أنانوفا .. لن نتخلّى عن مذيعاتنا وحدث ما كنا نخشاه وحذرنا منه مرارا أخواتنا مذيعات التلفزيون, فقد أطلت علينا (أنانوفا) بوجهها الصبوح المركب من خلاصة خلطة الجمال السرية لتوافينا بنشرة الأخبار, وحالة الطقس الذي لابد ان يكون حسنا كوجه مقدمته, والتقرير الرياضي, وآخر صيحات الموضة, وأفلام الأسبوع, وأخبار نجوم السينما والتلفزيون والغناء, وأحدث حالات الزواج والطلاق في الوسط الفني. وهكذا خرجت إلى الحياة مع انها ليست من الأحياء, (أنانوفا) مذيعة الانترنت التي لم تكن قبل شهور قليلة سوى مجرد مشروع تحت التأسيس يختار لها مصمموها من الأنوف أجملها تكوينا, ومن العيون أشدها سحرا, ومن الخدود أكثرها توردا, ومن الشفاه أميلها إلى العنّاب, ومن الأسنان أشبهها بالبَرد, حتى لكأنها تلك الحسناء التي وصفها يزيد بن معاوية قبل ألف وثلاثمئة عام حين قال: وأمْطَرَتْ لؤلؤًا من نرجسٍ وسَقَتْ وَرْدًا وعضَّتْ على العُنَّابِ بالبَرَدِ ولولا انها مذيعة من الخيال أو (الواقع الافتراضي) كما يطلق عليه, جرى تكوين شكلها ورسم تفاصيل وجهها بواسطة الكمبيوتر لصح فيها قول يزيد: أُنْسيةٌ لو رأتْها الشمسُ ما طَلَعتْ مِنْ بَعْدِ رؤيتها يَوْمًا على أَحَدِ سوف يسجل التاريخ ان يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ابريل لعام 2000 كان نقطة تحول في تاريخ مهنة تتهافت عليها بنات حواء اسمها (مذيعة تلفزيونية) ففي هذا اليوم قدمت لنا وكالة الأنباء البريطانية (بي. ايه) وجها جمع ملامح وجوه شخصيات نسائية مختلفة لممثلات ومغنيات شهيرات لتقديم الأخبار في خدمة هي الأولى من نوعها في العالم حيث تستعمل فيها شخصية افتراضية غير حقيقية تقدم الأخبار والمعلومات للمشتركين بشكل آني وسريع وبدقة فائقة دون تحريف أو تلاعب. خبراء الجمال والعالمون ببواطن هذا العالم العجيب قالوا ان ملامح (أنانوفا) هي خليط من ملامح مغنية فرقة (سبايس جيرلز) البريطانية بوش سبايس والممثلة كيلي منوج ومقدمة البرامج التلفزيونية البريطانية كارول فوردمان. (أنانوفا) التي تسلمت مهام عملها قارئة لأخبار الوكالة البريطانية على الانترنت جاءت لتدق ناقوس الخطر لمذيعاتنا العزيزات الفاتنات اللواتي أصبحن واقعا مفروضا علينا وليس افتراضيا, فهذه الـ (أنانوفا) التي هي ليست أكثر من صور مركبة لا روح فيها تتمتع بوجه انساني وشخصية جذابة وتتفاعل مع المادة الاخبارية التي تقدمها بحركات انسانية تجعلك لا تشك في أنها تمتلك مخزونا من العواطف والأحاسيس يفوق ذلك المخزون الذي تدخره لنا مذيعاتنا (البشريّات) اللواتي تميل رؤوسهن دلالا, وتنثني قاماتهن غنجا, ويسبّلن أعينهن لنا بمناسبة ومن غير مناسبة, أما ما يميزها عنهن فهو ذلك الجَلَد الذي يجعلها تقوم بقراءة نشرات الأخبار والمعلومات المختلفة طيلة اليوم بساعاته الأربع والعشرين, دون تعب أو تردد أو لجلجة, فإذا ما اضفنا إلى كل ذلك ان المشاهد لن يجد نفسه أسير مزاج السيدة أو الآنسة المذيعة, إذ بامكانه ان يختار ما يناسبه ويتوافق مع رغباته من أخبار وجدنا ان كفة (أنانوفا) أرجح وفرصتها في جذب المشاهد أوفر. أما التحدي الأكبر الذي تفرضه (أنانوفا) على مذيعاتنا فهو أنها غير قابلة للتأثر بعوامل الزمن إذ انها ستظل محتفظة بملامحها دونما تغيير مهما تعاقبت عليها الأيام والأعوام, وربما عمد مصمموها إلى اضافة مسحات أخرى من الجمال والصبا إليها في حال ما إذا تغيرت مقاييس الجمال يوما ما, ثم انها غير مضطرة للجلوس ساعات طوال كل يوم أمام الماكيير والكوافير لاصلاح ما افسد النوم أو السهر من ملامح الوجه علاوة على ما تكفّل الدهر بافساده, واعادة ترتيب ما تبعثر من خصلات الشعر, فمذيعة الانترنت جاهزة دائما بوجهها المتدفق حيوية ونضارة, وشعرها القصير ذي الخصلة الخضراء القادمة من أحدث صيحات الموضة. ولئن كان حديثنا قد انصب حتى الآن على الشكل دون الاقتراب من المضمون, فما ذلك إلا لعلمنا ان الشكل هو هاجس مذيعاتنا الأول, ناهيك عن انه محل اهتمام مشاهدينا ومبعث تقبلهم للمذيعة أو رفضها ومقياس حكمهم على نجاحها أو فشلها, علاوة على انه المؤهل الأول الذي يجب ان تملكه كي تلج أبواب التلفزيون وتعرف طريقها للجلوس أمام الكاميرا, وربما اشترطت عليها محطات ان تجيد الرقص كي تستطيع تقديم برامج من نوعية (ياليل يا عين) و (ع الباب يا شباب) الأمر الذي حتم أيضا على المذيعة ان تتمتع بقوام ممشوق, وقدٍّ ميّاس, وسد الباب أمام أشجار الجمّيز من ذوات الأوزان الثقيلة اللواتي بات عليهن الخضوع لنظام رجيم قاس ومشاهدة (ما إلك إلاّ هيفا) عامين متتابعين قبل التفكير في طرق أبواب التلفزيون والدخول على عباد الله في بيوتهم الآمنة. فإذا ما انتهينا من المعضلة الصغرى وهي معضلة الشكل وانتقلنا إلى المعضلة الكبرى وهي معضلة المضمون وجدنا التحدي الذي تواجهه المذيعات العزيزات كبيرا, فالمناخ الذي ترعرعت فيه مذيعاتنا وفّر عليهن مشقة تسليح أنفسهن بثقافة تثقل بها المذيعة كاهلها, حتى إذا ما وجدت نفسها في موقف يتطلب منها الرجوع إلى معلومة أدبية أو علمية أو تاريخية أو غيرها خرجت منه بابتسامة بلهاء وأنقذها المخرج بمكالمة هاتفية جاهزة دائما في (الكونترول) لتغيير مجرى الحديث, أو أغنية تلطّف الجو وتبعد المشاهدين المثقلين بهموم الحياة عن هم الثقافة والفكر, مطبّقاً نظرية ذلك المخرج العبقري مكتشف المواهب الذي يرى ان مهمة التلفزيون هي الترفيه فقط, وان الخروج به عن اطار هذه المهمة ما هو إلا هدر للوقت والجهد وانحراف بهذه الوسيلة عن الهدف الذي اخترعت من أجله. مذيعاتنا ـ أطال الله أعمارهن ـ صنفان: صنف تربى على أدب جم وحياء يمنعهن من الخروج عن النصّ المكتوب, فالسؤال المعد لتوجيهه للضيف مقدس لا ينبغي الخروج عنه بأي حال من الأحوال, حتى وان أتاح الجواب فرصة لاثراء الحوار واظهار ثقافة المذيعة التي هي سر لا يعلمه إلاّ الله, وقديماً قالت العرب (المرء مخبوء تحت طيّ لسانه لا طيلسانه) . أما الصنف الثاني فهو على نقيض الصنف الأول, إذ تجد المذيعة تسأل السؤال وتجيب عنه وتحلل الجواب وترصد أصداءه, والضيف ملتزم الأدب لا حول له ولا قوة, وعن الثقافة فتش بين مذيعات هذا الصنف في دهاليز التلفزيون إذا ما ضاقت بك السبل فلم تجدها في ثنايا العقول. ومع ذلك, ورغم كل ما يمكن ان تكون (أنانوفا) قد حوته من ميزات قام مصمم حاقد على مذيعاتنا بتزويدها بها, فستظل لمذيعاتنا العزيزات المكانة الأثيرة لدينا, وسيبقين الملكات المتوجات على عروش شاشاتنا وقلوبنا, فنحن جيل تفتحت عيونه على وجوههن الصبوحة وطلاَّتهن البهية فلم يعد لنا منهن فكاك أو مهرب, نتحمل ونحن في كامل قوانا العقلية المنهكة مسئولية اصرارنا على مشاهدتهن ومتابعة كل ما يقدِّمن لنا ولا نرضى لهنّ بديلا, أما الأجيال المقبلة صنيعة الانترنت فهي حرة في اختيار مذيعاتها من أمثال (أنانوفا) و (أناريما) وكل (الأنات) اللواتي هن كفيلات بتربيتهم كما تربينا نحن على أيدي مذيعاتنا ولم يعد في العمر ما يسمح باعادة تربيتنا. فلمذيعاتنا منا التحية, ولنا الصبر الجميل, ولـ (أنانوفا) واخواتها دعواتنا وخالص أمنياتنا وشكرنا الجزيل.