بقلم ـ علي كعنان اعمال كاواباتا تحتفي بكل انواع الجمال حتى في التقاليد الغاربة التي دمرتها الحداثة بساطة اسلوب كاواباتا تخفى وراءها عمق العاطفة ونشابك المعاني (الجميلات المنومات) رواية تصدم القارىء أمام حالة الانهيار الاخلاقي التي يعيشها الانسان المعاصر لا أدري لماذا لم يلفت كاواباتا اهتمامنا يوم حصل على جائزة نوبل للآداب 1968, وان كان عدد غير قليل من خريجي الجامعات المختصين بالآداب الاجنبية يعملون في الصحافة الثقافية في ذلك الحين. أوجه شيئا من العقاب ـ ولا أقول اللوم ـ إلى جيل اساتذتنا لأن نظرتهم إلى الادب الجدير بصفة (العالمي) كانت مقتصرة حصرا على الاسماء الآتية من اوروبا وأمريكا الشمالية. وربما كان طاغور ـ شاعر الهند العظيم ـ هو الاستثناء الوحيد. في اوائل السبعينيات, وربما بعد انتحار كاواباتا في 16 ابريل 1972, اهداني الصديق الشاعر بندر عبدالحميد رواية (ألف من الكراكي) للكاتب ذاته. لم يكن النص المترجم الى الانجليزية مريحا في قراءاته, وقد غاب اسم المترجم من ذاكرتي, لكن الاجواء الغرائبية في الرواية أدهشتني رغم غموض بعضها. وفي ذلك الوقت البعيد نسبيا, لم استطع ادراك العلاقة بين حادثة انتحار المرأة وحفلة الشاي التي اقيمت على الطريقة اليابانية التقليدية قبل ذلك. لم أكن اعرف ان كاواباتا مسكون بالموت الى هذا الحد. ولد كاواباتا في مدينة اوساكا ـ وهي تلي طوكيو في الكبر والأهمية, ولعلها المدينة الاولى في مجال الصناعة والتجارة. كان والده طبيبا مهتما بالفنون والآداب, لكن ذلك الطفل الصغير (ياسوناري) لم ينعم برعاية والديه لأنه فقدهما قبل أن يبلغ الرابعة من عمره. وقد يجد الطفل في حضن جدته بعض العزاء عن أمه, لكنه فقد الجدة ايضا وهو في السابعة ثم ماتت أخته وهو في التاسعة. ولم يكد يبلغ الرابعة عشرة حتى لم يبق من اقربائه الا جده العجوز الاعمى, وكان الفتى ملزما بالعيش معه والعناية به. هذه التجربة القاسية المثقلة بالموت منذ الطفولة الباكرة وحتى الصبا الأول ملأت نفس كاواباتا بالجراح وظلت ندوبها مترسبة موجعة في اعماق النفس طوال حياته ولم يسلم من ظلالها السوداوية الكئيبة الا القليل من العماله. وكان الكاتب في حياته يرفض هذه الفكرة, معتقدا انه تغلب على جميع مصائبه المبكرة كما كان يدعي ان امتلاكه للنضوج العاطفي هو الذي جعله يؤرخ محنة موت الجد في وقت حدوثها وحسب تسلسلها الزمني, وكان في السابعة عشرة من عمره. سيد المآتم ومن الامور الطريفة في حياة هذا الكتاب ان يطلق عليه معاصروه, اما غيرة أو تحببا, لقب (سيد المآتم) وهو يقترب من الستين, وذلك بسبب المقالات الرائعة التي كتبها إحياء لذكريات المبدعين الراحلين الذين سبقوه.. وقد حاول كثير من الدارسين والباحثين ان يربطوا بين مصائر شخوصه الروائية وبين الآثار الكئيبة الباقية, ربما في اللاشعور, في قرارة نفسه منذ الطفولة. ان نظرته للحب في الغالب افلاطونية, حتى في تلك الرواية المرعبة (الجميلات المنومات) أو المخدرات, والمترجمة الى اللغات الاجنبية وحتى العربية بعنوان (الجميلات النائمات) أو (منزل الجميلات النائمات) . في أكثر من لقاء مع احد الاصدقاء اليابانيين من اساتذة الادب, كان يردد باستمرار: (حاول أن تقرأ كاواباتا بلغته.. ان اسلوبه ساحر..الترجمة الانجليزية لم تستطع الإحاطة بروعة ذلك الجمال السحري, وان قاربتها او لامستها في بعض الأحيان) . إنه اسلوب شعري, وهو شاعر ايضا ولان لم يكتب الا مجموعة شعرية يتيمة مثله: (جوجوكا, قصائد وجدانية) وهي مفعمة بالأسى والحنين, وبطلتها تندب حبيبها الميت وتتمنى ان تعيش معه في العالم الآخر ومع من يحب كزهرتين من أزهار الخوخ. وازهار الخوخ في اليابان ترمز الى البقاء والاستمرار بعكس ازهار الكرز المعرضة للزوال السريع. إن من يقرأ كاواباتا بكثير من التأني ـ كمن يقرأ الشعر ـ لابد أن يكتشف مدى احتفائه بالجمال, من جمال الطبيعة الى جمال المرأة والشباب الى جمال الحياة واللغة وحتى التقاليد الغاربة التي دمرتها الحداثة. لكن هذا الروائي البوذي المبدع لم يكن كاتبا حديثا وحسب وانما كان من أنصار النزعة الحداثية (أو الحداثوية). وحين اصفه بـ (البوذي) لا أعني توجهه الديني وانما اعني تأثره بالتراث البوذي وبخاصة في نظرته الى الموت. ولعل هذا الاحساس الحاد بالرحيل الذي ينتظرنا في الشاطىء الغربي مع غياب الشمس هو الذي جعله يبحث عن مواقع الجمال في الفن والحياة ويحتفي به ويمجده ويتغنى به, حتى وإن كان في عداد تقاليد الماضي وذكرياته. هذا ما نراه في (العاصمة القديمة) كيوتو وفي (معلم الشطرنج الياباني) أو (معلم جو), باللفظ المصري لحرف الجيم ـ وفي (ألف من الكراكي). كاتب غزير, سواء في القصة القصيرة أو الرواية او الرواية القصيرة, وان كان بعض النقاد يعتبرونه كاتب قصة حتى في رواياته. والبعض الآخر يرجع ذلك الى النشر المتسلسل في الصحافة اليومية أو الاسبوعية. هذا يعني أن عنصر التشويق واجتذاب القارىء هو عنصر اساسي في بناء الرواية المنشورة في حلقات متوالية. لذلك, يقول اصحاب هذا الرأي ان الامتدادات السردية او الحكايات الموسعة تتوقف عنده بفواصل معينة بدل أن تنتهي. ولاشك ان اصحاب هذا الرأي لايرون الا النموذج الغربي مثالا للرواية وكأن التجريب ومخالفة النموذج من قصور الكاتب وليس من تفرده الابداعي. كاواباتا والتراث الأدباء في الغرب يمكن ان يعودوا بجذوررهم الى الاغريق بدءا من هوميروس والكتاب العرب يمكن ان يتجاوزوا (ألف ليلة وليلة) والمقامات الى ملاحم الشعر الجاهلي وحتى ملحمة جلجاميش السومرية ـ البابلية, لماذا لا يعود كاواباتا الى تراثه القديم ويتأثر به؟ كان هذا المبدع يولي اهتماما خاصا بـ (حكاية غنجي) لـ موراساكي, وهي اول رواية مكتوبة في تاريخ العالم الروائي (1008 ـ 1010) ميلادية, وقبلها (كتاب الوسادة) ـ (992 ـ 1000)م, وهو يضم منوعات ادبية من الخواطر والحكم والتأملات والعادات والتصرفات المحبوبة والمكروهة. وإذا اضفنا الى ذلك كله ولع الكاتب بالشعر البوذي القديم والذي تحدث عنه طويلا في كلمته الاحتفالية يوم استلام جائزة نوبل, نرى أنه يرد بصورة غير مباشرة على منتقديه. انه مع الحداثة بلا خجل ولا تردد, وقد استفاد من اسلوب تيار الوعي لدى جيمس جويس وفرجينيا وولف, لكنه لا ينخلع ولا يتبرأ من تراثه او يقيم قطيعة معه. ان بساطة اسلوبه الحكائي تخفي وراءها عمق العاطفة وتشابك المعاني والدلالات. وهنا تأتي أهمية القراءة. ان القارىء عنصر هام في استكمال العمل الروائي. لقد امتد العمر الابداعي لهذا الكاتب نحو خمسين سنة حافلة بالتجارب والعطاء. كانت (راقصة ايزو) من أجمل الاعمال المبكرة (1926) وكان في السابعة والعشرين من عمره.. وفيها يحكي قصة فرقة فنية مؤلفة من رجل وامرأة وابنتها. يتعلق الشاب بالفتاة من بعيد ويضمر كراهية للرجل, انطلاقا من غيرته على الحبيبة التي التقاها مصادفة في ذلك المنتجع الجميل. لكنه يراها تسبح مع امها فيكتشف انها مازالت طفلة, بكل ما تحمله الطفولة من براءة وجمال.. وسرعان ما ينقلب حبه الحسي الى نوع من العشق الصوفي والإعجاب الشاعري. يقول بعض النقاد انه كتبها تعويضا عن حب خائب, اذ تعلق بفتاة في الخامسة عشرة من عمرها لكنه فقدها, لكن المتابعين لتفاصيل حياته يؤكدون انه كتب هذه القصة قبل حادثة الحب والخيبة بسنوات.. ثم اعاد صياغتها بعد اربع سنوات وقد اكسبته شهرة واسعة حين نشرها. ان جمال الحبيبة ـ الطفلة كان نوعا من التطهير الافلاطوني الذي يحدثه الفن في نفس المشاهد. إن رؤيا الكاتب للنقاء الإنساني يتجلى في الطفولة العارية, لذلك يعود التلميذ العاشق إلى أهله والدموع تنهمر من عينيه, لكنها دموع الفرح والابتهاج: (كنت اشعر وكأن رأسي تحول الى ماء عذب نقي, وكان يهمي برقة قطرة قطرة, وبعد حين لن يبقى أي شيء) . كان كاواباتا دائم التجوال في بلده, رغم انه مقيم في طوكيو.. وفي أواخر العشرينيات من القرن الماضي لم يكن قادرا على دفع أجرة البيت فكان يمضي وقته هائما في أحد احياء طوكيو الصاخبة (أساكوسا) بما فيه من مسارح وملاه ومشارب وبخاصة (كازينو الحماقات) الذي يعد اول مسرح ساخر في اليابان. وبعد حين بدأ بنشر عمله (جماعة اساكوسا القرمزية) عن رجل يطوف ذلك الحي وما جاوره من دون أن يتحدث الى احد من سكانه. ومع ذلك, فهو يتابع الانشطة التي تقوم بها (يوميكو) بطلة العمل التي تبدو في مظاهر مختلفة خلال الرواية كان الكاتب في اقتبسها من القصاصات والملاحظات المسجلة قد دفتره.. وقد لاقى هذا العمل استقبالا رائعا لدرجة ان الكازينو نال شهرة واسعة درت عليه ارباحا طائلة. حركة أدبية متمردة ومثلما كان نشيطاً في العشرينيات لتأسيس حركة أدبية جديدة ومتمردة على المدرسة الطبيعية, خاصة عبر المجلة التي اصدرها مع عدد من رفاقه المبدعين في الجامعة واسمها (تيارات الفكر الجديدة), كذلك كان في الثلاثينيات حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية. في هذه الفترة كان كاواباتا من محرري المجلة الجديدة (عالم الادب) كما نال العديد من الجوائز, وكانت إحدى هذه الجوائز (1973) كبيرة الى درجة مكنته من شراء بيت صيفي في مدينة (كارويزاوا) الجبلية. كما صار رئيس لجنة التحكيم في جائزة (أكتاجاوا) للأدباء الشباب, وظل في هذا المركز سنوات طويلة. وسبب له ذلك عداوة صاخبة مع الروائي الشاب (أوسامو دازاي) الذي كان يتعاطى المخدرات مما دفع كاواباتا الى حجب الجائزة عنه. ولاينسى كاواباتا في هذين العقدين الرعاية الكريمة التي حظي بها من الروائي والكاتب المسرحي والسينمائي (كان كيكوتشي) الذي كان شخصية متألقة ومؤثرة جدا في الحياة اليابانية طوال النصف الأول من القرن العشرين. ويكفي ان نشير هنا الى ان هذا الانسان قدم للكاتب الشاب كاواباتا بيته ومساعدة مالية بعد ان فتح قلبه لهذا الراعي الكريم وأخبره بأنه ينوي الزواج من حبيبته (تشييو) وقام من اجلها برحلة طويلة الى الشمال المغطى بالثلوج في عز الشتاء ليطلب يدها من والدها. لكن تلك الحبيبة طارت من يده وقطعت علاقتها معه نهائيا عبر رسالة حاسمة تقول فيها إن (كارثة) حلت بها ولا تستطيع الزواج. لم يعرف الفتى العاشق, وهو في الحادية والعشرين, السبب الحقيقي لتلك القطيعة المفاجئة. كانت (تشييو) في الخامسة عشرة, ولعلها عثرت على شاب آخر لا ترزح طفولته وصباه تحت تاريخ كئيب مثقل بالجنائز! وبعد ذلك بسنوات, يكتب العاشق المغدور ان تلك التجربة الموجعة ظلت تحز في نفسه سنين عديدة. وحسبه من تلك التجربة ومن رحلة الشمال الثلجية أنه بدأ بعد ست عشرة سنة رواية (بلاد الثلج) لكنه لم ينته من كتابتها الا بعد ثلاث عشرة سنة. ويتحدث عن تلك الرواية قائلا: كتبت قصة بعنوان (مرآة مشهد مسائي) ونشرتها في المجلة ثم شعرت ان هناك اشياء لم تستكمل فتابعت الكتابة والنشر, ولم تكن كتابة الموضوع في نفس واحد. ولعل هذه الطريقة في الكتابة المتسلسلة تنطبق على معظم روايات كاواباتا. ليس هناك بداية ووسط ونهاية حاسمة, وانما هناك سلسلة من الصور والاحداث المتجاورة يغلفها غشاء ضبابي اشبه ما يكون بالشعر الذي تظل الترجمة عاجزة عن الإلمام بسحره. بطل رواية (بلاد الثلج) اسمه (شيمامورا) عاشق للفنون ويحلو له كثيرا أن يهرب من زوجته وعائلته ليرتاد منتجعا للينابيع الحارة في الجبال, (كوماكو) فتاة ريفية تقع في حب البطل إلى حد الهيام, (يوكو) الصبية الجميلة التي يتعلق بها البطل غير عابىء بعاشقته المتيمة التي يصفها بأنها (امرأة طيبة) وكأنه يرثي لحالها وهناك (يوكيو) المريض الذي كان عاشقا لـ (كوماكو) قبل أن يخطفها منه شيمامورا, الآن يريد ان يخطف الحبيبة (يوكو) لكن مرضه قضى عليه باكرا وأراحه. والسؤال: لماذا لم يستطع شيمامورا أن يحب كوماكو؟ اسلوب شعري هنا أيضا يعود الباحثون للنبش في طفولة الكاتب وهو يستقي جمال الحب بأسلوبه الشعري الساحر من تلك العلاقات الفاجعة بين مختلف شخوص الرواية. ان شيمامورا الثري وناقد رقص الباليه من دون ان يكلف نفسه مشاهدة عرض واحد من حفلات البالية الغربي, وكوماكو المشغولة بكتابة الهوامش على الموضوعات الصحفية, ويوكو التي تسحر الجميع, والآخر المريض.. هؤلاء جميعا يتصرفون وكأن سلوك كل واحد منهم غاية في حد ذاته وليس وسيلة لغاية أخرى. إن عزلة (عصرية) طاغية تحكم كل واحد منهم. إن علاقات الحب, كما كانت في الماضي, ماتت بموت ذلك الماضي وتلاشت معه. حداثه كاواباتا تتجلى بوضوح في ذلك, رغم تعلقه الشديد بالتراث. وهو بذلك يختلف اختلافا جذريا عن سلفه (سوسيكي) الذي كان يرى ان عمليات التحديث دمرت قيم التراث. بينما يرى كاواباتا أنه ينتمي للماضي الذي مات, تاركا لنا الحزن والكآبة. إن عدم القدرة على التواصل في الحب يعني عدم القدرة على التواصل مع الحياة. وعدم القدرة يؤدي الى عدم الرغبة, ولعلنا نطل هنا على الفكرة البوذية بضرورة قمع الرغبات ونشدان التلاشي في الكون, بدءاً من اختلاط عناصر الجسد بعناصر الطبيعة ـ الأم الأولى. والعزلة, بكل ما فيها من وحشة واسى ومرارة, هي سمة العصر. ولا ضرورة لندب الماضي وجماله, مادام الموت هو الحقيقة الماثلة في كل زمان. سنوات الحرب التي لم يكن الكاتب متحمسا لها امضاها في متابعة لعبة يابانية تقليدية (جو) ويمكن ترجمتها بشيء من التجاوز بأنها (الشطرنج الياباني). باع كاواباتا بيته الصيفي ليعيش وانغمس في هذه اللعبة حتى صار ماهرا فيها. وكان (شوساي). هو سيد هذه اللعبة في اصولها التقليدية الجميلة وهو معلمها بلا منازع. وقد نهض أحد الشباب ليتحداه ويغلبه في 1938, وكان كاواباتا مكلفاً بتغطية المباراة للصحافة في طوكيو وأوساكا معا. وتمثل هزيمة شوساي أمام خصمه الشاب هزيمة التقاليد النبيلة امام العالم الجديد.. وتصبح هذه التقارير الصحفية مادة اساسية لرواية (سيد الشطرنج) أو (معلم الشطرنج) شوساي, بعد موته, وينشر الرواية مع انتهاء الحرب بعنوان (ميجين) لقد تخلى الناس عن اصول هذه اللعبة اليابانية العريقة, لذلك لم يكن امام فارسها غير الهزيمة والاستسلام. تلك هي طبيعة الحياة وذلك هو منطق العصر: لابد للقديم ان يخلي مكانه للجيد, مهما كان ذلك محزنا. ولعل كاواباتا أن يكون الكاتب الوحيد الذي جمع بين (الجمال والحزن) في أكثر من عمل. ومن رواياته الاخيرة التي تحمل العنوان ذاته, نواجه فيها الشخصية المحورية (توشيو اوكو) الذي يعود الى (كيوتو) ليسمع اجراس رأس السنة ويقابل حبيبته (أوتوكو) بعد أربع وعشرين سنة من الغياب. كانت اوتوكو بطلة رواية حب مأساوية وهي في السادسة عشرة من عمرها. والرواية من تأليف أوكو ذاته. يكتشف ان حبيبته صارت فنانة مشهورة, لكنه بدل أن يستعيد حبه القديم يتعلق بتلميذتها وبديلتها في العرض المسرحي (كيكو) الصبية التي تعرف مأساة معلمتها وتتعاطف معها الى حد الانتقام من أوكو عبر إغواء ابنه. مشكلة الإغواء والعلاقة الآثمة التي تدمر كل امكانية لإقامة حب جميل, نراها في رواية (ألف من الكراكي). ان طائر الكركي او الفرنون (تسورو) بلونه الأبيض ومنقاره الوردي وساقيه الحمراوين وطرفي جناحيه الورديين كذلك, هو الطائر الجميل يتفاءل به اليابانيون كثيرا. والنساء والاطفال يتسلون بصنع نماذج ورقية لهذا الطائر, وتقول الاسطورة: اذا صنعت الفا من تلك النماذج الورقية فإن احلامك سوف تتحقق, وإذا كان لك مريض فإن تلك الطيور الورقية توحي لك بالأمل في شفائه. وبطل الرواية الشاب (ميتاني) يتعلق بفتاة ترتدي كيمونو مزينا بألف من رسوم الغرانيق أو الكراكي, وهذا يعني انه حب يبشر بالسعادة والحياة البهيجة. لكن امرأة شريرة, كانت صديقة أبيه الراحل, تعرفه عن حبيبته وتدفعه الى علاقة آثمة مع امرأة أخرى يكتشف ـ بعد فوات الأوان ـ انها كانت صديقة أبيه ايضا. والرواية ميلو دراما, لعله كتبها إرضاء لقراء المجلات النسائية التي نشرت فيها. ولعل اجمل ما فيها حفلة الشاي على الطريقة اليابانية التقليدية. لكن ذلك الجمال التقليدي صار جزءا من الماضي. وانتحار المرأة الجميلة يؤكد نظرة كاواباتا بأن الجمال محفوف ومحكوم بالحزن والكآبة. وحتى في هذ الرواية لا يسلم الكاتب من المقارنة بين شخوصها وافراد من اسرته. صوت الجبل (صوت الجبل) تعد أهم روايات كاواباتا, والحياة النشطة التي يعيشها تنعكس في لمسات رمزية الى بعض ما فعله اليابانيون بعد الحرب للخروج ببلادهم من الدمار. (شينجو) رب الاسرة والذي يستمع الى شكاوى ابنائه ويسعى الى حل مشاكلهم. يتناهى اليه صوت الجبل غالبا عندما يخلو بنفسه. انه هاجس الموت ونداؤه. وفي الرواية حلم غريب جدير بالتأمل. ذلك ان شينجو يرى في حلمه, رجلا امريكيا وجهه مغطى بشوارب من جميع الجنسيات! بعض الدارسين يعتبرونه اشارة خفية الى اعجاب شينجو بكنته, فضلا عن المشكلات الاجتماعية المحيطة. لكن الرواية مكتوبة في منتصف القرن الماضي, اي بعد خمس سنوات من الاحتلال الامريكي لليابان ـ وهو احتلال بغيض وجارح للوجدان القومي والكرامة الوطنية. ولاشك أن الكاتب يرمز الى دور الأمم المتحدة الساكت عن ذلك الاحتلال. كان كاواباتا في تلك الفترة رئيسا لرابطة الشعراء والكتاب والمحررين الدولية, وله اسهامات كبرى في تعريف العالم على فظائع القنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي. ولقد شهد دمار طوكيو مرتين: الاولى في 1923 بفعل الزلزال الكبير, والثانية بالقصف الامريكي. ولأنه كان كثير التجوال في أحياء العاصمة وبين انقاضها, فلابد ان يكون لذلك الحلم دلالاته , وبخاصة انه كتب مرة: (الاحلام ليست إلا اشباح) . الرواية الأخيرة التي كان بودي ان اتوقف معها طويلا هي: (الجميلات المنومات) او المخدرات. الرواية التي ترصد الصراع بين الشباب والشيخوخة, بين الجمال والبشاعة, بين الحياة في أبهى صورها وبين الموت المتربص في جوف الليل. العجوز (إيجوتشي) يلجأ الى دار مشبوهة حيث يجري فيها تخدير الفتيات الجميلات لينمن في اسرتهن ثم يأتي رجال دخلوا مرحلة العجز ولم يعد منهم اي خطر, يأتون ليستمتعوا بالدفء ومنظر الجمال النائم أو المنوم. انها رواية مرعبة من عدة جوانب: ما الذي دفع بهؤلاء الفتيات الى المتاجرة بعراء اجسادهن وهن مخدرات لا يمكن ايقاظهن الا بعد رحيل الزوار؟ ومن ناحية ثانية, كيف يصل انحطاط القيم والاخلاق الى حد المتاجرة بمنظر ذلك الجمال العاري شبه الميت؟ ناحية أخرى, كيف يدفع هاجس الموت المعلق فوق الرؤوس بعض الرجال الى ارتكاب ذلك الاثم الفظيع؟ والرواية مترجمة الى العربية, لكنها تفتقر الى اسلوب كاواباتا الساحر. واسم البطل (إيجوتشي). ان انتحار ميشيما في 1970 هز كاواباتا من اعماق وجدانه وكتب بعد شهرين من تلك الحادثة: (مع احترامي للطريقة التي مات بها ميشيما, فإني في الوقت الحاضر لا أرغب أن أقول اي شيء حول ذلك) , وكانت مفاجأة محزنة لجميع المعجبين بهذا الكاتب أن يوجد ميتا بسبب تسرب الغاز في 16 ابريل 1972, من دون ان يترك اي كلمة وهو ما فسره البعض بأنه كان انتحارا. كلمة أخيرة: ان من يقرأ الأدب الياباني ويرى الفن الياباني ويشرب الشاي الاخضر على الطريقة اليابانية التقليدية في المعابد المحاطة بالغابات, سوف يتأكد ان محاولات (العولمة) ليست أكثر من صرعة زائلة. لقد حاول الامريكيون طوال خمسين سنة ان يجعلوا من اليابان نسخة عنهم, بدءا من محاولات استبدال اللغة, لكنهم فشلوا. إن المركز الحضاري في الشرق الاقصى صيني, والابجدية اليابانية هي صينية ايضا, والشعر الصيني من التراث الانساني الذي يعتز به كبار المثقفين في اليابان, وان كانت البوذية تمتد في اصولها الى الهند وهيمالايا. ولعل ذلك سوف يتجلى بوضوح في كتاب وروائيين آخرين قادمين على الدرب في هذه المقالات.