بقلم: حسين عيد هي ترجمة ثانية قام بها شفيق السيد صالح, لرواية شديدة العذوبة للكاتب الياباني فوكازاوا شيشيرووه, صدرت عن دار ميريت للنشر بالقاهرة عام 1999 كان محمد علي اليوسفي قد أنجز الترجمة الأولى, التي صدرت عن دار التنوير ببيروت عام 1982. المثير للدهشة ان الترجمتين تمتا عن لغة وسيطة هي الفرنسية, بما يعني ان العمل الجيد كالدر الثمين يمكن العثور عليه في أي لغة والاتفاق على ضرورة ترجمته, لكنه يثير أيضا ـ في ذات الوقت ـ قضية غياب التنسيق بالنسبة للترجمة على مستوى الوطن العربي الكبير, الذي قد يرجع في جانب منه إلى ما يكتنف انتقال الكتاب بين البلاد العربية من صعوبات ومشاق. وتدور أحداث الرواية في قرية نائية معزولة بين جبال اليابان, يشح فيها الرزق, حول قيام عجوز في السبعين برحلة إلى ناراياما (جبل البلوط) , برضا كامل, لتموت هناك من أجل الآخرين! نشر فوكازاوا روايته عام ,1956 وهو في الثانية والأربعين من عمره, فحققت له شهرة واسعة داخل اليابان, وخارجها بعد ان ترجمت إلى لغات عديدة. وقد استمد فوكازاوا روايته من أسطورة يابانية شهيرة قادمة من منطقة جبلية تقع إلى الشمال من مسقط رأسه في منطقة جبلية في وسط اليابان جمعت قسوة أرضها وعزلة سكانها بعيدا عن التأثيرات الخارجية. وقد تمثلت هذه الأسطورة في مجموعة من الأغنيات تعرف بأغنيات ناراياما. ولعل هذا يفسر العنوان الأصلي, الذي اختاره المؤلف (دراسة عن أغنيات ناراياما) وبد ا كما لو كان بشكل علمي, ربما ليوهمنا ان دوره قد اقتصر على مجرد جمع تلك الأغنيات لإعادة بعث تلك الأسطورة, بأجواء الحياة الصعبة فيها, وطقوسها الخاصة وشخصياتها الإنسانية, وعلى رأسها العجوز أوران. قرى بائسة كان المكان في الرواية بين الجبال وفي مناطق نائية معزولة من اليابان, حيث تناثر عدد من القرى الفقيرة البائسة, التي ليس لها أسماء, ولكن كلما تواجهت قريتان عبر جبل يفصل بينهما, كان يطلق على كل منها (القرية المواجهة) , كانت قرية أوران تشمل إجمالا اثنين وعشرين بيتا, وسيلة الاتصال بين القرى هو (المرسال) الذي ينقل الأخبار من قرية ليذيعها في الأخرى, تعد المقايضة هي أساس التعامل بين السكان, أما مسائل الزواج فتحل ببساطة, لأن الذين يتبادلون الإعجاب يختارون بأنفسهم بعد حوار حر بينهم, وقد يلجأ البعض إلى وسيط أحيانا ولكن متى تناسبت الأعمار انتهت القضية, بأن تزور المعنية البيت المقصود ثم تقيم فيه نهائيا إلى ان تصبح فردا من أفراد العائلة. ونظرا لعدم وجود سهل في هذه الأرض الجبلية, فإن الغذاء يندر وجوده, ويصبح هو المؤثر الرئيسي في حياة السكان, ويتفاقم الخطر مع مقدم الشتاء, وهم يعتمدون في غذائهم اليومي على الذرة البيضاء والصفراء والبطاطا, أما الأرز فإنهم يطلقون عليه (السيد هاجي الأبيض) فانظر إلى لقب السيد الذي يمنحونه له دليلا على تبجيله لندرته, رغم أنه الغذاء الرئيسي في اليابان, وهو لا يؤكل إلا في حالة مرض عضال, أو عند الاحتفال السنوي بعيد ناراياما! وتعتبر سرقة الغذاء في القرية من صنع الإنسان الدنيء, الذي عليه ان يخضع إلى ما يطلق عليه (اعتراف بالذنب إلى السيد ناراياما) , وهو اعتراف علني يشاع بين السكان, وتترتب عليه عقوبات قاسية تتمثل في الاستيلاء على كل الغذاء الموجود في بيت السارق بالقوة وتقسيمه بين الجميع, وقد ينتهي الأمر باجتثاث سلالة ذلك اللص تماما من القرية. ونتيجة لظروف المعيشة الصعبة, يتزوج الجميع متأخرين, إلى حد أنه لم ير أحدا تزوج قبل سن العشرين, وهناك أغنية تنصح بالزواج المتأخر. وفي قرية مثل هذه, حيث الطعام شحيح, يصبح البقاء على قيد الحياة إلى عمر طويل حتى رؤية أولاد الأحفاد ضربا من الجنون, و بالتالي يصبح امتلاك أسنان قوية في ذلك العمر المتقدم نوعا من العار, ولذلك عندما يبلغ المرء السبعين من عمره, يتوجب عليه الذهاب إلى جبل البلوط, إلى ناراياما, حيث يموت. لكن هذا لا يتم إلا مع مقدم الشتاء في اليوم الثاني عشر من الشهر السابع, عيد ناراياما. وطريق الرحلة وعر, حيث يقع جبل ناراياما في مكان بعيد لا يمكن بلوغه إلا بعد اجتياز سبعة وديان, وإذا لم يبدأ الثلج بالسقوط لدى وصول العجوز, عندئذ لا يمكن القول بأن حظه سعيد! رحلة عجوز أوران هي شخصية الرواية المحورية, وهي رأس أسرة, تعيش مع ابنها الوحيد تابي, الذي ماتت زوجته في العام الماضي, لذلك فهي مهمومة برعاية أحفادها: أكبرهم كيزاكيتشي ومعه أخ وأخت. وهي رغم نشاطها ومهارتها تعي أنها تقترب من السبعين, وهو سن الذهاب إلى ناراياما, وهي مقتنعة بالرحيل, متقبلة له, وهو ما كفل لها التهيؤ نفسيا, ومن ثم القيام بالاستعداد له, بعد ان أعدت (الساكي) , وهو مشروب كحولي يصنع من الأرز, من أجل وليمة الرحيل, والفرشة التي ستجلس عليها عندما ستصل إلى الجبل, وبعد ان اطمأن قلبها وزوجت ابنها, وكسرت سنتين من أسنانها الأمامية القوية, فتغلبت بذلك على تهكم السكان من قوة أسنانها. حين حلت ليلة الرحيل الموعودة, قامت بدعوة جميع أولئك الذين سبق لهم ان ذهبوا إلى الجبل كمرافقين, وقدمت لهم (ساكي) المأدبة, وأوضحوا التعاليم الضرورية للذهاب إلى الجبل: (عندما تذهبين إلى الجبل, لا تتكلمي) , (عندما تخرجين من بيتك حذار ان يراك أحد) , و(عندما تحين لحظة الانفصال, ممنوع تماما العودة إلى الوراء) . وبعد ان انتهى حفل تقديم التعاليم, انصرف الحاضرون وكان آخرهم أقدم الحجاج, الذي أخبر تابي أنه (إذا كان يشق عليك, فلا داعي ان تكمل المشوار حتى الجبل, يمكنك ان تعود أدراجك من عند الوديان السبعة) . وقرب بيت أوران يوجد (بيت الفلوس) , الذي بلغ فيه العجوز ماتا ـ يان سبعين عاما. ورغم ان له نفس عمر أوران, إلا أنهما شخصيتان متقابلتان, ففي حين بدأت هي منذ أعوام تهتم باليوم الذي سترحل فيه إلى الجبل, كان هو وأسرته أسمن من في القرية, ويبدو أنهم وجدوا تجهيزات مأدبة يوم الرحيل غالية جدا, فصرفوا النظر عنها, وقد أشيع أنه سيذهب إلى الجبل قبل الربيع الماضي, لكنه لم يذهب وفهمت أوران أنه يزرح تحت تأثيرات سيئة نتيجة نجله. وفي الليلة الموعودة التي قررت أوران الرحيل فيها إلى الجبل, قطع تاما ـ يان الحبل بأسنانه وهرب من ابنه, فقطع الصلة, لأن الأغنية تقول (انقطع الحبل, وانقطعت معه كل الوشائج) (والوشائج في الخطاب البوذي, كما هو موضح في هامش الرواية, هي (العلاقة بين شخصين وما يتتبعها من التزامات متبادلة. وعندما لا يقوم شخص بما هو مطلوب منه تجاه الشخص الآخر فإنه يقطع هذه الوشائج. وهنا فإن ماتا ـ يان لم يف بتعهداته تجاه ابنه وتجاه إله الجبل وهو يرفض الذهاب إلى ناراياما لذلك سيبقى منبوذا من المجتمع معرضا لغضب الإله, يائسا من كل خلاص) ), فاضطر تابي إلى حمله وإعادته إلى بيته. وفي الصباح المبكر, وبعد ان تأكدت أوران من نوم الجميع, فتحت مصراع الشرفة الخلفية, وصعدت فوق لوح حمله تابي, وبدأت الرحلة إلى جبال ناراياما, ملتزمة بالتعاليم, عبد الوديان والجبال, وعندما وصلا أخيرا إلى ناراياما, فكر تابي بأنه لم يعد ثمة مجال للكلام, وفوق الجبل رأى هياكل عظمية لرجال ونساء سبق ان قاموا برحلتهم واستقروا هناك منذ زمن بعيد. وما ان نزلت أوران حتى فرشت فرشتها في ظل صخرة وجلست عليها, و(على وجهها بدأت تظهر ملامح الموت) . وبعد عشر خطوات, رفع تابي اللوح, الذي ما عادت أوران تجلس عليه, نحو السماء وانخرط في البكاء, لكنه وسط اشجار البلوط رأى غبارا أبيض يتراقص. إنه ثلج. ها قد حدث ما تنبأت به أوران بفخر, وحين عاد ليخبرها بأنها تثلج, رفعت إحدى يديها كمن تحضه على ان يرجع. وفي طريق العودة, وسط الوديان السبعة, لمح ابن عجوز بيت الفلوس وسط الثلوج, وهو يحاول ان يتخلص من اللوح المعلق إلى ظهره, متخلصا من أبيه تاما ـ يان. عندئذ فهم تابي كلمات أقدم الحجاج, إنه (إذا كان يشق عليك, فلا داعي ان تكمل المشوار حتى الجبل, يمكنك ان تعود أدراجك من عند الوديان السبعة) . وحين هوى العجوز إلى القاع, حومت الغربان السوداء في الفضاء متتبعة فريستها! أنظر إلى التقابل بين مصيري أوران المتفانية في حب أسرتها, المؤمنة بتقاليد قريتها, وماتا ـ يان الأناني الهارب من تقاليد المجتمع, ففي حين أعدت أوران نفسها لهذا اليوم منذ سنوات, فكوفئت بأن أثلجت السماء يوم صعودها ثلجا أبيض, رمزا للسكينة والضياء والنقاء, بينما تمسك ماتا ـ يان بماديات الحياة, فانتهى بأن صار غذاء للغربان السوداء, رمزا للظلام والجحيم والعذاب الذي لا ينتهي.