تتجه الأضواء الاعلامية عادة الى مهرجان برلين السينمائي الدولي وقد صاحبها في الدورة الأخيرة اهتمام أكبر لأنها الدورة الخمسون, ولاقامتها لأول مرة في صرح جديد بالقسم الشرقي الذي كان قبل الوحدة عاصمة جمهورية المانيا الديمقراطية الشرقية (سابقا)، ولكن كثيرين من عشاق السينما يهتمون بمهرجان مواز هو (ملتقى السينما الشابة) أو الفورم Forum الذي اقيمت دورته الثلاثون في نفس الوقت, هو مهرجان لايتقيد بطقوس رسمية زيا وحفلات مثل المهرجان الكبير الذي يستقطب النجوم والمخرجين المشهورين والأفلام المرشحة للأوسكار, يفضلون الملتقى بجديته وأفلامه التي تثير قضايا, يتزاحم الشباب حولها, يناقشون المخرجين في رؤيتهم, وهذه محاولة قراءة لبعض افلام الدورة الأخيرة للملتقى وما طرحته من قضايا. فهذا مثلا فيلم هولندي عن الشيشان.. يحمل عنوان (صنع امبراطورية جديدة) اخراج جيوس دي بوتير (41 سنة) الذي عمل كمراسل تليفزيوني منذ 1991 وصور فيلما في امريكا اللاتينية عن سكان العشوائيات: (قانون الفافيلا 1993 يذهب مع مجموعة من المصورين الهولندين الى جروزني عاصمة الشيشان بعد عامين من حرب الاستقلال ضد الجيش الروسي, مازالت المدينة مخربة بيوت كثيرة مهدمة يعود الفيلم الى تاريخ الكفاح الشيشاني حينما كون أحمد نوكاييف حركة مقاومة سرية في موسكو اعتبرها الروس ارهابا في حين وجد فيها الشيشانيون رمزا للبطل الوطني, الذي يصارع قوى عاتية.. ويلقي الفيلم نظرة مستقبلية تفسر الحرب القائمة, فان هذه المنطقة تتحكم في أنابيب البترول القادمة من بحر قزوين حيث تقع أكبر آبار البترول في العالم, وعليها يتوقف مس تقبل الغرب. يلتقي المخرج جوس دي بوتير بالزعيم الشيشاني نوكاييف, تصوره الكاميرا وهو يصلي فهو كما يعلق الفيلم مسلم مؤمن, كما تصور بعض تقاليد وعادات الشيشانيين ورقصاتهم الصاخبة مجتمع خاص, يقدمه الفيلم في قرب وتعاطف وقناعة الى العالم. ليل طويل وينقلنا الفيلم الأمريكي (رحلة ليل طويل نحو النهار) الى جنوب افريقيا: حيث تذهب المخرجتان الشابتان ديبورا هوفمان وهي مخرجة تسجيلية ومونتيرة, وفرنسيس ريدر منتجة ومصورة ليعايشا حالة هذا البلد الافريقي بعد سقوط النظام العنصري الذي يصفه الفيلم بأنه أشد أنواع السيطرة والظلم العنصريين على مدى أربعين عاما منذ النازية الألمانية فان هؤلاء الذين كانوا مسئولين عن نظام التفرقة العنصرية يريدون بعد سقوط النظام العفو عن جرائمهم وفي محاولة للتوفيق تكونت لجنة للتوفيق تحمل اسم (الحقيقة والوفاق) وقامت بالتحقيق في جرائم النظام العنصري, واكتفت بكل من الجانبين الضحايا وهؤلاء الذين اقترفوا الجرائم, على أمل وتأمل الكشف عن الماضي لا دفنه, تمهيد الطريق أمام مستقبل سلمي. ويتابع الفيلم الحالات التي التقت بها اللجنة خلال عامين مما يعكس قصص الصراع, والعفو ومحاولة تجاوز الماضي. من بين هذه الحالات ضابط من البيض كان يعمل في قوات الأمن يبدي ندمه على الجرائم التي اقترفها يحاول أن يستغفر ويتعتذر لزوجة أحد المكافحين السود الذي كان قد قتله منذ أربعة عشر عاما وفي حالة اخرى يقدم الفيلم مجموعة من الأمهات كانت الشرطة قد أخفت عنهن المعلومات الصحيحة عن ابنائهن, هنا يتعرفن على حقيقة ما حدث كيف أطلق سراح الابناء ولكنهم تعرضوا للخيانة وقتلوا في مؤامرة دبرتها الشرطة. وفي المقابل حالة اخرى يروي فيها أحد الشبان من الناشطين السود كيف قتل طالبة بيضاء في مظاهرة, نلمس محاولة والديها تجاوز آلامهما في سبيل دولة جنوب افريقيا الجديدة تتعانق فيها الأجناس والثقافات. سبع أغاني ونتجه الى الشمال الأوروبي.. الى فنلندا منطقة التندرا القطبية الجليدية حيث صور فيلم (سبع أغاني من التندرا) لمخرجين فنلنديين كانا قد أخرجا أفلاما تسجيلية من قبل يحاولان هذه المرة الخروج من التسجيلي الى الروائي وجدا ان الروائي يمكن أن يكون أكثر تعبيرا كتبت انستاسيا لابسوي قصصا تعتمد على الأساطير الشعبية تصف حياة السكان النينيت Nenets وهم الحيوانات والسمك قام بعض هؤلاء السكان باداء أدوارهم الحقيقية الحياة رئيس المزرعة, المعلم, الصياد.. ويعتبر هذا الفيلم من انتاج عام 2000 أول فيلم روائي طويل 85 دقيقة باللغة المحلية وقدم الأهالي كل الامكانيات لتصويره ليخرج معبرا بصدق عن حياتهم. في انتاج مشترك بين الكاميرون وفرنسا وألمانيا يقدم المخرج الافريقي القادم من الكاميرون جان ماري يكنو فيلمه (رحلة الى الريف) طارحا تساؤلا حول معنى الحداثة. تلك القضية التي شغلت وطنه الكاميرون منذ الاستقلال. هل معنى الحداثة في بلد افريقي استوائي هو التطلع الى كل شيء أوروبي واغفال كل ماهو افريقي؟ يأتي طرح هذا التساؤل من خلال رحلة يقوم بها المخرج الافريقي الذي يقيم في فرنسا منذ سنوات طويلة عبر وطنه الأصلي.. عبر الماضي والتاريخ.. متذكرا رحلة كان قد قام بها وهو صبي صغير منذ أكثر من عشرين عاما من قريته الى المدينة للالتحاق بالمدرسة. عبر الرحلة يسأل المخرج الناس الذين يلقاهم عن آمالهم, وعن مشاكلهم أو احباطاتهم خلال السنوات العشرين التي غاب فيها عن وطنه, وشغله هاجس أساسي حول ماحدث, تغيرات ومحاولات رأب الفجوة بين السكان في الحضر والسكان في الريف. يقول المخرج جان ماري تينو الذي شارك مع زميل من مواطنيه في تصوير الفيلم (انني أعني بالحداثة أن لايكون للظلم مكان في مجتمعنا, ان ننسى ما حدث في الماضي من عبودية واستعمار, ألا يعاني أي فرد في العالم من الفقر) . الكتب والليل يتناول فيلم (الكتب والليل) للمخرج الأرجنتيني تربستان باور حياة كاتب من أكبر كتاب أمريكا اللاتينية (خورخي لويس لورجيس) بمناسبة الاحتفال بمئوية ميلاده من خلال بناء تسجيلي درامي ليروي مسيرته ويقدم فلسفته في الحياة, وكيف فقد بصره عندما عين مديرا للمكتبة الوطنية.. كتب كثيرة وليالي طويلة.. أمامه. ومن الأدب الى السينما.. في فيلم (إطلق الرصاص على الشمس) من كوريا الجنوبية اخراج جاي- هونج شو الذي يعود لأسطورة شعبية يستخدمها في التعبير عن غضب السينمائيين الكوريين على الحكومة, دفاعا عن سينما وكنية, وحمايتها في مواجهة غزو سينما هوليوود حفاظا على هويتهم الثقافية. فيلم آخر عن السينما أكثر اقترابا هو الفيلم الكندي (سينما الحقيقية تحديد اللحظة) للمخرج والكاتب والمنتج بيتر وينتونيك يستعرض تطور السينما غير الروائية ويحتفل بثورة سينما الحقيقة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات, هذه الثورة التي اتخذت عدة مسميات (السينما الحرة) , (السينما المباشرة) , (سينما الحقيقة) , وكيف قامت في انجلترا وفرنسا وأمريكا وكندا وكيف ساعدت في تقديم مفهوم مختلف للفيلم وعلاقته بالجمهور ينتقل الفيلم بين أمريكا وأوروبا سعيا وراء هؤلاء السينمائيين العظام الذين نشاهد من بينهم الكندي ريشارد ليكوك الذي كان ضيف شرف لمهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية ذات دورة, والفرنسي جان لوشي وميشيل برولت وهوب هايدن.. وضح الفيلم طريقة عملهم باستخدام كاميرا محمولة وجهاز صوت محمول, وكيف التزموا بتسجيل الواقع وساهموا في (تثوير) الفيلم. كتب ـ فوزي سليمان