على مدار أكثر من 30 عاما ظل العالم القصصي والروائي لمحمد البساطي زاخرا بالمهمشين ومكتظا بعوالم غرائبية وأسطورية وفانتازية, استطاع البساطي اللعب بها ونسجها في 7 مجموعات قصصية و8 روايات, وربما تكون فكرة المتاهة والمصير الغامض للشخوص تيمات ثابتة، في روايات البساطي وقصصه ومعظمها يدور في الريف المصري لكن البساطي يصنع لهذا الريف خلفيات غامضة يسحب إليها شخصياته ويدخلهم في تيه ومحنة قد لا يعودون منها, فهو في رواية (صخب البحيرة) يصنع عالما متناثرا من الجزر والمغارات خلف عزبة للصيادين, وفي هذه الجزر عوالم غامضة ملغزة ملتبسة ينقل إليها شخصياته ويدخلهم المحنة. وفي رواية (التاجر والنقاش) نرى جبلا مليئا بالمتاهات خلف القرية ونرى صخورا تتحدى الزمن ونرى أساطير ينسجها أهل هذه القرية عن جغرافيا الجبل الغريبة, ثم يسحب البساطي شخصياته ويدخلهم في تيه الجبل. وبشكل عام فإن المعرفة هي المنقذ من الضلال ومن التيه وهي بوصلة العودة لنور المركز وتخطي مسارب المغارات المتعددة, وفي أعمال البساطي الأخرى عوالم غريبة من عجائز وشهداء ومهمشين وفقراء ومجانين وبلهاء وبشر عاديين أضنتهم رحلة الحياة عن تحقيق أحلامهم العادية. أول مجموعة قصصية صدرت للبساطي كان عنوانها (الكبار والصغار) عام 1968 وآخر أعماله الروائية التي صدرت عام 2000 عن دار الآداب عنوانها (ليال أخرى) وبين البداية والنهاية نقرأ مجموعات قصصية بعناوين (حديث من الطابق الثالث) و(أحلام رجال قصار العمر) و(منحنى النهر) وغيرها. ونقرأ روايات بعنوان (التاجر والنقاش) و(بيوت وراء الأشجار) و(صخب البحيرة) وغيرها.. التقيت بمحمد البساطي في القاهرة وكان هذا الحوار: * عالمك الأدبي مليئ بالفقراء والمهمشين والصيادين والعمال.. لماذا اخترت هذا العالم, هل لأنك متعاطف معه أم لأنه عالم ثري وزاخر بالنماذج الفنية؟ ـ أنا منحاز لهذا العالم لأنني جزء منه وأكاد أعاني ما يعانونه وأعرف جيدا في الوقت نفسه أن هذا العالم بكل يأسه وجموحه وحلمه مليئ بالثراء الفني. أما العالم الآخر ففيه كثير من الشحوب ويكاد يكون محدودا في نظري على الأقل أو كما لامسته ولا أتحمس قط للدخول إليه, وربما أكون لامسته في روايتي الأخيرة (ليال أخرى) ملامسة خفيفة. * العنوان بالنسبة للعمل الأدبي مشكلة فكيف تختار عناوين قصصك ورواياتك؟ ـ العنوان بالنسبة لي قد يأتي من البداية, وأحيانا ينتهي العمل ولا أجد عنوانا. وأنا بطبعي أكره أي عنوان يتبنى رؤيتي أو يفصح عنها بشكل مباشر وذلك لسبب بسيط وهو أنني وأنا أكتب يكون في ذهني شيء معين أعبر عنه, وكثيرا ما تأتي الرواية أو القصة بخلاف ما قصدته, بمعنى أن العمل قد يشق له طريقا مغايرا لما خططته له في البداية, ومن هنا فأنا أبتعد عن العنواين المباشرة التي قد لا تعبر بدقة عن جو العمل وأفضل أن يكون العنوان مفتوحا ومراوغا لأن لكل قارئ قراءته الخاصة للعمل وتعدد القراءات يكون في صالح العمل ومن ناحيتي فأنا أميل إلى العمل الذي يعطي أكثر من دلالة. اكتب الرواية صدفة * بدأت كاتبا للقصة القصيرة ثم انتقلت إلى كتابة الرواية بجوارها, هل أحسست أن القصة القصيرة غير قادرة على التعبير عما يدور في عالمك؟ ـ أنا أكتب القصة القصيرة أصلا, أما الرواية فتأتي معي بالصدفة, فأثناء كتابتي للقصة القصيرة عادة ما أجد واحدة منها تتفتح وتشكل عالما روائيا وكل ما كتبته من روايات وعددها ثمانية جاء بالصدفة. المرة الوحيدة التي جلست فيها لأكتب رواية وخططت لها وكتبت ملخصا لأحداثها ونبذة عن كل من شخصياتها, وبعد أن رتبت كافة الأمور أحسست أن الرواية قد كتبت ولم يعد هناك ما أضيفه. فالرواية عندي تأتي بالصدفة سواء أثناء كتابتي لقصة قصيرة فتتحول وتصبح رواية أو أثناء كتابة القصة فيتولد عالم آخر مواز لها أو ملامس فأكتب الاثنتين معا القصة والرواية. * أعطنا أمثلة توضح هذه الطريقة في الكتابة؟ ـ المثل الأكثر دلالة في هذا الشأن هو قصة (الأرامل) وهي قصة قصيرة نشرت في إحدى مجموعاتي, عن امرأة تقبض معاش زوجها الشهيد في الحرب. ومن هذه القصة تولدت لدي كتابتها رواية (أصوات الليل) وهي عن نساء عجائز وغيرهن, يتزايد عددهن من عام لآخر, ويركبن القطار دائما لقبض معاش عن أزواجهن الشهداء في الحروب. والرواية تدور في إحدى القرى المصرية وعالمها كله عن العجائز, وأثناء كتابتها كذلك تولدت فكرة رواية (ويأتي القطار) وهي عن شقاوة صبية في القرى, وهكذا تأتي الكتابة عندي. * هل هذا معناه أنك ضد أي تخطيط في عملية الكتابة؟ ـ الكتابة التي يسبقها التخطيط تصلح مع كتاب آخرين وتنتج كتابات ممتازة, ولكنني لا أنسجم معها. وأحس دائما مع العمل الذي لم يتكون كاملا أثناء الكتابة أنني أكتشف من لحظة لأخرى ما يبهجني وما أنفعل به بما يعطه لي العمل من تدفق. * أكثر رواياتك عن الريف, كيف تكتب عنه وأنت قد هجرته منذ ثلاثين عاما؟ ـ أكتب عن الريف من الذاكرة, من فترة الصبا التي مازالت حية ومتوهجة عندي. وأشعر أنها مازالت تعطي, غير أنني بعد رواية (ويأتي القطار) أحسست أن هذا العالم يكاد يكون قد اكتمل أو أصبح مكتملا في كتاباتي, قل أنه كان مشروعا لعالم خاص سعيت للكتابة عنه وتشكيله وإبرازه وقد أكون نجحت في ذلك وقد لا أكون وربما في الأيام المقبلة سيتضح ذلك أكثر إذا ما عدت إليه لأنني فجأة وبعد (ويأتي القطار) وجدت نفسي أخوض تجربة من عالم مغاير وهو عالم المدنية.. وقل إنني كتبت عنها من الذاكرة أيضا, فهي عن فترة السبعينيات في القاهرة من خلال يوم في حياة امرأة في الرواية الجديدة (ليال أخرى) . المدينة والقرية * تعدد رواياتك عن الريف وعن المهمشين يجعلني أشعر أنك ضد الرأي الذي يقول إن الرواية هي فن المدينة وهي ملحمة الطبقة الوسطى؟ ـ ضده تماما وقد قرأت منذ فترة لناقد كبير ـ لا أتذكر اسمه الآن ـ يقول إن الأعمال الروائية الكبرى تخرج من الريف دائما, وإذا كنا قد قرأنا أعمالا روائية عظيمة عن الطبقة الوسطى سواء في مصر أو في خارجها فقد قرأنا أيضا في نفس الوقت أعمالا عظيمة عن الريف وعن المهمشين وإلا فأين تضع رواية مثل (دون كيخوتة) أو أعمال جورج أمادو, وعموما على الكاتب أن يكتب جيدا وينحاز للتعساء والبؤساء في أي طبقة يكونون. * في رأيك, هل مازالت القصة القصيرة لها نفس التألق الذي كان في الستينيات؟ ـ تستطيع أن تقول الآن لا توجد قصص قصيرة على مستوى العظمة التي قرأناها في الستينيات ولا يوجد الآن كتاب قصة قصيرة مثل هيمنجواي أو تشيكوف أو يوسف إدريس, فقصة قصيرة من صفحة ونصف مثل (موت موظف) لتشيكوف تلك القصة التي عبرت بما لم تعبر عنه رواية كبيرة عن الوضع الطبقي في روسيا قبل الثورة, خلاصة الأمر أن هناك أزمة الآن في كتابة القصة القصيرة. * ما هي ملامح هذه الأزمة؟ ـ أنك نادرا ما تجد نصوصا جيدة ومتألقة, فأغلب النصوص الموجودة متوسطة الجودة, قصص عادية شبيهة ببعضها, وأنا أتحدث هنا عن القصة القصيرة في مصر بالذات, ويمكنك أن تقول أن معظم ما يكتب فيه استسهال في حين أن القصة القصيرة تحتاج كاتبا على درجة كبيرة من الموهبة والمهارة. * ما هو مدى أهمية حياة الكاتب وتجاربه الشخصية على أعماله الأدبية؟ ـ هذا أمر هام جدا لأن حياة الكاتب وتجاربه ومعرفته بناس كثيرين هي بمثابة الينبوع الذي يأخذ منه وبالطبع يضيف إليه من خياله, بمعنى أنني أثناء العمل أكون بحاجة لشخصية معينة بصفات معينة في كل سلوكها, ودائما ما تسعفني ذاكرتي بالشخصية المطلوبة أو بالحدث الذي أبحث عنه لأعبر عما يجيش في نفسي. أنا ورواياتي * ما هي أقرب رواياتك إلى حياتك؟ بمعنى آخر كيف تبدت حياة محمد البساطي الشخصية في رواياته؟ ـ كل رواياتي أقرب إلى حياتي سواء عشت جانبا من أحداثها أو رأيت بعيني شخصياتها في كل قصص أو رواياتي ونادرا ما تخيلت العمل كاملا, ودائما هناك جزء واقعي هو ما شاهدته ثم تطوره المخيلة بشيء آخر قد يأتي مخالفا لما شاهدته. * أعطني أمثلة؟ ـ مثلا رواية (ويأتي القطار) هي عن شقاوة الصبا وحين قرأها البعض ظنوها سيرة ذاتية, وهي كتبت بهذا الإيقاع أو لتعطي الإيهام بأنها سيرة ذاتية. في حين أنك لو تأملت قليلا وبعد الانطباع الأول من قراءتها ستجد أنها تحكي سيرة بلدة في فترة الحرب العالمية الثانية, وستجد أشخاصا وأحداثا عاشتها تلك البلدة وما يخصني منها كان قليلا. ومثل آخر في رواية (ليال أخرى) فقد حدثني البعض عن عدد من شخصياتها يكادوا يعرفونهم في الواقع الثقافي المصري, وطبعا لم يدهشني ذلك فقد استفدت ببعض هذه الشخصيات وأضفت إليها من عندي بما يناسب الرواية, كما أن هناك بعض الشخصيات ذكرت بالاسم مثل صالح جودت وفتحي رضوان و حلمي مراد وهذه الشخصيات لم أضف إليها أي شيء من الخيال وإنما اكتفيت بذكر الواقعة في حد ذاتها كما قرأت عنها. * هل ظلمك النقد؟ ـ أنا أشعر أن أعمالي كتب عنها بشكل جيد وتم الترحيب بها من نقاد كثيرين في مصر وخارجها. ويقال أن الحركة النقدية ليست في عنفوان الحركة الإبداعية, بمعنى أنها لا تواكبها أو تعبر عنها وهذا صحيح لأن عدد النقاد حاليا قلة وأقصد بذلك النقاد المتميزين وإنما يوجد كثرة من النقاد الذين يكتبون الكتابة للتعريف وفي رأيي أن الإبداع نفسه في أزمة لأن القليل هو الجيد الآن ولذلك لا نلوم كثيرا على النقاد الذين يغفلون الأعمال الإبداعية. التحولات المصرية * يبدو أننا نعيش الآن في مرحلة أشبه بالغمر, هناك ملامح عالم قديم تغرب وملامح عالم جديد ينبثق لكنها لم تتشكل بعد وذلك على جميع المستويات, هل كتبت هذه المرحلة, مرحلة الغمر والقلق وهل تناولتها الرواية بشكل كاف؟ ـ مرحلة الغمر تناولتها ولكن ليس بالشكل التفصيلي الذي يصلح لمقال سياسي أو دراسة, أنا أعتقد أنني تناولتها في روايتي الأخيرة (ليال أخرى) . فقد تناولت هذه الرواية التحولات العاصفة التي شهدتها فترة السبعينيات في مصر وصورت اللحظة التي بدأ فيها عالم قديم يتلاشى ليحل محله عالم آخر, وقد تكرر ذلك في أكثر من مشهد بل كانت لحظة التحولات هذه من الخطوط الرئيسية للرواية. وستجد أيضا مرحلة التحولات هذه في رواية (أطياف) لرضوى عاشور و(الحب في المنفى) لبهاء طاهر, ما أقصده هو أن الكتابة الروائية لم تغفل مرحلة التحولات هذه وستجدها تأخذ مساحة أكبر في الشبان. أما في رواية (أطياف) لرضوى عاشور فستجد البطلة واسمها شجرة تنعي وهي تطل على مشهد عام لمصر, تنعي مرحلة بدأت تخبو بعد مشوار طويل وصدامات طويلة مع أحداث الفساد التي تلازم عادة المنعطفات الحادة في التاريخ, وستجد ذلك في رواية (الحب في المنفى) فبطلها ينعي أيضا انتهاء مرحلة بكل ما فيها من مسرات وأوجاع مقبلا على فترة مجهولة وأن بدت ملامحها تثير الفزع. وفي روايتي (ليال أخرى) بعد أحداث كثيرة تعرضت فيها للمحات من هذه التغيرات حيث تقف البطلة (ياسمين) لتطل من مبنى مرتفع جدا على القاهرة وتصف مشهد القاهرة بما يوحي بالواقع الحالي. الكتابة الجديدة * من وجهة نظرك ما هي المشكلة الأساسية في الكتابة الجديدة؟ ـ أنها لم تتخط حدود الذات ومشكلاتها المغرقة في الفردية وحياتها اليومية, وقد يكون ذلك موقفا من العصر الحالي واضطراب الشخصية, غير أن التكرار الكثير في هذه الكتابة وبنفس هذه التيمة أصبح مسيئا ومملا. * وماذا عن مشكلة ترجمة أدبنا للغات الأخرى؟ ـ قبل الخوض في المشكلة أحب أن ألفت الانتباه إلى أن البلدان الأخرى تروج لكل كتابها في العالم باعتبارهم خير دعاية لها, ومن خلال هذا الترويج تجد أعمالا حولها الكثير من التهليل الإعلامي هناك وأحيانا نفاجأ بأن هذه الأعمال الأجنبية أقل في قيمتها الفنية من الدعاية التي صاحبتها ويتم ترجمتها إلى العربية بناء على هذه الدعاية.. أنظر إلى هذا وأنظر إلينا, ماذا نفعل نحن هنا مع مبدعينا: نجيب محفوظ حتى قبل حصوله على نوبل لم يترجم له غير ثلاثة أعمال أو أربعة في حين أن كتابا في حجمه كان ينبغي ترجمة كل أعماله قبل نوبل كذلك كتابات جيل الستينيات التي تأخرت كثيرا في ترجمتها, ما حدث هو أن الدولة تصدت لعلاج هذه المشكلة وقامت هيئة الكتاب بعمل مشروع للترجمة وعندما تنظر إلى هذا المشروع لا تجد فيه عملا جيدا كلها أعمال تمت من خلال المجاملة لكتاب متوسطين ربما لم نسمع عنهم قط وربما لم يستمروا في الكتابة وهذه التراجم تم تخزينها في مخازن الهيئة ولم تخرج إلى الدول التي يفترض أنها موجهة إليها وحين قرأت بعض اختياراتهم دهشت لهذه الاختيارات. من اجل الترجمة * لكن هناك مترجمين في الخارج يترجمون لأدبائنا ما هي شروط هؤلاء المترجمين وهل هناك من يستجيبون لها؟ ـ البعض من مبدعينا للأسف قد وجدوا ترحيبا في الخارج وسهولة في الترجمة واندفعوا في هذا الخط يكتبون وعيونهم على الترجمة وهذه في رأيي ظاهرة مؤقتة لأنها لن تصنع كاتبا فسرعان ما يخبو ولا داعي لأن ننزعج كثيرا من هذا الأمر فالأعمال الجيدة ستشق طريقها بالتأكيد. * لكن بعض المترجمين في الغرب يحبون صورة بعينها لنا فيترجمونها؟ ـ هم يحبون أن نصور على أننا مازلنا عالما بدويا صحراويا له عادات وتقاليد صحراوية سواء من ناحية حبس المرأة وعدم إعطائها حقوقها أو من ناحية الختان أو اضطهاد بعض الفئات الدينية غير الإسلامية في داخل الوطن وكل هذه الأمور قد تجد لها ظلا في الواقع لكننا نحن المثقفون نتصدى لها ونقاومها ولكن على الذين يتشدقون بعدم حرية المرأة في مصر أن يعلموا أن النساء أيضا في الخارج يعانين من نفس الأمور رغم القشرة البراقة التي تلمع حول حريتهن. * ماذا تفعل الآن؟ ـ حاليا أكتب قصصا قصيرة سأبدأ في نشرها قريبا وحتى تتكون مجموعة قصصية وربما في أثناء كتابتها تهبني إحدى الروايات. القاهرة ـ فتحي عامر