بقلم: د. وطفاء حمادي تشير الدراسات التي تبحث في تاريخية المسرح, الى أن الاهتمام بالمتلقي, كطرف اساسي من طرفي العملية المسرحية, يمتد ليتعمق في جذور التاريخين اليوناني والأثيني, وتحقق الوصول اليه من خلال سياستين: اما الذهاب الى الجمهور في موقعه, وإما اجتذاب الجمهور الى موقع الممثل. وفي السياسة الثانية, تم اجتذاب الجمهور عن طريق بناء مسرحي ذي دلالة وظيفية تكشف عن علاقته بالمسرح آنذاك. كان مسرح اثينا, على سبيل المثال, او مسرح ابيداوروس, يتسعان لعدد كبير من أهل المدينة, خمسة عشر ألف متفرج, وتجاوزت مساحة التلقي, في هذه المسارح, ابعاد المجال المكاني العام ومساحته, برغم المسافة وأعداد المتلقين الهائلة, كما ساهمت الأقنعة والملابس الضخمة وغيرها من المؤثرات, بدرجة كبيرة في تعويض المتفرج عما قد يفقده من وضوح المشاهدة والاستماع. ولم يقتصر الامر على عنصر المكان, في تلك المرحلة, بل تعداه ليشمل الموضوع اي المضمون الذي يؤلف مع المشاهد لغة مشتركة تنطلق من ثقافة هذا المتلقي وقيمه, الى الوسائل الاخرى التي كانت تقوم بها الدولة نحو المتلقي لإقباله. المشاهد هو الاساس وفي العصور الوسطى ظهرت مواكبة العروض المسرحية, وبدلا من ان يأتي الناس الى المسرح, حمل المؤدون المسرح اليهم على عربات جوالة في أرجاء المجتمع. اما المسرح الشكسبيري, فجعل المشاهد محوراً اساسياً من محاور العمل, مذ ادرك شكسبير تماما ان المسرح يعتمد على المشاركة الايجابية لعقل المتلقي, وغالبا كان يطلب هذه المشاركة من المتلقي صراحة ويعرض امامه توقعات النص, ويطلب معونته على تحقيقها وفي العصر الحديث, وبرغم تركيز الدراسات والأبحاث على عناصر العرض المسرحي, اذ خصصت دراسات مستقلة لكل عنصر كالممثل الذي حظي باهتمام كبير في التجارب والأبحاث نذكر منها كتاب إعداد الممثل (لستانيسلافسكي) , والخشبة المسرحية وبنيتها, أفرد لها جروتوفسكي كتابا تحت عنوان (المسرح الفقير) وكذلك المخرج المسرحي الكبير بيتر بروك وضع نظرية في الفضاء المسرحي, جعل لها كتابا ترجم تحت عنوان (المساحة الفارغة) او (الخالية) , غير ان بروك لم يقم بتجربة من تجاربه المسرحية الغنية دون ان يشغل فيها المتلقي هاجسا من هواجسه, اذ أخضع مختلف عناصر العرض من مكان وزمان وارتجال من الممثل وما يعالجه من موضوعات, لرصد اللحظة التي يحدث فيها التفاعل الكيميائي بين المتلقي والعرض, كما عقدت ندوات وحلقات دراسية مكثفة حول قضية هذه العلاقة, والسبل التي تؤدي الى تحقيقها. خصصت مجلة (Theatre Public), عددا مميزا حول دور المتلقي في العمل المسرحي تنوعت فيه الأبحاث في مختلف المجالات حيث يشكل المتلقي الموضوع الاساسي: دراسات سوسيولوجية لسن المتلقي ومستواه العلمي, وثقافته وطبقته الاجتماعية, ثم ركزت على قضية متعة المتلقي, في العمل المسرحي, وقامت بإحصاءات ودراسات ميدانية تستطلع رأي المتلقي في أنواع المسارح التي يقصدها: البولفار, والشعبي, والجاد (التثقيفي) برغم مضي تسع سنوات على هذه الحلقة الدراسية, فان الموضوعات فيها لاتزال تشغل بال المسرحيين حتى اليوم وتشكل المنطلق الاساسي لأعمالهم, بالاضافة الى هذه المحاولات, توجد بعض التجارب الفيزيولوجية التي وضعت تحت المجهر الحالة الفيزيولوجية كما يعيشها المتلقي اثناء الاستجابة للعرض الا أنها لم تتوصل الى نتائج عملية بل الى كم من المعلومات العلمية فقط. المتلقي في المسرح الغربي ولم يقتصر الامر على التنظير والابحاث العلمية في شأن التلقي في العرض المسرحي, بل تعداه الى الممارسة العملية من خلال التجارب المسرحية لفرق امريكية وفرنسية وعربية, ففي امريكا, ظهرت فرق خارج برودواي (للدمى) و(المسرح الحي) و(مسرح الحوادث) , حاولت اقامة علاقة تواصل بالمتلقي عبر أساليب متعددة, تارة عن طريق مساعدة الناس على تعميق تجربتهم في الحياة بدعوتهم للمشاركة في احتفالات طقسية تعود بالمسرح الى بداياته الأولى, وتارة عن طريق مخاطبة جمهور شعبي واسع بطرح قضايا كبرى تفرضها الساعة, بأساليب تستثير المتلقي ليشارك في التمثيل ودعوته للمشاركة في الفعل المسرحي. وفي فرنسا, قامت اريان منوشكين, في (مسرح الشمس) بثورة شاملة على واقع المسرح الغربي وسعت الى العلاقة بالجمهور عبر منهج عمل يربط المسرح بمحيط اجتماعي معين. التجارب العربية وفي المسرح العربي ايضا, نال المتلقي نصيبا وافرا من دراسات المهرجانات والتجارب المسرحية, فعلى مستوى الدراسات النظرية, بحث الكاتب المسرحي سعد الله ونوس في كتابه (بيانات لمسرح عربي) سبل الوصول الى إقامة علاقة بالمتلقي فوضع نقاطا مهمة تبدأ بتحديد هوية المتلقي ثم هواجس المتلقي وأهم القضايا التي تعينه, كما ركز على الشروط التي ينبغي على المسرح ان يتمتع بها لتعبر عن واقع المتلقي, ولفت ونوس في كتابه الى صعوبة هذه العلاقة, والى الممارسة المكثفة والمستمرة التي يجب القيام بها لتحقيق هذه العلاقة, ولم تهمل المهرجانات المسرحية المحلية والدولية في دمشق والشارقة والقاهرة قضية العلاقة بالمتلقي, فهي تستأثر بمحاور مهمة وأساسية في محاور هذه المهرجانات من خلال الندوات والتجارب المسرحية الدولية التي تعرض سنويا وخاصة في مهرجانات المسرح التجريبي في القاهرة, وفي التجارب المسرحية العربية, قام عدد من المسرحيين العرب بكثير من الاعمال لإيجاد نمط جديد في العلاقة بالمتلقي يتمكن من تحويل رؤية المتلقي من سكونية الى فاعلة تتيح له امكانية المشاركة الجدية. وهذا المنهج أخذت به فرقة الحكواتي اللبنانية في اختيارها اسلوبا استعراضيا يمزج الفنون ويترك سبيلا للأشكال الشعبية, فيقرب العرض المسرحي من الاحتفال, بوسائل تربط الناس بذاكرتهم وتبرز الرموز والاشارات التي تعبر عن هوية الحفل, وهكذا عملت فرقة المسرح الجديد في تونس, وسعى بعض المسرحيين اللبنانيين بأساليب متعددة لايجاد هذه العلاقة, منهم من حاول ايجادها عن طريق شكل الخشبة كأنطون ملتقى, او عن طريق كتابة النص للعرض المسرحي كعصام محفوظ, بلغة محكية اعتبرها اول عناصر الواقع الذي ينبغي ان يعبر عنه المسرح, هذا الرصد التاريخي للعلاقة بين المتلقي والعرض المسرحي من خلال الدراسات والتجارب المسرحية, يتبلور على نحو جلي واضح في نظرية الاستقبال من قبل المتلقي, وصاغ هذه النظرية جوليان هيلتون في كتابه (نظرية العرض المسرحي) , كما أفرد للمتلقي في العرض المسرحي فصلا من هذا الكتاب حيث ركز على الاستجابة التي يمكن ان تتم من خلال عنصرين مهمين: التركيز والتكثيف, ويقصد بهما, تركيز المتلقي على عناصر العرض ثم تكثيف انتباهه بملء ما سماه هيلتون (فجوات النص) , اي اشراك المتلقي في تركيب النص وتوظيف خياله, ولكن هذه المحاولة لم تخلو من الابتكار والتجديد, اذ ثمة تجارب كثيرة على مستوى النص المسرحي والخشبة في مسرح شكسبير وبيتربروك, بغية استدراج المتلقي للمشاركة في بناء العرض من خلال عنصري التركيز والتكثيف كما في مسرحية (حلم ليلة صيف) لشكسبير, وتبقى الاشكالية التي على المسرح مواجهتها اليوم, في سيرته, وفي علاقته بالمتلقي هي الثورة الالكترونية التي أحدثت انقلابا خطيرا في مجالات متعددة من الثقافة والمدنية, وطالت المسرح في استخدامها لتقنياتها الحديثة. المسرح الالكتروني: استخدم المسرح تقنيات الكترونية حديثة في عروضه, والأمر يستدعي تساؤلاً كبيرا عن مدى استجابة المتلقي, وكيفية استقباله, نذكر من هذه العروض, عرضا مسرحيا قدم في مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة, العام الفائت, وهو (كتالوج سعادة بدون تاريخ) للمخرجة الفرنسية دومينيك سوريا. ينفي هذا العرض الحوار المسرحي, وكذلك الممثل ويعتمد في لغته على إمكانيات ادت الى تأثير بصري مكثف, من خلال استخدام الفرقة لثمانية بروجكتورات, اربعة منها تعمل اوتوماتيكيا بعد ضبطها على الكمبيوتر, واربعة يدوية, كأن العرض كما اكدت المخرجة مزيجا من السينما والرسم والموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية, وبلغ تأثير المكننة والآلية في هذا العرض الى حد برمجة المشاهد, حتى الرجلان يبدوان وكأنهما مبرمجان فيما يفعلان, ان انعدام التواصل مع هذا العرض يعود الى ان عملية الاستقبال ينبغي ان تتم عبر التركيز على جهة المتلقي في إنشاء لغة العرض أثناء التلقي, بتنشيط الانشاء في (فجوات النص) كما يسميها هيلتون, اي في مناطق الغموض والتورية والقلق التي تفرض على المتلقي مهمة تفسير المعلومات المرسلة اليه, وإكمالها من واقع خبرته وتوقعاته, فتحوله الى مشارك ايجابي في إنشاء المعنى, ولكن مكونات بنية هذا العرض شكلت حالة من الغموض, فأدت الى اعتراض مسار الاشارة العلامية المرسلة من العرض الى المتلقي, وهي واقعية او متخيلة تسببت على المستوى العلمي بحدوث فجوة بين الهدف الذي يسعى اليه العرض, والصورة التي يكونها المتلقي من هذا العرض, وقد يدرك الطرفان انهما يتشاركان في تجربة واحدة هي العرض المسرحي, وبرغم ذلك, يختلفان تماما في تفسير المعنى والدلالة. وأسباب هذه الفجوة افتقار الجمهور للثقافة المسرحية التي تتيح له فك الرموز, فتتجاوز الأداة الفنية المباشرة.