منذ نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي, كان اسلوب الالحان وكذلك الغناء والعزف متأثرا تأثرا واضحاً بالموسيقى والألحان التركية القديمة, لذلك كان تلحين وموسيقى اولئك الملحنين في تلك الفترة الزمنية من الحكم التركي العثماني, وكذلك الفترة التي اعقبتها غير مدونة اذ لم تدون معظم تلك الالحان بالنوتة الموسيقية الحديثة والتي انتقلت عن طريق الذاكرة الحفظية وأخذت وحفظت بالتلقين ولم تدون الا فيما بعد وفي وقت متأخر. وعلى الرغم من ذلك فان انتاج والحان هؤلاء الملحنين العرب القدامى المتميزين بأسلوبهم وطابعهم, رغم التأثر بالثقافة والموسيقى العثمانية, كان لهم اكبر الاثر في بعث النهضة الموسيقية الحديثة, حيث تعتبر أعمالهم كحجر الاساس وكتراث للموسيقى العربية المعاصرة. ومن أهم اسباب هذه النهضة هو انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932 حيث دعي اليه كبار اساتذة الفن الموسيقي وعلماؤه في الوطن العربي والبلاد الأوروبية من باحثين ومستشرقين. مدرسة أم كلثوم ومدرسة عبدالوهاب يستند تاريخ موسيقى الشرق على مدرستين شامختين في التأليف الموسيقي والتلحين العربي المعاصر هما: مدرسة كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي ام كلثوم وعمادها الاساتذة الملحنون: زكريا احمد ومحمد القصبجي ورياض السنباطي. ومدرسة الاستاذ محمد عبدالوهاب. وكان تأثر هاتين المدرستين برواد النهضة الأوائل امثال: ابي الخليل القباني وسلامة حجازي وعبدو الحمولي وسيد درويش بالرغم من ان هناك بعض الاقطار العربية تتميز بطابع موسيقاها الوطنية والمحلية كالموسيقى العراقية وكذلك موسيقى شعوب المغرب العربي, تلك الشعوب التي ورثت تراث الموسيقى العربية الاندلسية بعد هجرة اهلها عن اراضي الاندلس. مدرسة الاخوين رحباني وفيروز هناك من المؤلفين والملحنين ممن كان لهم ثقافات ودراسات ومواهب خاصة متميزة استطاعوا خلالها ان يضعوا لأنفسهم نهجا ومدرسة واسلوبا خاصا عرفوا به, نابعا عن أصالة منبت وعريق ثقافة. ومن هذه المدارس الحديثة في التلحين والتأليف الموسيقي المعاصر, التي انطلقت منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين مدرسة الاخوين رحباني وفيروز في لبنان. فيروز الموهبة الموسيقية المتأججة من مواليد لبنان عام 1935 والدها صاحب مطبعة في بيروت, اسمه وديع حداد واسم فيروز الحقيقي (نهاد) وظهرت مواهبها وهي طالبة في غناء الاناشيد المدرسية والترانيم الدينية, واشتهرت (نهاد) بدقة الاحساس الموسيقي وسرعة الاستيعاب والحفظ ثم انتقلت الى مراحل دراسية اعلى والتحقت بالمعهد الموسيقي الوطني ولفتت انظار المسئولين في الاذاعة اللبنانية وبخاصة الملحن الاستاذ حليم الرومي رئيس القسم الموسيقي انذاك. وكانت نهاد حداد (فيروز) قد اكتسبت خبرة غنائية جيدة لحفظها ودراستها انواع مختلفة من انماط الالحان الغنائية القديمة منها والحديثة. وقد كانت مناسبة تاريخية وقدر محتوم ليسعد العالم العربي بعبقرية الأخوين رحباني, عاصي ومنصور وفيروز هذا الثلاثي الفني المتميز الذي أغنى التأليف الموسيقي والتلحين العربي بثروة لحنية ابداعية لفترة طويلة ولا يزال ثم تتالى فيما بعد بروز باقي الفنانين والملحنين الرحابنة (الياس وزياد) . وكان اللقاء حين قدم الاستاذ حليم الرومي المغنية الهاوية الخجولة نهاد حداد (فيروز) الى الملحن الشاب عاصي رحباني, ومنذ عام 1951 بدأ عاصي يقدم الحانه لفيروز الى جانب اخيه الاستاذ منصور, فكان لهذا الثلاثي فيما بعد خطة مبرمجة ومدروسة للانتاج الشعري واللحني فقد تميزت هذه الخطة وهذا النهج بتعدد المواضيع والألوان والاشكال والاهداف نظماً وتلحيناً. ثم التفكير الجاد في كيفية وطريقة اخراج واداء هذه الموسيقى والألحان بواسطة فرق موسيقية اوركسترالية استخدمت فيها فنون التوزيع الموسيقي الالي والصوتي التوافقية الهارمونية المناسبة والاداء الموسيقي والغنائي الجيد والمعبر. ألف الاخوان رحباني في مواضيع عدة منها الاغنية الشعبية المدروسة البسيطة والمتطورة والاغنية الراقصة المعربة والاغنية الوطنية والقومية والأناشيد المختلفة. ثم أعطى هذا الثلاثي وأبدع الحانا جماعية أغنت المسرح الغنائي الشعبي الناقد, فقدموا الاستكشاف والمحاورات الغنائية المسرحية والقصائد الملحنة بالفصحى والموشحات الغنائية بالأسلوب القديم والمتطور كما اغنوا التأليف الموسيقي الالي للفرق الموسيقية بعدد من المؤلفات الناجحة. وللاخوين رحباني موهبة اخرى اصيلة هي موهبة الشعر حيث عملا على اخراج ديوان شعر غنائي بعنوان (شعراء مها) . ولد عاصي رحباني عام 1923 واخيه منصور عام 1925 في بلدة انطلياس بلبنان واسم والدهما حنا بن عاصي رحباني وكان من هواة الموسيقى والعزف على آلة الطنبور, كما اتم الاخوين دراستهما في بلدة انطلياس وفي عام 1955 تم زواج فيروز من الاستاذ عاصي رحباني. ومن مميزات خطة الاخوين رحباني في التأليف والتلحين ان غنت فيروز الاغاني الشعبية (الفولكلورية) التي تتمثل في غنائها الشعبي تراث العالم العربي, وفي عام 1956 رزقت فيروز بمولود اسمته (زياد) وهذا الذي اصبح فيما بعد من اركان مدرسة الاخوين رحباني في التأليف الموسيقي العربي الابداعي المعاصر. ويعتمد الاخوان رحباني وفيروز في كثير من الاحيان في عروضهم المسرحية على التسجيلات الصوتية لبرامجهم الموسيقية والغنائية وفي اطار الحوار الغنائي المسرحي على طريقة (الدوبلاج) المعروفة وخاصة عندما تكون العروض في الهواء الطلق وفي مسرح مكشوف. ومازالت فيروز تعطي عطاء فنيا متميزا حتى الان بعد ان فقد العالم العربي بوفاة المبدع والملحن عاصي الرحباني ركنا مهما من اركان التلحين والتأليف الموسيقي العربي المعاصر. وبإستعراض موجز لتجربة الرحابنة وفيروز, وبعيدا عن تسليط الضوء على (تهمة) الاستنساخ العالمي... نحن بحاجة ملحة الى طرح مسألة ماذا بعد فيروز والرحابنة...؟ منذ قرابة نصف قرن ونحن نتستر على السواد والخراب الذي يسود موسيقانا العربية بإضاءات ابداعية من ضمنها المدرسة الرحبانية... التي اسست ووضعت قواعداً يبدو جليا انها ستورث للفراغ. هل يعقل خلال العقود الثلاثة الماضية أن المشهد الثقافي العربي لم يفرز تجربة ابداعية في المجال الموسيقي؟ ظاهرة النضوب الابداعي في النتاج الموسيقي العربي تشكل ازمة ذات بعد قومي لا تقل اهميتها عن الازمات الاستراتيجية, وهذه الاشكالية لا تستدعي الانتحاب والاسترحام على عمالقة الموسيقى العربية الذين تنحوا او سيتنحوا جانبا قريبا, بل تستدعي دراسة الظاهرة على اسس اكاديمية واعادة قراءة لمفهوم الموسيقى في الذاكرة العربية والعمل على تأسيس بنية ثقافية موسيقية ترتكز على كافة العوامل, من ارضيات اكاديمية وتحرك اعلامي مبرمج كمحاولة لخلق حالة وعي لدى المجتمع العربي لماهية الموسيقى في موروثنا وماهيتها في التركيبة السيكولوجية للمجتمعات البشرية, وهذا التحدي يبدو اكثر تعقيدا بالنظر الى متغيرات العصر من مد ثقافي وثورة معلوماتية... ستؤدي الى حالة من الانفصام الثقافي لدى المتلقي الذي يتعرض الى جرعات معلوماتية معظمها في قالب ثقافي, عبر التقنيات الاعلامية الحديثة, ليصطدم مع واقع مغاير. ويبقى السؤال الى متى سنرتكز على تلك المدارس العربية الموسيقية وذاكرة الزمن, ولغة العصر تفرض علينا ابداع الجديد... ام نحن امة بلا جديد. كتب ـ المحرر الموسيقي