مسكينة هي الهندسة المعمارية. انها منهج فكري يسعى لخير العالم. لكنها لا تحظى بما يكفي من الاحترام. فمؤسسة نوبل مثلا لا تقدم جائزة للهندسة المعمارية. وأعلى ما يطمح اليه المعماريون هو جائزة بريتزكر, وهي ليست جائزة من فئة المليون مثل جوائز نوبل, انما قيمتها مئة الف دولار. ومع انه ليست هناك جائزة نوبل للفن التشكيلي ايضا, ان كان هناك من لا يفهم الفن فلا يوجد من يكتبون مقالات تهاجمك في الصحف حينما لا تعجبهم لوحتك. وقد حصل ريم كولهاس, الفائز بجائزة بريتزكر لهذا العام, على هذا الشرف والذي بعد الكشف عن مخططه للمكتبة العامة الجديدة في مدينة سياتل الامريكية, كتب محرر محلي ما يلي: (انا اصمم ان ريم كولهاس سيستيقظ ذات صباح ليتحقق من انه صمم لسياتل اقبح مكتبة عامة في العالم) . وكولهاس معتاد على مثل هذه العبارات, مع انه يعترف بانه لا يفهمها, كما يتمتع بصيت في اوساط الهندسة المعمارية بانه امير العناد. وذلك جزئيا السبب الذي سيجعله يوم 29 مايو المقبل يتسلم 100 الف دولار هي قيمة الجائزة خلال الحفل الرسمي. وقد ارادت لجنة الحكم اختيار معماري يمثل المستقبل. وكولهاس, الذي ذاع صيته من خلال كتاباته قبل ان تكون له اي مدرسة معمارية ذات عمق, يمثل ذلك حقا. ومن بين كتبه يعتبر كتابا (هذيان نيويورك) و(اس, ام, ال, اكس ال) طلاسم للمعماريين الشباب الذين يبحثون عن رؤية ما. يقول كولهاس: (اعتقد اني امثل نمطا جديدا بين الحاصلين على الجائزة. لا اظن انهم منحوها سابقا لمعماري, هو ايضا مؤلف ويعيش حياة اخرى الى جانب العمارة. ويشير كولهاس بذلك جزئيا لدراسته المكثفة في جامعة هارفارد والتي يهدف من ورائها الى مراقبة تغيرات المدن او كما يسميها هو (تحول الحياة المدنية) . وكانت نتائج دراساته تلك كتب يتحدث أحدها عن دلتا نهر بيرل في الصين والتي تتميز بأسرع نمو سكاني في العالم وكتاب (دليل كلية هارفارد المعمارية للتسوق) والذي يتحدث عن تأثير التسوق على المدن والذي سيصدر في نوفمبر المقبل. كما يبحث مع تلامذته حاليا في عمارة مدينة لاجوس العاصمة النيجيرية. كولهاس الهولندي المولد معماري عالمي يتخذ من مكتبه في روتردام (مكتب العمارة العالمية) مقرا لها وله مشاريع ونشاطات في كل أنحاء العالم. ويقسم وقته عموما بنسبة اسبوعين في مكتبه وأسبوع في الترحال. وربما اصبح عليه قضاء المزيد من الوقت في الخارج, حيث يخطط لافتتاح مكتب جديد في الولايات المتحدة بالتعاون مع غيره من المعماريين. ويريد كولهاس من مكتبه ذلك ان يصبح مخبرا للفكر المعماري الخالص. يقول: (هناك حاجة ماسة حاليا لتفكير معماري غير ذلك الذي ينتج ابنية. اعني التفكير المعماري بشكله المحض, اي حول هويات الشركات, حول المنظمات, حول العمليات الاستراتيجية. وكولهاس اكثر ذكاء بكثير من غيره من المعماريين فيما يخص التعامل مع الاعلام. فهو يعرف ان اللغة المعمارية الملغزة واللمعان الاكاديمي اللذين يملآن كتبه لا يمضيان بعيدا الا لدى الاعلام وعملائهم وعملائه اي العامة. ولهذا فقد تعلم ان يكون متعدد اللغات وهو يتحدث مع المعماريين والعملاء والصحافة حتى لو كانوا كتابا ومحررين بارزين. يعمل كولهاس الان مع عدد من المعماريين الاخرين على مجموعة من الابنية ذات الصلة بمحطة قطارات نفق القنال في مدينة ليل الفرنسية. كما يصمم حاليا فندقا في نيويورك لشركة هيرزوج آند ديمورون السويسرية. لقد غير كولهاس العمارة بعدة اوجه, وهذه الجمعية لمناهجه هي احدى تركاته المهمة. فلم يعد لقب البناء الاول عمليا لوصف المهندس المعماري, بل اصبح المعماري هو الحكم الذي يقدر الحاضر ويخاطب المستقبل, عبر تصميم ان كان ذلك لازما. ويقول كولهاس ان جائزة بريتزكر هي اعتراف بذلك. وبالتأكد فلابد للمعماري ان يبني وكولهاس لديه عدة مشاريع قيد التنفيذ. والى جانب مكتبة سياتل وفندق نيويورك هناك مبنى جديد لاتحاد الطلاب في معهد اليونويس للتقنية والسفارة الهولندية في برلين ومتاجر برادا في الولايات المتحدة. وقد اثبت كولهاس انه يستحق تلك الضجة التي تثار حوله. مشروعه الذي صممه في فرنسا (منزل في بورود) لصالح محرر صحفي معاق يتحرك على كرسي متحرك ليكون منزلاً له ولعائلته كان مبنى مذهلاً يضج بالحميمية. وملمحه الاهم الجزء المنزلق من الارضية الذي يجاوره من أحد جانبيه مكتبه يمكن ان ترتفع هيدروليكياً لأي طابق من طوابق المنزل الثلاثة جاعلا اعاقة صاحب المنزل منبع سيطرته على منزله. تقول لجنة بريتزكر في حكمها (لو انه لم يصمم سوى هذا المبنى فقط, لكان ضمن مكانه في تاريخ العمارة. واذا ما اضفنا اعماله الاخرى فاننا نحصل على موهبة ذات أبعاد استثنائية) . ويظهر عمله في ليل الفرنسية فهما دقيقاً للتوزيع والتوازن, فهو يستطيع ان يفكر بخطة ضخمة لتلك المدينة ويستطيع وضع لمسات البراعة على التفاصيل الدقيقة لأحد الادراج في القصر الكبير الذي صممه. وهو في الحقيقة فخور بمكتبة سياتل. وتصميمه عبارة عن سلسلة من المنصات المعلقة كل منها مخصص لوظيفة محددة في المكتبة, ومحاطة كلها بطبقة نحاسية تتميز بأنها متحملة للوزن ايضا. على كل حال فان العمارة مفتوحة امام النقد لأنها توفر في النهاية خدمة للعامة. والخطوط المتفاوتة التي تميز ممارسة كولهاس للهندسة المعمارية, وهي العوالم التي يجوبها لمطاردة الافكار حول طرق بناء العالم, تشير كلها الى هذه النتيجة. إعداد: جلال الخليل
