرايد تشيكين والآلاف من المطاعم الجديدة التابعة للقطاع الخاص. ويقول احد قاطني بكين: (بالنسبة لي, المدينة القديمة لم يعد لها وجود. والاشياء القديمة مثل المدينة المحرقة او معبد من المعابد باتت الآن متناثرة بين ناطحات السحاب كالدمى المتناثرة هنا وهناك. وبكين القديمة ممزقة الآن) . لقد اجتاحت طفرة الاسكان في بكين في طريقها التفاصيل المميزة للمدينة القديمة كالاكواخ القديمة التي مضت عليها قرون من الزمن في وجه عوامل التآكل المختلفة. ولم يبق سوى القليل من البنايات السكنية العائلية القديمة, وفي معظمها يعيش ثلاثة اجيال معاً وراء جدران سميكة من الطوب الرمادي تقيهم من غزوات الغبار والزوار غير المرغوب فيهم. وتقول - لي شياومو وهي تنظر في ارجاء الفناء الهادىء لمنزل العائلة: (هذه هي جنتنا الخيالية. فنحن نعيش هنا, وهذا بيتنا) . ان مثل هذه المجمعات السكنية اصبحت نادرة هذه الايام, حيث تقوم الحكومة بنقل قرابة مليونين ونصف المليون شخص من سكان بكين البالغ عددهم احد عشر مليون نسمة الى ضواحي المدينة لتخفيف الازدحام. ويقول احد المحافظين انه لن يتبق سوى 25 مجمعاً للاكواخ من اصل 2600 مجمع كانت في العاصمة في السابق. مراكز سياحية وسكنية ويهدف برنامج الاجلاء الى افساح المجال لقيام مراكز سياحية جديدة ومجمعات سكنية باهظة التكلفة ومراكز تسوق تستقطب ثروة بكين الجديدة واحوال الاستثمارات الاجنبية. ويقول زهاو جينكسين, والبالغ من العمر 81 عاماً: (قريباً جداً ستبدو بكين مثل كوالا لمبور. ويعود البيت الذي يملكه زهاو الى بداية عهد سلالة كينج في العام 1644. ويضيف قائلاً: ان ذلك اطول من تاريخ الولايات المتحدة الامريكية) . وعلى الرغم من تاريخ البيت, الا انه يحمل علامة للازالة, حيث انه محاط بأحد المشروعات التطويرية الجديدة في المدينة. ومن حق المرء ان يتساءل كيف سيتعامل اهل بكين مع القرن الجديد اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الاضطراب الذي شهده القرن الذي مضى لتوه. فهم عرفوا الحروب والاضطرابات الاهلية وتعاقب التغيرات السياسية, الا انهم تمكنوا الى حد ما من الحفاظ على كرامتهم. واحد المرتكزات في ذلك هو العائلة, والمرتكز الثاني هو حس الدعابة, الذي غالباً ما يكون لاذعاً ولا يغوص عميقا تحت السطح. كما ان الكثير من سكان بكين يتمسكون بالطقوس الصغيرة التي توفر النظام والمعنى. وما ان تتسلل خيوط الفجر الى المدينة حتى يتدفق الناس على متنزهات بكين لاستقبال اليوم الجديد بممارسة رياضة الجري او التمارين الرياضية او الرقص للحفاظ على رشاقة اجسامهم. ولا يزال كبار السن يميلون الى ممارسة التنفس البطيء والجلوس الهادىء الخاص برياضة كاي جونج او رياضة تاي جي كوان التي تشبه رقص الباليه. ويتجمع الآخرون حول مقاعد مظللة ويتبادلون الاقاويل والاشاعات او يقرؤون الصحف او ينشدون اغاني اوبرالية قديمة. وهم يتطلعون باتجاه الداخل لتقوية انفسهم. القاعدة الاقتصادية الشباب الصيني يتطلع هذه الايام الى الخارج, ففي منطقة شيسي للتسوق, كانت مساعدة في احد المحلات تدعي شوكي تراقب الزبائن في (باريس برايدال شوب) , حيث كانت زبونة ترتدي ثوب زفاف ابيض تقف الى جانب خطيبها الذي يرتدي سترة سوداء استعداداً لالتقاط مجموعة من صور الزفاف. وتقول شوكس: هذا يكلفهم ما بين الف الى ستة آلاف ايوان (اي ما يعادل 120-725 دولارا امريكيا) لليوم الواحد. وتعبر عن عدم اهتمامها بالزواج قائلة: لن افكر حتى في ذلك حتى اتمكن من بناء قاعدة اقتصادية, حيث تشير في ذلك الى نيتها الاستمرار في العيش مع والديها من اجل توفير المال اللازم لامتحانات دخول الجامعة. ثم تضيف قائلة: ان عملي هنا هو مؤقت فقط. فانا سأستخدم عقلي للمضي قدماً. وافكر بترك البلاد في يوم من الايام. وانا احب الثقافة الغربية لانها تبدو طبيعية. ويبدو ان فهمها لنفسها ينطبق على شخصية الكثير من الشباب في بكين, الذين تمتد جذورهم عميقاً في الماضي تجدهم مصممين على تطوير مهاراتهم الشخصية وطموحين ومستقلين ومتلهفين لرؤية العالم. ويقول احد كبار السن منتقداً جيل الشباب: (الشباب يريدون فقط ان يأكلوا جيداً ويرتدوا الملابس الجميلة, ولا يمسهم العمل) . ان التغيير في بكين لا يأتي من القطاع الخاص فقط وانما ايضاً من جانب الحكومة وقادتها الشيوعيين الذين يمارسون الفساد على اعلى المستويات. فالحزب الشيوعي, الذي يجمع احياناً بين الاموال العامة واموال القطاع الخاص من مستثمرين اجانب, خطط لمشروع انشاءات طموح يهدف الى تحسين حالة البنية التحتية حول بكين بما في ذلك شق طرق سريعة جديدة واقامة بنايات للمكاتب ومستشفى جديد وخط للغاز الطبيعي. ولكن طفرة البناء تظهر علامات على تراجعها بسبب الافراط في البناء. فحوالي ثلث المساحة الموجودة في المدينة عبارة عن مكاتب انشئت حديثاً ومراكز تسوق لم تستخدم بعد. كما ان تسعة مراكز تسوق جديدة في بكين اغلقت ابوابها بسبب الموقع السيء او الادارة السيئة او الافلاس. نموذج جديد ويبدو ان لا شيء من ذلك يزعج ماو كيزونج, وهو رأسمالي صيني وديمقراطي معتز بنفسه ويرى انه رائد اقتصاد السلع الجديد الخاص ببلاده. وكان قد قدم لبكين من اقليم سيتشوان قبل اكثر من عقد من الزمان لاسباب تتعلق بنشاط الاعمال في الوقت الذي بدأت الطفرة الاقتصادية الصينية تشق طريقها الى النور. ويقول ماو الذي يحمل شبهاً كبيراً بالزعيم الصيني ماوتسي تونج: في بكين انت اقرب الى ينبوع السياسة وعملية صنع القرار, وبالتالي فانك محمي اذا لم تتجاوز حدودك. وكانت قد وجهت اتهامات عديدة لماو بالخداع والغش تتعلق بصفقات تجارية وقروض ضخمة من البنوك. ويقول ماو في هذا الصدد: يقولون انني مارست الغش في صفقة الطائرات (الروسية) وانني غششت ايضاً في صفقة الثلاجات وبأنني الغشاش رقم واحد تحت السماء. ثم يعود ليتحدث عن مزايا ممارسة النشاطات التجارية في الصين قائلاً: نحن اكثر استقراراً من الهند. ونحن دولة ديكتاتورية ولا يمكننا ان ننفجر. واذا حاولت الاطاحة بالحزب الشيوعي, فسيكون هناك صراع عنيف. وقد يؤدي هذا الامر الى اعادة المجتمع الى الوراء. استقرار وقلق وفي الواقع ان الاستقرار يشكل مصدر قلق دائم لاولئك الذين يحكمون امة يبلغ عدد سكانها مليار ومئتي مليون نسمة. فالزعماء الصينيون يتخوفون من ان الجماهير قد تخرج بسهولة من نطاق السيطرة في ظروف اضطراب اقتصادي او سياسي. وهذا هو السبب وراء شعور الشوعيين بالانفعال والقلق مع اقتراب تاريخ الرابع من يونيو كل عام, اي ذكرى هجوم الجيش الصيني على المتظاهرين في وسط بكين. وقد أوقع هذا الهجوم قرابة الفي قتيل في العام 1989 بعد مرور اكثر من ستة اسابيع على الاحتجاجات السلمية التي جرت في ميدان تيانانمين ومحيطه والتي طالبت بوضع حد للفساد الحكومي. وعلى الرغم مما حدث في ذلك الميدان قبل اكثر من عشر سنوات, الا ان الصينيين لا يزالون يزورونه باعداد كبيرة من مختلف المقاطعات الصينية. وتقول جوان واينج, وهي معلمة في مدرسة ثانوية من مقاطعة جيانجسو حول مشاعرها اتجاه ميدان تيانانمين: انه رمز الصين. وشأن الزوار الآخرين من المقاطعات, لا تجد جوان اشياء مشئومة مرتبطة بالذاكرة والخيال في هذا المكان الذي يعتبر مصدراً للفخر في قلب العاصمة. ومن الممكن اعادة ترميم الميدان بحيث لا تظهر آثار ذلك الهجوم الشهير في عام 1989, لكن ذاكرة ذلك الهجوم المفاجىء لا يمكن محوها من اذهان بعض سكان بكين الذين يشيرون اليه بالقول انه اليوم الذي فتح فيه الجيش النار على المواطنين. ان ما يدهش الزائر لبكين هو مدى صراحة السكان في الحديث عن هذا الحدث وكيف ان تلك الصراحة تتغير بسرعة مذهلة لدى وقوف احد المارة بالجوار. وهذا ليس غريباً ابداً, فالجيران هناك يشعرون في بعض الاحيان بان الواجب يفرض عليهم التبليغ عن اي اتصال غير مصرح به مع اجانب الى السلطات. ولايزال الشيوعيون يشعرون بالخوف الشديد من اي نشاط غير مصرح به يضم اعداداً كبيرة من الناس. ولهذا السبب قاموا باعتقال المئات من انصار جماعة (فالون جونج) التي تمارس طقوس التنفس والتمارين الرياضية للحصول على السعادة الروحية. وقد شنت الحكومة حملة شرسة لحظر نشاط الجماعة في عام 1999 على الرغم من ان معظم افرادها من كبار السن. وقد قامت الجماعة بما لم يكن يخطر على بال, حيث عبرت عن احتجاجها على تدخل الحكومة بشئونها الخاصة من خلال حشد قرابة عشرة آلاف شخص لممارسة طقوسهم بهدوء امام المبنى الذي يعيش فيه زعماء الحزب الشيوعي. الشباب يرقص الديسكو وفي بكين, يشعر الناس بانتصاراتهم من خلال امور بسيطة. يقول عامل في احد المصانع: (الصينيون يحتاجون إلى الحق في حرية التعبير عن الرأي, لكن الشيء الذي نحتاجه بشكل ماس والشيء الذي يعز علي اكثر هو الحق بممارسة الرقص) . والآن ينجذب الشباب في بكين الى موسيقى الديسكو في النوادي الليلية مثل (هوت سبوت) حيث تضع الفتيات الوشم على اكتافهم والبريق على جفونهم. وفي النهار يترددون على المقاهي والمشارب الجديدة في المدينة ليتباهوا بهواتفهم النقالة واجهزة النداء الآلي التي اصبحت رمزاً للنجاح. وهم يبدون طبيعيين في اتباعهم لدافع قوي للحداثة ولعزل انفسهم عن الجيل السابق. وتقول وانج ينجشون, وهي فتاة تلبس على الطراز الحديث متخرجة من الجامعة وتعتزم مواصلة دراستها في احدى كليات ادارة الاعمال في امريكا - تقول ان ما يريده الشباب في بكين هو (الدخول على الانترنت وممارسة الرياضات والرقص في صالات الديسكو) . الانترنت والكمبيوتر وفي اوساط الشباب مثل وانج, تلمس حساً للتغيير ودافعاً للتعبير عن النفس واستعداداً لانفاق المال على التكنولوجيا الحديثة. وتجد المئات من الزبائن يتفحصون احدث الاجهزة في معارض الكمبيوتر التي تعرض اجهزة لاسماء غربية معروفة مثل آي بي أم وهاولت باكارد وماركات محلية اخرى مثل ليجند وجريت وول. هناك 1% من الاسر في بكين لديها اشتراك في الانترنت, وهذا الرقم مرشح للزيادة بلا شك. ومن المتوقع ان تصل مبيعات اجهزة الكمبيوتر السنوية الى عشرة ملايين جهاز على مستوى الدولة في المستقبل القريب. ان الوصول الى العالم الخارجي, ورغم انه مقيد من الحكومة, يعتبر اكثر حرية من ذي قبل, الامر الذي يمنح سكان بكين شعوراً جديداً بالاستقلالية. ويقول احد المهندسين: الحكومة لا تضايقنا. فنحن مستقلون واعتقد ان مجتمعنا منصف مع من هم دون سن الثلاثين عاماً. وهذه الامكانية الجديدة لشعور اكبر بالاستقلالية تفسر تماماً سبب اهتمام الآباء بتوفير احدث التقنيات لابنائهم, حيث يشترون لهم اجهزة الكمبيوتر ويوظفون لهم مدرسين خصوصيين ويضعونهم في صفوف خاصة. ولا احد يريد لابنائه ان يتخلفوا عن غيرهم. فجيل الآباء الذي اثقلت كاهله الصدمات السياسية المتعاقبة وارهبته الانكماشات الاقتصادية الجديدة يحاول تحصين الابناء بالحب والتعليم والامل بان يحظوا بفرصة تتيح لهم خط طريق جديد لمدينتهم وبلادهم. اعداد: ضرار عمير

