عولمة وأشياء أخرى ... حاولت بشتى الطرق أن أجد لنفسي مخرجا بعيدا عن مزالق العولمة ومتناقضاتها فلم أستطع, فقد كان يومي حافلا ببرنامج مثير عن آفاق الاقتصاديات العربية في ظل مسيرة العولمة, وآفاق صناعة الاعلام الخليجي في الألفية الثالثة, والاعلام العربي في رحاب العولمة الفضائية, وغيرها من المحاور التي طرحت في المنتدى الاعلامي الذي عقد في البحرين الأربعاء الماضي. المثير انني كلما حاولت أن أقلب صفحة وجدتني أغوص في عولمة الصفحة الأخرى وهكذا ... وما دمت قد تعولمت مجبرا فدعوني أصحبكم إلى عالم أرى انه من الضروري معرفته وطرق أبوابه خاصة واننا أمام مفترق طرق, فاما أن نشمر عن سواعدنا ونمتطي هذا الركب, وإما أن نتقاصر ونرضى بالصفوف الخلفية دائما. مشكلتنا اننا في الوطن العربي والإسلامي نملك تراثا زاخرا وغنيا لكننا لا نملك اعلاما قويا ومؤثرا وخلاقا, لهذا تضيع الأشياء من بين أيدينا وتتبخر, فيصبح التراث جامدا لا حراك فيه لانه لم يجد باعثا يعيد صياغته وانتاجه وينتشله من سباته. وحتى لا أسهب هكذا في عموميات الأشياء, وحتى أضعكم على جادة الصواب أشير إلى ان العولمة طوفان اقتصادي هادر لن يستطيع أحد إيقافه, ومن هنا, من هذا المدخل تبدأ الحكاية.. فقد أحزنني كثيرا أن أجد أطفالي الصغار يلتقطون ثقافة العولمة دون أن أستطيع إيقافهم, فثقافة السوق تجبرنا جميعا أن نخضع الرأس طوعا, خاصة وان الثقافة البديلة غير جاهزة أو متوفرة أصلا, فبينما يعكف الآخرون على رسم وصياغة ثقافة جديدة تتواكب والزمن الحالي نتواصل نحن في هدم الثقافة التي نملكها من خلال حواراتنا وشجاراتنا اليومية في وسائل الاعلام المختلفة دون أن نكترث للجيل الذي يواكب حركتنا اليومية, هذا الجيل الذي وجد نفسه متجها ومبهورا بالفنون القادمة إليه, فيتلقفها ويتواصل معها بكل حميمية ودفء. وبعيدا عما قدمته الثقافة العربية الإسلامية للعالم من أدب وفن وثقافة نجد ان هناك قصورا حادا في إدراك أهمية خلق شخصيات عربية أو اعادة احيائها من التراث وتجديدها لتكون قدوة ومثلا للطفل في الوطن العربي, فلماذا لا ينهض علاء الدين من كتب التراث ليحاكي أطفال الكمبيوتر؟ ولماذا يقف عروة بن الورد بعيدا مع صعاليكه لا يتفاعل مع صعاليك الانترنت؟ ولماذا لا يمتد بصر زرقاء اليمامة طويلا لترى أسرار العولمة؟ إن حكاية من تلك الحكايات المثيرة إذا وجدت من يدعمها ويتواصل معها فقد تخلق جيلا متوازنا وقادرا على التمييز بين ما يقرأ ويعمل ويرى. وحتى لا نذهب بعيدا أشير إلى قصة أطفال بعنوان (هاري بوتر وحجر الساحر) ظهرت كقصة للصغار في بريطانيا في العام 1997 من تأليف كاتبة بريطانية غير معروفة تدعى جوان رولينج صعدت فجأة إلى قمة أكثر الكتب مبيعا, ثم حدث الشيء نفسه عندما نشرت في العام 1998 في الولايات المتحدة الأمريكية, وأعطى هذا النجاح المثير الكاتبة جوان ثقة أكبر في النفس فنشرت قصة جديدة بعنوان (هاري بوتر وغرفة الأسرار) لتثبت مرة أخرى نجاحا مضاعفا في الولايات المتحدة وبريطانيا, كللته بالجزء الثالث تحت عنوان (هاري بوتر وسجين أزكامان) والذي اكتسحت مبيعاته العالم إذ بلغت حتى الآن مليوني نسخة في بريطانيا وحدها 13 مليون نسخة في بقية أنحاء العالم. والسؤال لماذا نجحت جوان رولينج هذا النجاح الباهر والمثير؟ الاجابة جاءت سهلة وواضحة من نقاد هذا الفن, فقد أشار أحدهم إلى ان كل حدث في قصص هاري بوتر ينطلق من اكتشاف الذات المبدئي, فربما يكون هاري صبيا نحيفا, ذا شعر أسود كثيف غير مرتب, يلبس نظارة طبية وذا عينين خضراوين, إلا انه يمتلك قدرات غير واضحة, فالقصص تدور حول نموذج أخلاقي واحد وهو الاعتماد على الذات, فنحن نملك قرار التغيير في كثير من الأمور إذا كان هذا يأتي من داخل أنفسنا. وما دمنا نتحدث في زمن العولمة يتساءل صناع الفن السينمائي عن امكانية تحويل قصص هاري بوتر إلى سلسلة سينمائية مثلها مثل حروب النجوم خاصة وان الكثيرين لا تصلهم الثقافة المقروءة بقدر ما تصلهم اللغة السينمائية التي تعتمد على مفاهيم تقنية عالية تجعل من المشاهد شريكا متداخلا في الساحة السينمائية. وحتى لا نترك هذا الفن المثير, وما دمنا شركاء متداخلين في هذه اللعبة ألتقط بعضا مما أشارت إليه مجلة (نيوزويك) الأمريكية حول فيلم حرب النجوم - الجزء الجديد الذي يحمل عنوان (تهديد الشبح) بعد توقف استمر لمدة 16 عاما, فقد ذكرت المجلة ان هذا الفيلم استخدم لقطات كمبيوترية أكثر من أي فيلم آخر في التاريخ, كما انه حقق لشركة لوكاس ثلاثية صناعة الفيلم دون تكاليف دعائية, فلم تضطر لوكاس لخلق الاهتمام وكل ما فعلته هو السيطرة عليه, فعندما وفرت شركة أبل للكمبيوتر دعاية الفيلم على الانترنت سجلها أكثر من 15 مليون مستخدم, وأصبح عدد فبراير من مجلة (فاينتي فير) التي نشرت على غلافها بعضا من مجموعة الممثلين خامس أكثر عدد مبيعا في تاريخها. وأعود من حيث بدأت فأشير إلى اننا أمام طوفان يسمى العولمة سيقتلع الجذور إن لم تكن ثابتة وراسخة, وعلى الأجيال المقبلة السلام إن لم تجد ثقافة حقيقية وفاعلة بعيدا عن الهمس ولغة الثقافة السماعية التي نتقنها جميعا!