ليس فقط لأنه فنان مبدع وله خصوصية مصرية عربية.. وليس فقط لأن لوحاته تنقلك الى عالم سحري من الحنين للجمال المفقود في أوطاننا بل لأنه صاحب حكمة فنية وصاحب تجربة عميقة.لوحات حلمي التوني الساحرة والمعبرة عن روح الشعب وجمال الماضي وأروع ما فينا كانت هي الدافع لاستكشاف روح هذا الفنان. سألته عن علاقته بالريف المصري وسر النخيل والنساء الجميلات جمالا فطريا والورود التي لاشبيه لها.. كيف تم انتاج كل هذه اللوحات المفعمة بالسحر.. فقال: نتجت عن أصلين هما حب الريف المصري الذي يختلف في جماليته عن أي ريف آخر, فله صفات تشبه الملامح الشخصية للانسان المصري البسيط وغير المتكبر فحياته في داخله تشبه ما بخارجه, فهو لايخفي شيئا.. وربما يكون في ذلك لأسباب تاريخية أو جغرافية.. كما أن طبيعة المنظر المصري بسيطة جدا يمكن تلخيصها في ثلاثة خطوط.. خط أفقي أخضر وفوق خط أصفر ثم خطوط عمودية هي النخيل وطبعا الأخضر يرمز الى الوادي والأصفر الى الصحراء, وربما يكون ذلك هو مصدر الالهام الفني للحضارة الفرعونية التي صنعت المعابد والمسلات مشابهة للنخيل أما الجانب الآخر فهو الفني الشعبي الذي يعبر عن خشونة الريف غير المصقولة كالمدينة واعتبر تلك الخشونة هي الجمال الصادق وهذا هو سبب وجود ملامح الريف المصري في أعمالي. وتحدث عن الاهرامات الثلاثة كقاسم مشترك للوحاته موضحا انها لم تكن موجودة في أعماله منذ 7 سنوات ولكن فجأة ألحت عليه.. رغم أنه من الفنانين الذين يتم تصنيفهم كفنان قومي بسبب حضور الروح القومية والعربية في أعماله, ولذلك كان يخشى الاقتراب من الفرعونية لأنها تمثل في رأي البعض القطرية والشوفينية وظاهرة تقديس الوطن بحق وبغير حق هو يشعر بانتمائه لكل الوطن العربي رغم وجود تأشيرات دخول.. الهرم تم استعارته في لوحاته كرمز سياسي وليس بمدلول تاريخي أو حضاري فكثير من الثوابت والصفات الحميدة لهذا الشعب تتعرض الآن للزوال والاعلال فشعر في فترة من الفترات أن الهرم هو رمز القوة والبقاء في وجه الحكام والغزوات الزائلة التي جرت.. انه رمز للجذور المصرية الراسخة. الفن الشعبي وعن الهدهد القابع دائما في لوحاته والسمكة الملتصقة بالمرأة اجاب: ان السمكة رمز قديم تأخذني الى تاريخ ارتباطي بالفن الشعبي في عا م 85 بعد عودتي من لبنان لقد أقمت معرضا أكاديميا يعتمد على الطريقة الغربية التي تعلمناها, رغم ميلي للفن الشعبي منذ كنت أرسم في الصحف فأنا المهتم بعمل خط محدد للأشكال والمساحات اللونية وعدم اللجوء الى التجسيم للايهام بالكتلة والبعد الثالث, وقد قمت بمراجعة نفسي بعد ذلك المعرض, هل أبقى فنانا غريبا, كنت مؤمنا بضرورة الهوية.. فنحن نعيش في عصر تتحطم فيه الهويات وتلغى وربما يتندر البعض علينا عندما نتحدث عن الهوية باعتبارها شيئا متخلفا كما يتخيلون فهم يعتبرون العالم أصبح قرية صغيرة. واذا كانت الهوية قد أصبحت نوعا من التخلف فأنا متخلف. انها نوع من الخصوصية واذا كنا نريد ان نوجد على الخريطة الثقافية والفنية للعالم فلابد أن يكون لنا اسهام فالفن الافريقي له ملامح والغربي له ملامح وكذلك فن أمريكا اللاتينية له ملامحه المميزة وأيضا الفن الياباني فلماذا نحن مطالبون بالتخلي عن ملامحنا حتى نقبل!.. هناك تحد يواجه الفنان العربي هو أن نعرض وجوده كما هو وبشكل جيد, فعلى الفنان العربي أن يكون مبدعا وله رؤية نابعة من تراثه وحضارته. وقد كان هذا السبب وهو البحث عن الهوية والجذور هو الدافع لي لدراسة الفن الشعبي وقد تتبعت الحضارات الكثيرة التي مرت علينا ومرت على الدول العربية الأخرى فاليونان والفرس والاستعمار العسكري الانجليزي والفرنسي عانت منه كل الدول العربية تقريبا.. وقد وجدت نفسي لا أنتمي الى هوية بعينها فأنا لا أنتمي للهوية القبطية أو الفرعونية أو اليونانية أو الرومانية بل أنتمي اليها جميعا, ووجدت الفنان الشعبي قد اختزل كل هذه الحضارات وهضمها في الفن الشعبي الذي يمثل كنزا فنيا ومنبعا أصيلا يختلف تماما عن المنابع اليونانية للفن الغربي. المنمنمات الاسلامية المنمنمات الاسلامية موجودة في لوحاتي وهي تعبر عن جزء هام من الهوية الشرقية, كما أن السمكة كرمز قديم عند الفنان الشعبي وفن الوشم وتزيين الجسد بأشكال سحرية, وقد استفدت من فن الوشم بما له من دلالات فطرية وسحرية والذي صور كائنات كثيرة على جلد الانسان منها الطيور والأسود والثعابين, وكان كثير من الريفيين في مصر يدقون العصافير على جباههم كنوع من الذكاء وسرعة البديهة, وهذا نوع من الدلالة وكانت السمكة ترمز الى الخصوبة والانجاب عندما ترسمها المرأة على يدها كما أن الهدهد هو رمز الرسالة والنبأ والخلاص الآتي وكلنا يعلم قصة الهدهد مع الملك سليمان. لوحاتي موضوعها الأساسي هو المرأة وذلك لأسباب فأنا أحب المرأة ككائن جميل وأحب شكل المرأة بمجملها سواء كانت زوجة أو حبيبة أو أماً أو أختاً ولدي شعور اجتماعي وسياسي دائم يمثل تحدي منه أن المرأة في مجتمعاتنا العربية تعاني من الظلم رغم مرور مئة عام على دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة, واليوم المرأة مهددة في مكاسبها رغم دورها العظيم.. ودائما ما يتم التربص بالمرأة كأنها حصن يجب أن يخترق, وما أشبه علاقة الرجل بالمرأة بعلاقة السلطة بالمواطن وهنا فان المرأة تمثل دلالة سياسية في لوحاتي. التغيير السياسي ليس من الضروري أن يكون تسجيليا فهناك فرق بين القصيدة والنثر والمقال وهناك من الفنانين الذين يرسمون الواقع كما هو.. وأذكر لك أنني قابلت الشاعر الفلسطيني محمود درويش منذ سنوات بعيدة وقال لي ان الانسان الثوري الحقيقي لو رسم عصفورا بصدق فسيكون عصفورا ثوريا, فالخطاب السياسي المباشر يهدر القيمة الفنية. وعن اللون الاسود في لوحاته يقول: مبرر اللون الأسود أنني أعبر عن الطبيعة الخاصة بالمنظر الشعبي فمصدر الضوء في داخل الاشياء والظل له قيمة تشكيلية في ربط الأشياء وبناء التكوين ومن ناحية أخرى هو ملمح هام من ملامح الحياة الشرقية, ففي أوروبا لا نجد سوى الغمام وبالتالي فلا ظل للأشياء أما هنا فالظل شديد الوضوح بسب قوة ضوء الشمس.. كما ان الظل يضفي بعدا دراميا على العمل الفني.. اصالة وابتكار وبرأي حلمي التوني ان اللوحة تصبح عالمية عندما يتوفر لها شيئان هما الأصالة والابتكار فاللوحة لابد أن يكون لها أب وأم كما يجب أن تكون غير مسبوقة من قبل.. واذا كانت اللوحة يتوفر فيها الصفة الأولى وهي الأصالة.. فلا يكفي لأنها ستصبح لوحة سياحية فولكلورية.. فالاصالة ليست تقرير الواقع لأن ذلك متاح للأجنبي أن يرسم لوحة مصرية من واقع مصر لكنه سوف يرسمها بلغته الخاصة.. ولا يمكن لمن يقلدون المدارس الغربية بعمل لوحة عالمية لأن المثل يقول (هذه بضاعتكم ردت اليكم) كما أن تجربة جارسيا ماركيز الروائي الحاصل على جائزة نوبل تؤكد قوة الخصوصية المحلية للأدب الكولومبي حتى أنه أدخل لتاريخ الأدب مصطلحا جديدا يسمى بالواقعية السحرية وهي مدرسة جديدة أنشأها الفنانون في أمريكا اللاتينية. ويضيف التوني: أعتقد أنه تم تواصل ما مع الروح المصرية ولكنني في حالة سعي ودأب وعندما أقترب من الروح المصرية أبتعد أكثر, لأن الفن هو المسافة وهو البعد عن الأصل وكلما ابتعدنا عن الأصل زاد ابداعنا الفني وزاد ابداعنا الفني أيضا بلغة المال الشجرة مثلا رسمت ملايين المرات وفي كل مرة ترسم بشكل يختلف وهنا يعبر الفن عن قمة الديمقراطية, ولهذا فان الابداع في بلادنا ضعيف بسبب قلة الديمقراطية. وختم حديثة عن علاقة المسئولين في البلاد العربية بالفن ووجد ان هناك عدم تقدير للفن والتعامل معه كشيء يمكن الاستغناء عنه, والحقيقة أن الحضارة العربية لن تعاود النهوض دون الاهتمام بالابداع فبدون ابداع لن يكون هناك تصدير أو اتقان أو ابتكار وبالتالي فان الاهتمام بالفن هو الاهتمام بصناعة النهضة. حلمي التوني في سطور رسام مصور ومصمم.. درس الفن في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة وحصل على البكالوريوس في فن التصميم المسرحي, بالاضافة الى التصوير الزيتي.. وساهم في عدة نشاطات متعلقة بالفنون الجميلة والبصرية مثل النشر, مسرح الدمى, تطوير الطرز الوطنية للاثاث. * يعتبر من أفضل المساهمين في فن تصميم الكتاب والرسم الجرافيكي في العالم العربي. * ألف وصور العديد من كتب الأطفال التي نشرت بعدة لغات أجنبية بواسطة المنظمات التابعة للأمم المتحدة وهو حاصل على العديد من الجوائز العربية والعالمية منها ميدالية معرض ليبزج الدولي. أقام العديد من المعارض الفردية في معظم الدول العربية وساهم في الكثير من المعارض الجماعية الدولية وله مقتنيات من أعماله في المجموعات بالدول العربية والأوروبية, كما ان أعماله ذات طبيعة رمزية ومستوحاة من الفن الشعبي والأساطير. القاهرة ـ حميد مجاهد