بقلم: حسب الله يحيى ماذا يعني اكتشاف صبي ظل معزولاً عن المجتمع الانساني لمدة ست عشرة او سبع عشرة سنة؟ من هو المسئول عن هذه العزلة, ومن يقف وراءها, وما هي اسبابها, ثم.. لماذا تم اخفاؤها بعد الاكتشاف؟ كاتبان المانيان هما: ديتر فورته وبيترهاندكه, تنبها الى هذا الحدث التاريخي الذي وقع في بلادهما عام 1828 وقاما بكتابته.. حيث كتب فورته عنه مسرحية بعنوان (مصرع كاسبر هاوزر) وتناوله هاندكه في قطعة تمثيلية اطلق عليها اسم (كاسبار) . وكاسبر هاوزر لقيط, عثر عليه وهو صبي, ولم يكن يعرف اية لغة, ويبدو انه كان قد عاش في اماكن منعزلة عن البشر.. الا ان عيشه لمدة خمس سنوات في محيط اجتماعي, اعاده الى انسانيته.. وبعد هذه الاستعادة تم قتله بطريقة مجهولة! وكانت عملية القتل هذه مثار شكوك وجدل وبحث, خرجت عن إطار كونها تتعلق بصبي مجهول الى مسألة تتعلق بشئون سياسية واجتماعية كبرى. فقد كتب فويرباخ رئيس محكمة الاستئناف.. واحد شخصيات مسرحية فورته, تقريرا الى ملك بافاريا عام 1832 اشار فيه الى ان كاسبر, (ربما كان ينحدر من اصل عريق وربما كان احد الامراء) ودلل على رأيه بنقل الحلم الذي حدثه عنه كاسبر ووصف فيه قصرا فخما.. ربما كان قد رآه في طفولته.. وقد ابعد لئلا يتولى سلطة اوميراثا. وقدمت السينما الفرنسية شخصية كاسبر في فيلم (الطفل الوحشي) للفنان تروفا عام 1970, وتم التركيز على معاناة الصبي في طفولته. فيما نظر السينمائي الألماني: فيرنر هرتسوخ في فيلمه (كاسبر هاوزر) 1974, الى البراءة والطهر الذي تمتع به كاسبر بين جمع من المذنبين. ربط فورته بين قضية كاسبر و(غيبة الديمقراطية والحرية.. وان كل الآلام الكبرى التي عانت منها البشرية يرجع الى استبداد فئة بالسلطة ودفعها الجماهير الى اتون الحروب والمهالك.. كما ارجع مأساة الانسان الفرد الى النظم الديكتاتورية التي لا تحترم حق الانسان في المجتمع بحياة حرة كريمة وانه رغم البعد التاريخي للواقعة الا أنها تحولت الى جريمة يمكن ان تحدث في اي مجتمع انساني معاصر لا ينعم فيه المواطن بالأمن في ظل نظام ديمقراطي حقيقي. والسؤال الذي يثار, من هو المستفيد من قتل صبي مجهول الهوية, ومن يدافع عن قتل انسان بريء؟. السؤالان يشكلان ادانة للمجتمع والسلطة معا. المجتمع يجهل حقيقة امر الصبي, ولا يسعى احد للخروج من حالة الجهل هذه, والسلطة لا تبحث عن تفاصيل انسان لا جذور له! تقرير السلطة يكتفي بعبارة (مات متأثرا بجراحه على يد مجرم اثيم) ومن يسأل (يدخل في السجلات السرية, والسجلات السرية تفضي بسرعة الى السجن) . ومع ذلك كله يثير نص فورته السؤال: (لماذا قتلوه؟) و(من قتله؟) ـ من يدري؟ هذا يخص الشرطة فهذه جناية. ـ الواقع ان الجميع يعرفون الحقيقة, لكنهم يقولون انهم لا يعرفون شيئا. ـ بالضبط ـ ولذلك فمن الافضل ان يتظاهر المرء بالغباء ـ مثل الجميع ان اغفال الحقيقة هنا وعمدا, هو المأخذ الاساس على مجتمع لا يبالي في الكشف عن الحقائق, وبالتالي يفرط بحقه في الدفاع عن الحقيقة التي تخفي السلطة امرها, حتى ان انتهازية بعض الافراد تصل حد الشك في كون القتيل هو كاسبر نفسه, فقد يكون سواه وقد اطلق على نفسه الاسم ذاته, اما البعض الاخر فقد حمل الضحية مسئولية القتل هذه باعتبارها ادعت الانتماء الى عائلة نبيلة..! اما السلطة فقد اظهرت كل اهتمامها في البحث عن القاتل, واعلنت عن مكافأة لمن يدلها على الجاني, لكنها تعلم جيدا انه ليس هناك من يتقدم للادلاء بشيء: (ـ لماذا اعلنتم عن المكافأة اذن؟ ـ ولم لا. اذا كنا نعلم ان احدا لن يحصل عليها؟ ـ سمعة الشرطة في الميزان. ـ قصدك ان ما يعجز مبلغ عشرة الاف جولدن عن تحقيقه لا تستطيع الشرطة ان تحققه, هذا دليل لطيف على عدم تقصيركم) . وتتنبه السلطة الى المبلغ الكبير الذي اعلنته مكافأة لمن يكشف حقيقة مقتل كاسبر.. (فقد يعطي الانطباع بان المجني عليه كان من كبار الشخصيات) . ويعالج الامر بسهولة: (اطلب من أحد المحررين ان يكتب مقالة متوازنة عن الموضوع) . وتخشى السلطة الحديث عن موضوع مقتل كاسبر: ـ (وماذا سمعت من رواد الحانة, هل يتحدث الناس في الموضوع ـ الناس يتحدثون عن الجو, والجو بارد. ـ وماذا عن النادل, هل يتحدث هو الاخر عن القضية؟ ـ انه لا ينطق بشيء على الاطلاق, وهو أبكم. ـ لكنه يفكر في شيء اليس كذلك؟ ـ انه لا يعرف التفكير على الاطلاق, ومنذ قليل طلبت اليه ان يبدأ في تعلم التفكير) . ويستفيد فورته من سر مقتل كاسبر في الكشف عن هوية السلطة, بدلا من الكشف عن مرتكبي الجريمة, فهناك جرائم اكبر, ولا تشكل قضية كاسبر الا مفتاحا صغيرا يفضي الى ابواب كثيرة لجرائم لا تعد ولا تحصى, حتى ان المظهر الذي تظهر به السلطة عند فورته كونها طيبة وتسعى الى الترفيه عن الشباب وتشجيعهم على الزواج تحمل مؤشراً سلبياً: (توجد وسيلة ناجعة لابعاد الطلبة عن الشغب, يمكن اعطاؤهم وظائف صغيرة تتطلب جهدا كبيرا, لكنها لا تنتج كثيرا, ويشجعون على الزواج, والرجل المتزوج وعنده اطفال, لا يوجد لديه الوقت الكافي للتفكير في الاحوال العامة, هذه وصفة مجربة) . ان طفولة ديتر فورته (ولد عام 1935) لها اثر كبير في الاهتمام بطفولة كاسبر ومصرعه, ففورته نفسه, عرف مرارة الحرب العالمية الثانية, وتواصل مع النداء التاريخي, فعمد الى نقله كما هو, الا انه لجأ الى تحليله وفق منظور يقظ, وهو الامر الذي جعل من ذلك الحدث التاريخي, يشكل جملة من الاسئلة اليقظة اللاحقة بالاحداث, وتحول النص من بؤرته الزمانية الساكنة الى زمان ومكان يشهدان الكثير من الحركة والكثير من الايحاءات الدالة التي تجاوزت زمن كتابة المسرحية (1979) الى ازمنة اخرى لاحقة. بيترهاندكه واللغة اما تمثيلية (كاسبار) لبيترهاندكه (ولد عام 1942), فانها تنحو منحى اخر في تحليلها لقضية (كاسبار) حيث (تقوم على (الموضوع) وعلى (الكلام) وعلى تأثير اللغة على الانسان) كما يقول: د. مصطفى ماهر في تقديمه لهذا النص الذي عرض في المانيا عام 1968. الكلام.. الكلام, هو العنصر الاساس في نص هاندكه, الكلام الغائب او المعدوم في طفولة مغيبة او مجهولة, والكلام وهو يكتشف شيئا فشيئا ليصبح المدمر لصاحبه. الكلام هنا ليس مجرد معرفة باللغة, بل بمديات هذه اللغة, التي تكون سببا في القتل, عندما تصبح وعيا وفعلا, ووفق هذا المنظور تلتقي هذه التمثيلية مع مسرحية فورته. ان تمثيلية هاندكه (لا تعرض ما يجري في الواقع او ما كان يجري في الواقع لكاسبار هاوزر, بل تعرض ما يمكن ان يجري على انسان ما, انها تبين كيف يمكن بالكلام حمل انسان ما على الكلام, ومن هنا كان من الممكن ان نسمي هذه التمثيلية (التعذيب الكلامي). وكل جملة عند هاندكه لها فعلها وأبعادها.. ان جملة يقولها كاسبار وهو في مرحلة تعلم اللغة على يد ملقن مثل: (انني اود ان اصبح مثلما كل انسان اخر ذات مرة) تجعل الملقن يوضح الامر على هذا النحو: (لقد اصبحت لديك جملة يمكنك بها ان تجعل الاخرين يلحظونك, يمكنك بهذه الجملة ان تجعل الاخرين يتبينونك في الظلام, فلا يظنونك حيواناً, لديك جملة يمكنك بها ان تقول لنفسك كل شيء لا تستطيع ان تقوله للاخرين, يمكنك ان تشرح لنفسك الحال التي تحيط بك, لديك جملة يمكنك بها ان تناقض الجملة نفسها) . ان هاندكه يفجر الحس اللغوي لدى كاسبار الذي كان يفتقد الى حسه الانساني, مقرنا الاحساس المشترك, الحس اللغوي مساويا ومتوازيا ومتلاحما مع الحس الانساني, ومن هذا الاحساس المعمق يتكون الوعي ومن ثم تتكون الارادة الانسانية الفعالة. صحيح ان الانسان سبق اللغة, الا انه لم يدرك انسانيته الحقة الا عندما عرف.. اكتشف وهج اللغة ومدياتها في تأكيد انسانيته. وبفعل اللغة (الكلام) صار بمقدور كاسبار ان يتكلم كما يتكلم الملقنون: (كل ساكن مسالم, كل مسالم ودود, كل ودود انيس, كل انيس مريح, لم يعد كل مريح رهيبا, كل ما استطيع تسميته باسمه لم يعد رهيبا, كل ما لم يعد رهيبا ملك لي, كل ما املك اليف اليّ, كل ما هو اليف اليّ يدعم ثقتي في نفسي, كل ما هو اليف الى نفسي يجعلني اتنفس بارتياح, كل ما هو اليف اليّ منتظم, كل منتظم جميل, كل جميل يريح عيني, كل ما يريح عيني يريحني, كل ما يريحني يطيب خاطري, كل ما يريحني يصلحني, كل ما يصلحني يجعلني اصلح لشيء) . بهذه البراعة تتفجر اللغة عند هاندكه.. لغة ليست للاستهلاك والثرثرة, انما للتأمل والعطاء والنباهة. وهو في هذه البراعة يرى ما لا يراه سواه, يرى بعمق ودلالة: (حدقة العين مدورة, والخوف مدور, لو تبددت الحدقة لتبدد الخوف, ولكن الحدقة موجودة والخوف موجود, لو لم تكن الحدقة صالحة لما كان لي ان اقول ان الخوف صالح, لو لم تكن الحدقة مباحة لما كان الخوف مباحا, لا خوف بلا حدقة, لو لم تكن الحدقة معتدلة لما امكنني ان اقول ان الخوف لا ينشأ في درجة حرارة الحجرة, الخوف اقل صلاحا مما هو مصرح به, الخوف يسيل وهو على العكس دافئ كاليد) . ومثل هذه الايحاءات اللغوية, تجعلنا نعرف معطيات اللغة, وكيف يمكن تقديمها بعدة استخدامات بحيث يستشف من كل كلمة فعلا جديدا: (الحجرة صغيرة, ولكنها حجرتي, الكرسي قصير, ولكنه مريح, الحكم صارم ولكنه عادل, الغني غني, ولكنه لطيف, الفقير فقير, ولكنه سعيد, المسن مسن ولكنه قوي, المشهور مشهور ولكنه متواضع, المجنون مجنون ولكنه غير مؤذ. المجرم حثالة, ولكنه انسان رغم كل شيء. المشوه يثير الاسى ولكنه انسان ايضا..) . ومن ذلك السماح والقوة التي تخلقها اللغة لهذه الصفة السمحة نتبين افعالا اخرى تفجرها لغة هاندكه: (كلما زادت مشكلة الاسكان, زادت خطورة الافكار, كلما عملت بفرح, وجدت السبيل الى ذاتك, كلما كان مسلكك مطمئنا, سهل تقدمك, كلما حسنت الثقة المتبادلة, تيسر احتمال المعيشة المشتركة, كلما زاد بلل اليد, اضطرب الانسان كله, كلما زادت نظافة المسكن زادت نظافة السكان) . وهنا يلتقي الى حد ما, مع نظرة فورته في اقتراح الزواج وزيادة النسل, كذلك يلتقي هاندكه مع فورته في فهم الحرية: (ليست الحرية تصريحا, ليس الصمت اعتذارا, ليس الحديث استجوابا) . وهنا يؤكد هاندكه: (الدم يصرخ, الظلم يصرخ, لولا الدم لما صرخ الظلم) . وقد يجد هاندكه في كلمة واحدة مثل (أنت) ضرورة بحيث يكررها بصور عمودية (28) مرة وذلك في صفحة 45 من النص. كما انه يرى في وجود الاحداث له اهميته: (انما جعلت الاحداث حتى نشغلها دون تحفظ, لا نسير الى الامام ولا الوراء بدون موتى) . وفي اختياره اكثر من شخصية واحدة باسم (كاسبار) محاولة لاضاعة الجريمة وتبديد وجودها, وهي مسألة اثارها فورته كذلك ولكن من خلال شخصية ثانية لكاسبار تمت الاشارة اليها. ان المعنى الحميم والفاعلية الحية التي جاءت بها لغة هاندكه في نصه عن (كاسبار) اراد من خلالها ان يقدم عمق مأساة الانسان حين يفتقد لغة يعبر بها عن حريته, وهو هدف اكده فورته, ولكن على نحو أكثر وضوحا واعلى نبرة واكثر شمولية وصراحة, لنجد في نهاية الامر, كاسبار وهو يثأر لحريته التي اغتيلت.