بقلم: محمد مستجاب ظلت ابتسامة الشمس كليلة مرهقة خارجة تواً من غرفة العمليات الجراحية, ثم لم يلبث النور أن تهالك بين أفواه الريح الصارخ, أغلقت النافذة مضطرباً وحاولت الاحتماء بالفراش أو التدخين أو دورة المياه, كيف يتسنى لي أن أسمع الموسيقي في ذلك الصباح, ما كان لأحد أن يأكل أو يحتسي الحزن أو يضاجع الأمنيات ووجه العالم لايزال كالحا, حتى علبة البن الصدئة أو الصدئ قاومت محاولتي في فتحها, فلما آخر الأمر انداحت تحت سطوة أصابعي: اتضح أن مسحوق البن قد التصق في جدران العلبة صدأً جديداً, أول أمس ذهبت الى أخي, شقيقي, استقبلني بهدوئه الجميل, المبتسم, وما كدت بعد اراقة أشواق وحب قديم, حب أخوي قديم, حب أبوي قديم أن أقترب من تلك المسألة المرهقة: حتى رفع رأسه الى السقف ثم الى الأرض, كان متبرما, تشاغل في معابثة أ صغر عياله, سألته عن زوجته فظل وجهه كالحاً, أنا لست أخاك فقط بل إني أبوك أيضاً, وفي حاجة الى بعض النقود, حملتك يا أخي في صدري وعلى أكتافي مستمتعاً قدرتي الفائقة على الوفاء, لتكون في هذا الوضع المريح المرتاح, بعض النقود فاني أعاني من ضيق واختناق تعرفه جيدا, بعض النقود فألقي أخي بالطفل بعيداً ثم انخرط عابسا داخل المنزل, كان الطفل يحاول الاقتراب مني لأعابثه, بعد دقائق أطل وجه أخي لأراه لايزال عابسا قبل أن أرى ما في يده من نقود, وقفت هامسا وكاذبا انني لا أقصد ذلك, ظلت غضون وجهه وارتباكة عيونه لا تصدقني, والله لا أقصد ذلك, لم تنجح ابتسامة واحدة في التسرب داخل غضون وجهه الكالح أو الكالحة, تمنيت لو أني اندفعت اليه متشبثا برقبته كي أقتله. -1- مع اني تجولت في شقتي التي لاتصلح للتجول, وحاولت تشغيل المسجل ليفح بموسيقى واحد من الفصول الأربعة لفيفالدي لدى الايطالي, وفشلت في العثور على سيجارة, مع اني دخلت دورة المياه مرتين دون حاجة أو غرض, فقد قررت أن أنصت للريح, صوته يأتي فحيحا لثعبان يتسلق جدران الفؤاد, عليك الآن أن تعيد التفكير من جديد, وأكثر الوسائل مناسبة لك الآن أن تتسلق الجدران أو الجبال أو الحكايات أو الذكريات أو الأحزان أو موائد المطاعم, أنت الذي بددت كل الأحلام, أنت الذي يجب أن يحاكم كي تلتف الحبال حول رقبتك, تود من الآخرين مساعدتك وهم يبتسمون, كيف؟ حتى قطف الورود يوخز الأنامل فتفح الوجوه بالضيق, وأول مرة تحقق الابتسام فيها كانت يوم أن حصلت على مفاتيح مغارة على بابا, انها كلمة السر الغائصة في الجوارح: افتح ياسمسم, نعم: افتح ياسمسم, وتنداح أبواب مغارة على بابا الى الخلف مطلقة أجمل موسيقى ذات رونق مزعج في العالم, كانت كل صناديق اللؤلؤ والنقود مرتبة في باحة المغارة وكأنها خطوط زخرفة رقاب وأجنحة وذيول الطاووس, الحكمة أن تأخذ من هذه الكنوز ما تحتاجه فقط, أنت انسان قاصر تحتاج لمن يكون وصيا عليك, اقفل ياسمسم فاشتريت كرتونة سجاير عشر علب سجاير دفعة واحدة, وكيلو كباب, وزجاجة براندي الروم أفضل, وقليلا من الجرائد والكتب وكونشرتو العود للأسباني رودريجو, افتح ياسمسم: فاشتريت صديريا من الصوف وكرتونة سجاير وزجاجة من الروم- البراندي أفضل, وحاولت الدخول الى جسد جارتي زوجة الخياط أو نجلاء فتحي أو شهرزاد, كان عشيقها قد اختنق في البحار تحت سطوة عاصفة مدمرة لينهمك الكمان في الصراخ ملتاعا على اللقاء الذي لن يتحقق, تسلل صوت خشن من بين فواصل الباب, لكني ظللت غائصا في رحاب زجاجة الروم ذات الأمواج الطاغية, كادت رسومات عبدالهادي الجزار تتساقط على رقبتي, افتح ياسمسم, لكن سمسم لم يفتح, افتح ياسمسم فظل الجو خانقا خاليا من أى موسيقي أو رونق أو حتى حفيف الريح, كان الموقف بالغ الاحراج, المغارة مفتوحة والباب الصخري منهار والصناديق ملقاة ومحطمة خالية من أية أثر لنقود أو معدن أو لؤلؤ, حاولت التقاط زجاجة الروم من الأرض. -2- يكون مؤلماً أن تلجأ الى أعدائك, أن تضع أمنياتك بين أيديهم, انهم هؤلاء الأصدقاء الألداء الذين دمروا لك مغارة على بابا, كيف يتسني لك أن تواجه المسائل وحدك, رئيسك في العمل بليد العيون والوجه, وكالح أيضا, رفاق المشرب الذين يميلون للمرح يمتلكون كل القرائح البليدة, والكالحة أيضا, عليك أن تنسي أمك وأباك وأخاك, البعض مات, الكل مات, أنت في حاجة الى وصي يرعي شئونك, يتحكم في شئونك, وكل الآفاق المفتوحة تحب الريح وتزهو بالأعاصير, فأحسست بطائر الرخ وقد حلق في السموات العلا, وماكدت أتمني حتى اندفع الرخ نحوي بمخالبه الشرسة كي يحملني الى تلك السموات الغامضة, اهتاج الفؤاد لكن المشهد كان طاغي الجمال, ولم تكن جزيرة السندباد بعيدة عني, أسقطني فيها الرخ في نعومة رقائق نغمات عود حزين, فأي مملكة تكون أكثر بهاء وجلالا مما أنا فيه, الأشجار والطيور والانسياب والنسيم والشمس تنحني ممتثلة كي أسمح لها بالغروب, والليل جاء مفعما بالصمت والنجوم وأهازيج الشعر, عاودت الانحناء كي ألتقط زجاجة الويسكي, فاتضح لي أن سجائري نفدت, فاضطر الفجر أن يعابث النور دون اهتمام بسقوطي من فوق السرير, فاكتسحت الصفاء موجات شرسة شديدة العبوس. -3- لعل الدوائر المتداخلة تسمح لي بأن أهرب من كل هذا العبوس, حتى موظف البنك نظر في الشيك ورفعه الى أعلى بعيون ظلت عابسة, ثم الى وجهي بعيون أكثر عبوسا, هل أقتله؟ ثمانية وثلاثون جنيها من بين أصابع وجه عابس لكنها تصلح لاختراق مكامن الحشرات, ولعل الجزيرة التي بددتها تعود الى سندبادها, أنت لا تصلح أقصد للتنفس - بمفردك, وعندما تتاح لك الفرصة كي تصبح سندبادا فعليك أن تصحب الى جزيرتك أنثى جيدة: من بين شاشة التلفزيون أو السينما أو الشاشة الكبرى لأجساد المناطق الضيقة, ثم عليك أن تسعى الى وصي ينضم لك.., دعك من كارثة الوصي الآن, كل الأوصياء عابثون عابسون, وذوو جلال أيضا. حينئذ ـ وأثناء محاولتي الجلوس على المقعد بدأت مسائلي تأخذ اتجاها مناسبا, دعك من النور والانشراح والتدخين وثمالة الزجاجات الفارغة, وانتبه, انتبه جيدا, ظللت جالسا على المقعد أو في المقعد وعيوني المغلقة ترنو الى تداخلات الألوان المتسربة من بين الرموش, نعم, انه القمقم, القمقم, هذه الزجاجة الساحرة التي تعلو على جميع زجاجات البراندي والروم والويسكي والزبيب والنبيذ, انها تصطف, هذه الزجاجات الفارغة المنمقة المزخرفة في طابور طويل كسيح فاقد الهمة, أما القمقم فانه نشيط يستجيب لك أيها الواحد الوحيد المتوحد دون وقوع في مأزق مغارة الكنوز أو جزيرة السندباد,. ظلت زجاجة القمقم ملقاة على الأرض دون أية زخرفة كانت فوهتها مغلقة بتلك السدادة الخالدة, والتي راعني انها الزجاجة أو السدادة, تنظر الى أصابعي بابتسام أو امتثال أو سعادة, وتهامست الريح مع بعض النسيم لتصنع نوعا من المشاكسة الحاقدة في خشب النافذة, القمقم يخليك من الأوصياء ومن توالي سطوة التحكم العبوس المكفهر, سوف أطلب من المارد بمجرد أن يتشكل في انطلاق الدخان الخالد أن يمنحني ما أريد: كل مالذ وطاب من مأكولات ومشروبات لاتنس المائدة ذاتها التي يخلو منها مسكنك, ثم فضلات المأكولات والمشروبات وأعقاب السجاير ومناديل الورق, ما الذي سوف أفعله بمناديل الورق ثم: إن كارثة السعادة التي تحيق بمن يعيش وحيدا هي اعداد المأكولات وترتيبها وبعدها التصرف في بقاياها, هذا, بالذات مايحتاجه اللوردات والباشوات والدوقات وأصحاب الهيلمان من الذين نراهم دائما يدورون حولهم ويمتثلون لأوامرهم وينحنون أمام علب السجاير الفارغة, والوجوه الجميلة تعزف سعادتها على ألحان الوجوه الأخرى التي تلتف حولها, لماذا فات على امنياتي أن أمتلك القمقم؟ -4- في اللحظة المأمولة اقتربت من القمقم, تشبثت أصابعي في رأس الزجاجة ليستدير غطاءها, لقد بدا صعبا شرسا لكنه لبيّ آهة الضغط الحارة, وانفتحت فوهة زجاجة القمقم ليندفع الدخان السحري في كل أركان الأرض, طارت الطواويس لتجذب الغربان الى أوكار البلابل, تهلل وجه الجدران وبدأت تتراقص على وجيب الفؤاد, وارتعشت الملائكة متقافزة فوق اندفاع الدخان, ما صدقت أنني استطيع الصمود بنفس القدرة التي واجهت بها انفتاح باب المغارة أو الهبوط الأزلي المرعب فوق وجه الجزيرة الخضراء, كان سقف المسكن قد استحال ذرى في الأعالي متناثرة على وجه القمر الجميل, وبدأ المارد يتشكل في الأفق رافعا كل أحاسيسي الى سراديب السماء: شبيك لبيك, عبدك بين يديك, شبيك.. لبيك عبدك وخادمك تحت أمرك.. وراق لي أن استمتع قليلا بالامعان في وجه المارد العملاق الرائع. لكن وجه المارد كان كالحا, بالغ العبوس, وتضخمت غضون الوجه الكالح الشرس ليأمرني من جديد: شبيك.. لبيك.. لكني رفضت أن أعلن عن رغباتي, وأحنيت دماغي الى صدري متفاديا أن أتجاوب مع كل هذا العبوس.. ظللت صامتا.. ولحظة الأمنيات الأخيرة تنزاح الى الخلف حطاما من حطب يابس.