الدكتور فتحي الخميسي.. موسيقي موهوب, درس الموسيقى وحصل فيها على الدكتوراه من الاتحاد السوفييتي. يعمل حاليا أستاذا للموسيقى بأكاديمية الفنون, وله العديد من المؤلفات الموسيقية منها سيمفونية بعنوان (غضب النيل) . كما أعد الموسيقى التصويرية لعدد من الأعمال الفنية فى السينما والمسرح, كان آخرها الموسيقى التصويرية لمسرحية شكسبير (يوليوس قيصر) التى تعرض حاليا على مسرح (الطليعة) بالقاهرة. ومعه دار الحوار التالي: * هل تعرف لنا الفن الشعبى؟ ـ لاينفصل الفن الشعبى عن بيئته, لأنه جزء من سياق تلك الحياة الشعبية فى شكلها الطبيعى, فعندما يصحو الفلاح صباحاً والشمس الساخنة تحرق بيته الطيني, فيسمع صوت البلابل من نافذته وصوت البقرة من عقر داره, ليمضي الى عمله وهو يغنى, فالفن الشعبي امتداد طبيعى للعمل, ورد فعل لخيبة أو نجاح الزواج, واستجابة لفرحته بزيادة المحصول.. فى كل هذه الحالات نجد الفن الشعبى جزءاً لا ينفصل عن البيئة, بل هو ردود أفعال واستجابات على الحياة التى يعيشها وتعليق عليها بما تحدثه فى نفسه. * وما الفرق بينه وبين الفن المدينى؟ ـ فن المدن فن قادر على الاستقلال عن البيئة والحياة فى أوساط صناعية مقفولة كالمسرح والأوبرا والسينما, وبالتالى يمكنه التدخل فى هذه الحياة لاعادة تشكيلها.. * وماذا عن الفن الشعبي الذى يعرض فى المدينة؟ ـ هناك محاولات بذلت فى هذا السياق, منها محاولات ليلى نظمي فى الأغنية وأبو دراع فى الموال, الذى كان يقدمه فى الموالد.. هما وغيرهما حاولوا أن يستحضروا شيئا على نمط الغناء الريفي. ولكن, كما أوضحت, لايمكن أن يقدم أي فن شعبي فى القاهرة, يمكن استلهامه فقط, لأن الفن الشعبي لاينفصل عن بيئته! * إذا نظرنا الى تجربة سيد درويش داخل هذا السياق, فكيف تراها؟ ـ سيد درويش تجربة حضارية كاملة, كما فيردي فى ايطاليا. أهميته ترجع الى أنه ليس كاتب قصة قصيرة فى الموسيقى, بل هو كاتب الرواية الموسيقية! هذا اذا استعرنا مصطلحات الأدب, فخطورته ترجع الى أنه روائي الموسيقى العربية, الذى صنع لها فن قص طويل ممتد يشمل قصة مجتمع فى فترة معينة, مثل أي رواية كبيرة, مثل ثلاثية نجيب محفوظ. لقد صنع للموسيقى العربية لوحة عامة تصف المجتمع موسيقيا, ولا تصف فردا مثل عبدالحليم وهذا خلافه الأساسى مع عبدالوهاب والقصبجى والسنباطى على ما لكل هؤلاء من تميز. والمفاضلة أساسا بينه وبين هؤلاء غير قائمة, وإلاّ فسنكون كمن يفاضل بين يوسف إدريس كفنان للقصة القصيرة ونجيب محفوظ كفنان للرواية, لأن هذه طبيعة كل منهما, أى أن هذه طبيعة سيد درويش وطبيعة هؤلاء. يكاد يكون سيد درويش هو من صنع الرواية فى الموسيقى, فلم تسبقه إلاّ محاولات كانت تحلم بالرواية فى الموسيقى وذلك على يد يعقوب صنوع وأبى خليل القبانى الدمشقى وسلامة حجازى. ثم جاء سيد درويش مع داوود حسنى وزكريا أحمد وكامل الخلعى, وكتبوا روايات. وضع هؤلاء الموسيقى الى جوار التمثيل, فربطوا بين الدراما الممثلة والموسيقى, أى صنعوا أحداثا موسيقية تنامية فى صراع. فهؤلاء الأربعة المتميزون هم صناع الدراما الموسيقية فى قلب الأغانى الفردية. وهناك آخرون كتبوا, لكنهم كانوا على هامش هذا, أو سباحة داخل هذا السياق مثل صدقى, مسرحيات القصبجى, واشتراك محمد عبدالوهاب فى تلحين نصف مسرحية كليوباترا, والأمر مرهون بمدى ما أضافه أي موسيقى لهذا الحقل ومدى ما أضافه الآخر. * فإذا أردنا أن نوجز دور سيد درويش, فماذا تقول؟! ـ لقد صنع سيد درويش الكثير فى مجاله, حين صنع هذا النوع. وثانيا, أنه صنعه من مواد محلية صرفة مثل الموال. ثانيا, لأنه أضاف الكثير من فرج القوالب لتخليق حوارات فى غناء متعدد الأطراف, بدلا من الغناء الفردى. بمعنى آخر, يكمن جزء من عبقريته فى أنه أمسك بتراثنا من غناء فردى وقلبه على وجهه فى اتجاه آخر, الى غناء متعدد الأطراف! نحو العالمية يرى البعض أنه كى تتطور موسيقانا العربية, لابد من استيعاب الأشكال الموسيقية الغربية من سيمفونيات وأوبرات, وابداع انتاج مماثل لها.. وأن هذا هو طريقنا نحو العالمية.. * ما رأيك فى هذه المقولة؟ ليس المهم استيعاب الأشكال الغربية, بل المهم استيعاب الخبرة الغربية بما تحتاجه الموسيقى العربية, لأنه لايمكن استدعاء شيء من الموسيقى لمجرد أنه قوي ومتفوق لمجرد أن نظيره عندى ضعيف أو غائب. فمثلا فى أدب الأطفال: كيف استدعى من الخارج البطل الخارق (السوبرمان) , طالما أن عندى البطل الخارق المصرى والعربى (عقلة الصباع) ؟! وفى الموسيقى العربية لست مضطرا أن تستدعى السيمفونية والكونشرتو والأوبرا, طالما أن هذه الأشكال تنافى وتتضاد وتتخاصم مع أشكال الغناء لدينا, لأن الأوبرا غناء يتم التدريب عليه حتى يأتى من مناطق مصطنعة وله جرس معدنى, أما الغناء العربى فهو من الصدر المفتوح, من الحلق, وغناء طبيعى. كما أن الغناء الأوبرالي أساسا أنت لا تحتاجه, لأن اللغة العربية لها طبيعة خاصة, فمخارج ألفاظها فيها شدة وبساطة وطبيعة مطلوب الحفاظ عليها, حتى يبدو الفن طبيعيا, وليست شيئا معمليا تم التدريب عليه فى بيئة مغلقة. من ناحية أخرى, فالفنان لايكتب موسيقى من أجل نفسه, لأن الموسيقى وسيلة مخاطبة جماعية, ونشر فكرة مشتركة, والاتفاق مع الناس بمفاهيم ومشاعر مشتركة. وهذا هو الشيء المهم فى الموسيقى. وإلاّ كيف أخاطب الناس بما أفهمه أنا, وما حاجة الناس الى هذا الأنانى؟! فليس مطلوبا المرور بكل هذه الأشكال, فليس حتما كتابة السيمفونية حتى تتطور موسيقانا.. * إذن ما تعليلك للسيمفونية التى ألفتها؟! ـ لقد كتبت فعلا سيمفونية من حركتين أسمها (غضب النيل) , وكففت عن كتابة السيمفونيات عندما عرفت أن بيتهوفن كتب أوبرا, وكفّ بعدها عن كتابة الأوبرات عندما أعرض الألمان عنها! ولما قوطعت هذه السيمفونية, وأنا لا أخشى أن أقولها أنها قوطعت فى دار الأوبرا المصرية, وأنها لم تلق ترحيبا ولم تكن جماهيرية, بل على العكس لم يحضر سوى عشرة نصفهم كنت قد دعيتهم. عندئذ اكتشفت بوضوح أن هذه الأشياء مفترضة نظريا وليس هناك ما يقابلها من حاجة الناس. وقد فهمت من هذا الدرس أن لكل شعب متطلبات, وهناك ضرورة وراء كل فن يجب أن يكتب, واذا لم تكن لهذا الفن ضرورة, فلا يكون! * لكن فى الوقت نفسه ألا ترى ضرورة أن يدرس الفنان وأن يستوعب هذه الأشكال الموسيقية الغربية, حتى يبدع بشكل جيد؟! ـ أولا, لابد أن نفرق بين مصطلحي: الدراسة والابداع, فالدراسة تختلف عن الابداع, فأنت تناقش قضية ماذا يأخذ الفنان وماذا يعطي؟! يجب على الفنان أن يأخذ كل ما يمكن أخذه ويهضمه. وسأنتقل الآن الى جانب آخر, وهو أنه لابد للموسيقي العربي أن يسعى لسماع الموسيقى العربية وموسيقى البلدان المجاورة. رغم أننى أعرف أن التأثير الأوروبى المعاصر أكثر طغيانا من غيره, حتى يسعى الموسيقي العربي الى السيمفونية, لأنها منتج اوروبي, فيسعى للصلة مع أبعد الناس عنه, ويفقد الصلة مع أقرب الناس اليه. فماذا يعرف عن (مقامات) العراق, و(نوبات) المغرب العربى, و(مألوف) ليبيا, وماذا يعرف الموسيقي المصري عن فنون السودان, التى تجاورنا وهى امتداد لنا, بل إن بعضنا لايعرف عن فنون النوبة فى صعيد مصر؟! موسيقانا العربية * فهمت من كلماتك أن الحاجة هى التى دفعت الى نشأة القنون الموسيقية.. فكيف نشأ فن الأوبرا مثلا؟! ـ نشأت الأوبرا من غناء طبيعى فى ايطاليا هو المادريجال الأقدم أو الحواريات, ثم تطورت.. * إذن كيف ترى تطور موسيقانا العربية وما السبيل اليه؟! وكيف نبدأ؟! ـ لدينا مواريات مثل عبدالحليم وشادية, ولدينا غناء فردى من قصيدة وموشح. فلماذا لا نبدأ به. وهناك أيضا (العشرة الطيبة) . فلتكن هذه هى منطلقاتنا من حيث انتهت الدراما الغنائية عند العرب. أى نبدأ من حيث انتهى سيد درويش.. وإلاّ فنحن لاندرك ما الضرورات فى الفن. بمعنى ماذا تحتاج الناس لنطور فننا, حتى يكون متسقا مع نموها؟ * إذن نقطة البدء هى احتياجات الناس؟ ـ اذا كانت الناس تغنى مواويل, كيف أصنع سيمفونيات من ألحان لا علاقة لها بها؟ واذا كانت الناس تغنى أدوار, فكيف أصنع سيمفونية ليس لها علاقة بأسمهان وليلى مراد؟! وفنان أية أمة ليس مطالبا بالمرور حتما بمدارس الأمم الأخرى, لمجرد أنها الأكثر تقدما, لأن أي مدرسة فنية هى امتداد لوجود داخلى! إذن المهم هو الاستمرار, واستكمال ما انتهى اليه سيد درويش فى الرواية الموسيقية, واستكمال ما انتهى اليه الثالوث: السنباطى, القصبجى, ومحمد عبدالوهاب فى القصة القصيرة الموسيقية, والوقوف أمام هذه الأشكال بتواضع, لأنها لبت حاجات الناس, ولذا لا يمكن الخروج عنها, وهى النقطة التى يجب البدء منها, وإن أفضى ذلك الى نشأة شئ آخر, ليس بالضرورة أن يكون سيمفونية, فليكن! وأخيرا, نحن لانصنع للناس سكة تطورها, ولكن الفنان الأكثر استجابة للتطور هو الذى سيصنع للموسيقى كيفية تطورها! القاهرة ـ مكتب البيان