تأتي رواية (انها الحياة) الصادرة سنة 1999 في المرتبة الثانية في الاهمية بين مجموعة الاعمال الاخرى للكاتب الامريكي المعاصر (فرانك مكورت) , وعلى وجه التحديد بعد روايته السابقة (رماد أنجيلا) سنة 1996. ومع ذلك فان ما يهم ان يعرفه القاريء الان عن رواية مكورت الجديدة، هو المزاوجة التي يمكن من خلالها الربط بين الجزء الاول والجزء الثاني وهي وعلى الرغم من أنها مزاوجة تصل بالقارئ الى حد الالتباس, إلا أنها تترك له حيزاً من الحرية في النظر اليها كعمل متمم غير منفصل عن روايته السابقة (رماد انجيلا) لسبب بسيط, هو ان الكاتب كان قد قرر مسبقا ان تأتي هذه الرواية كتتمة لروايته السابقة التي يتحدث فيها عن طفولته, وبالتحديد طفولته كأي صبي ايرلندي كاثوليكي. او كما يقول هو الايرلنديون هم الاكثر تعاسة في طفولتهم وهي التعاسة التي تستمر في روايته الجديدة الى ساعة امتهانه الكتابة. وفي الوقت ذاته فان من حق الاخرين الذين لا يريدون النظر اليها كعمل تابع ان يفعلوا ذلك نظرا لما يتمتع به العمل من نضج له علاقة بتجربة القارئ بغض النظر عن الانتقادات الموجهة الى بنائه القصصي. و(رماد انجيلا) هي قمة ابداعية تجسد مأساة الطفولة البائسة للكاتب المولود في حي بروكلين سنة 1930 لابوين حديثي الهجرة الى الولايات المتحدة. ليستقر بعد ذلك في أحد أحياء ايرلندة الفقيرة (ليميرك) على اثر عودة الاسرة الى ايرلندة موطنها الاصلي بعد معاناة قاسية مع الفقر. وهي المرحلة التي استمرت خلالها معاناة الاسرة من الشيء ذاته اضافة الى الموت والمرض الذي ظل يفاجيء افرادها واحدا تلو الاخر مما حمل مكورت على كتابة سيرته الذاتية. فمن الشقة المتواضعة في حي بروكلين الفقير الى اكواخ ليميرك. ومن أسرة تتكون من عدد كبير من الاطفال الى دخل مادي اقل بكثير من ان يفي بمتطلبات الحياة اليومية, الى ام تواجه كل التحديات بقوة وأب مدمن, كانت حياة الاسرة توشك على الانهيار. معاناة قاسية ومما لاشك فيه ان الرواية تنجح كثيرا في مخاطبة عواطف الاخرين. لكن ما يجب ان نفهمه كقراء هو ان ما يميز هذا الاسلوب السردي المعبر عن تلك المعاناة القاسية, ان من يقوم بالرواية هنا هو طفل. وان العناصر كلها هي الحزن والتهكم والسخرية والألم والرغبة في الضحك تظل مقبولة ومؤثرة ضمن الاطار الذي لا يخرج عما تبصره عينا طفل بريء. وهو ما يذكر بكتابات اخرين مثل فوكنر وخاصة في رواية (الصخب والعنف) . فبعد وفاة شقيقته الصغرى تغادر اسرة مكورت مدينة نيويورك الامريكية ويحلم الجميع بحياة افضل في ليميرك او ايرلندة بشكل يفي بمشاعر الانتماء لدى الاب الذي يكشف ان الاخرين لا يتقبلونه هناك على الرغم من مشاركته في أحداث الانتفاضة التي شهدتها المنطقة في السابق. وهكذا يجد افراد الاسرة انفسهم محرومين من كل شيء, الا ما يمكن الحصول عليه من تبرعات وصدقات سواء قدمها الاقارب او المؤسسات الخيرية. وهو وضع مترد ساء كثيرا بسبب تصرفات الاب المدمن الذي عجز عن مساعدة افراد اسرته في اثناء وجوده بعيدا في انجلترا للعمل. اما فرانك فلم تنته معاناته من المرض ولا من الفقر بسهولة. فبعد شفائه من التيفوئيد اضطر الصبي الى مغادرة المدرسة على الرغم من النصيحة التي اسداها له مدير المدرسة, بالعمل في وظيفة عامل تلغراف ثم العودة الى امريكا لتلحق به والدته واخوته ومن بقي منهم على قيد الحياة. بغض النظر عما يثيره العمل من شعور بالحزن والمرارة, الا ان (رماد انجيلا) تظل واحدة من الاعمال الفريدة الجريئة التي لا يمكن لنا كقراء ان نتجاهلها كتجربة. يقول مكورت بشأن العلاقة بين روايتي (رماد انجيلا) و(انها الحياة) عندما شرعت في كتابة روايتي الجديدة لم اشعر بالمسئولية تجاه (رماد انجيلا) التي كُتبت قبلها ولم أتح لهذه الرواية الفرصة لكي تغزو تيار الوعي لدي الى الحد الذي يمكن ان يتصوره الاخرون. وعليه فان الاخرين غير مجبرين على قراءة رماد انجيلا قبل قراءة انها الحياة لكي يفهموها جيدا. الا أنني لا أمانع في أن يقوم قراء القصة الجديدة بقراءة القصة السابقة بعد الانتهاء من قراءتهم لها. قصة المهاجر اما الجزء الثاني وهو رواية (انها الحياة) فهي تصور حياة مكورت الشاب المهاجر الفقير المتشرد الذي يشق طريقه في الحياة بصعوبة ثم يجد نفسه في النهاية معلما محترما. وتدور احداث الرواية حول المعاناة التي يتعرض لها على يد احد رجال الدين وهي معاناة تزيد من تعاسته. (انها الحياة) كما يقول مكورت هي استعراض لما تعرضت له الاسرة في نيويورك وعلى وجه التحديد الاب والام. وهي تحكي قصة المهاجر دائما. كيف يتعاطى المهاجر مع واقع ثقافي اخر. خاصة وان كل ما فعله هو واسرته كان في غاية السذاجة واذا وجد انسان مثل مكورت نفسه في هذا الموقف فان من الصعب عليه ان يتصرف بحكمة لانه لا يحمل شيئين احدهما الانتماء الى طبقة اجتماعية متوسطة او مؤهلاً علميا عاليا, وكانت تلك بلا شك مغامرة. ان كل ما يفعله مكورت هو استرجاعه للماضي واعادة نقله بصورة حية, فهو يتكلم بحيوية عن أشياء كأنها وقعت بالامس ومنها مثلا اول احتفال له بعيد الميلاد في امريكا وبعض مغامراته ومعاركه الصبيانية العاطفية وكلها احداث تعود الى اكتوبر سنة 1949 و1953. غير ان ما أحدثته روايته السابقة (رماد انجيلا) يبقى الشيء الوحيد الذي تستحق من أجله اعماله اللاحقة ومنها رواية (انها الحياة) الاحتفاء بها, كجزء من الذاكرة المتألقة المستمرة بهذه الحيوية والذكاء والعمق الانساني. لانها قصص الانعتاق التي يتحول فيها الكاتب الى وسيلة للخلاص. فبعد وصوله الى امريكا بصحبة احد القساوسة الذين التقى بهم في القارب يوفق مكورت ابن التاسعة عشرة في العثور على عمل في فندق بلتمور, حيث المكان الذي يتعرف فيه على التسلسل الهرمي الطبقي لاهلها المساكين ثم يجر الى الخدمة العسكرية ويرسل الى المانيا لتدريب الكلاب وطباعة التقارير. ويتمكن الكاتب في هذه الاثناء بالذات من موافاتنا بتفاصيل ما يحدث له هناك. صوت الراوي وفي كلتا الروايتين يشعر القاريء بالتجاوب مع صوت الراوي الذي لا يمكن مقارنته بأي صوت اخر, بسخريته ولغته التهكمية وحساسية اذنه المدهشة وقدرته على التقاط الحوار الذي يصغى اليه بانتباه. وما الى ذلك من خطب ساحرة لا تصدر الا عن الكاتب نفسه. لدى عودته الى امريكا سنة 1953 يعمل مكورت على رصيف احد الموانيء ويستمر في مقاومة الشرط الذي يتبناه الجميع حيث لا يمكن لاي مهاجر يسعى الى الوصول الى امريكا الا ان يبقى اسير بيئته الاصلية. وهي العزلة ذاتها التي يجهد الكاتب نفسه في العمل على التخلص من اعبائها بإيمانه بان التعليم هو طريقه الى الخروج. وان تحدي الاخرين من الذين ينتمون الى مجتمعات النخبة البرجوازية او الثقافية هو جزئية هامة ايضا. ومع ذلك فان هذا الخروج على الشرط السابق لا يتحقق له حتى يصبح استاذا ثم يبدأ في كتابة اعماله الروائية وهي المرحلة التي شعر فيها بالانتماء ليس الى المجتمع الامريكي فحسب بل والى العالم. وهنا تصبح المقاربة بين رماد انجيلا وانها الحياة ممكنة كما يرى بعض النقاد لان الكاتب استطاع ان يصل بعمله السابق الى مرحلة النضج. ويشير الكاتب الصحفي مالكولم جونز في اثناء عرضه لرواية رماد انجيلا الى هذه الملاحظة بقوله ان ما ابدعه مكورت لا يتمكن من كتابته الا من يمتلك القدرة على امتاع قرائه بتركهم يرغبون في المزيد. وكما يمتلك كاتب متمكن ناصية قلمه فان هذا هو ما يمتلكه مكورت. كما ان انفتاحه على كل اشكال العواطف الانسانية وكل ما تحتوي عليه من الحنين هو ما يمكنه من الخروج بأعمال استثنائية. فحتى اولئك الناس الاشد فقرا ومعاناة الذي يقابلهم وهم يتحطمون يستمرون في عمله الروائي ويستمر مع ذلك طرحه المختلف الاكثر قوة مما تبدو عليه طروحات وعواطف الانسان العادي الذي يشعر بالألم تجاه هذه المعاناة. لغة السرد كما ان لغة السرد المليئة بالتهكم والايقاعات الشاعرية الايرلندية التي تشبه الغناء, تضيف الى الجو الروائي العام ما يمكن ان نسميه بالجمال والفخامة التي تكبح جماح الكثير من الاحداث المأساوية الصعبة بما في ذلك بعض المشاهد المؤثرة ومنها المشهد قبل الاخير من رواية رماد انجيلا (مشهد مقبرة ليميرك) . وكما قال عنه النقاد فان مكورت يمتلك ما يقوله باستمرار ومع ان روايته الاخيرة (انها الحياة) لا تبدو وكأنها محكمة البناء الى الحد الذي تبدو عليه رواية (رماد انجيلا) الفائزة بجائزة (البوليتزر) لسنة 1996 بالاضافة الى العديد من الجوائز الاخرى ومنها جائزة (لوس انجلوس تايمز) , الا ان مكورت يبدو في الجزء الثاني وكأنه مازال ممسكا بأشياء كثيرة لازمة كالسخرية التي يمكن له نشرها بسهولة وربما جاذبية الايقاع الساحر للأشياء التي تشعر بطزاجة المواقف والتي تعود الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في جزء كبير منها. يقول مكورت (ان ما يجعلني قادرا على تذكر هذه الاحداث بهذه الحيوية هو انه لم يكن هناك ما يشغلني غيرها) . كما انه كل ما كان يحدث في ذلك الوقت بقي في ذاكرتنا حيث لم تكن هناك تكنولوجيا حديثة قادرة على حفظها بهذا الشكل كالتلفزيون والراديو وغيرها. كل ما كان يحدث كان يقع بشكل مباشر وحي. كانت معالم الطبيعة واضحة جدا الى الحد الذي يساعد على التذكر. واذكر انني بدأت في الكتابة وانا في سن السادسة. ولم تكن اشياء مثل الصحف او اي وسيلة اخرى لتعينني ولكنني كنت اكتب باستمرار) . وربما كان مكورت اصلا كاتبا من نوع مختلف وهناك الكثير من الاسباب التي تحمل الاخرين على اطلاق مثل هذا التعبير على أحد الكتاب الذين يمكن مقارنتهم حقا باخرين مثل فوكنر, ليس من اجل المعاناة التي لقيها هؤلاء بل من اجل التجربة الانسانية التي تفوقت على تجارب الاخرين بل واستنكرت الكثير من القيم السيئة. فجزء من المعاناة التي لقيها مكورت هي نفسها التي لقيها اثناء نشأته كطفل. (كنا كأطفال ايرلنديين كاثوليكيين نشعر بالرعب من المدرسة, وكانت فرائصنا ترتعد ونحن في الكنيسة. وحتى ثقافة ليميرك لم تكن قادرة على الوفاء بمتطلبات حياتنا الفكرية والعاطفية. ولم يكن هناك ما يعرف بالحرية الفكرية ولا ما يعرف بالتشجيع على التفكير في انفسنا. وأينما توجهنا كمهاجرين سواء الى امريكا او بريطانيا او استراليا كنا غير مهيئين للعيش هناك. ان التفسير الوحيد لما كان يجرى من حولنا هو انهم كانوا يدمروننا. لقد تحطمنا كلنا ولكن ارواحنا الداخلية الحارسة ظلت قوية ومنظمة) . من الادمان الى الكتابة لكن الذين يعرفون مكورت يعرفون ايضا انه قد أنقذ مرتين. مرة من الادمان ومرة اخرى في اثناء التحاقه للدراسة في جامعة نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية, ولدى بلوغه سن السابعة والعشرين عندما تحول الى مدرس في احدى المدارس الثانوية العليا. وكان طلابه هم الذين انقذوه في هذه المرة حين حرضوه على التحول الى كاتب يمتلك اسلوباً مميزاً شجعني ذلك على تشجيع الاطفال على الكتابة, الكتابة ببساطة, وكنت اكتب طوال الليل, تماما كما يفعل اي من اولئك الكتاب الامريكيين او البريطانيين الكبار. وكتبت قصة تاريخية رومانسية اسميتها (أضاعته الشهوة) . وفي اثناء حديثه عن كتاب اخرين يأتي مكورت على تناول سيرة الكاتب الايرلندي الشهير (صموئيل بيكيث) فيذكر انه كاتب خطير, كاتب تميز باسلوبه الذي انتشر كالعدوى المدمرة. كما يطري على كتاب كبار مثل (ارنيست همنجواي) بتحفظ مثنيا على لغته التهكمية وبساطته. مسيرة مكورت الابداعية ولد الكاتب فرانك مكورت في حي بروكلين الشهير بنيويورك سنة 1930. عادت اسرته الى موطنها الاصلي ايرلندة وهو في الرابعة من عمره. تميزت طفولته بالبؤس الشديد وبالمعاناة من الفقر ومن اشياء اخرى كادمان والده وتركه لاسرته مما اضطره الى العمل كعامل تلغراف. عاد الى امريكا سنة 1949. والتحق بالخدمة العسكرية حتى سنة 1953. في عام 1970 عمل في التدريس بعد تخرجه من جامعة نيويورك. وهي الفترة التي استطاع خلالها الحصول على ما كان يحلم به في مجال القراءة والكتابة. اعتزل التدريس في سنة 1994. سجلت روايته (رماد انجيلا) رقما قياسيا في المبيعات منذ صدورها في سبتمبر 1996, وفازت بجائزة البوليتزر لسنة 1997. صدر الجزء الثاني من رواية رماد انجيلا وهو عمل روائي بعنوان (انها الحياة) سنة 1999. إعداد ـ مريم جمعة فرج