قصر مصري في حارة يهودية تبدو مدينة اوتريخت الهولندية كأنها متحف مفتوح, خاصة منطقة المركز, حيث المباني العتيقة المحافظة على اصالتها, والقنوات المائية التي تمنح المدن الكبرى في هولندا خصوصية, الشوارع أقرب إلى الحواري الضيقة المرصوفة بالحجر, في حارة مستطيلة يقع مبنى مؤسسة (راسا) الثقافية, الواجهة عريضة, رغم حداثة تصميمها إلا أنها لا تتنافر مع الطابع العام القديم للمكان, وربما كانت الواجهة تلخص مهمة هذه المؤسسة, اذ تتناثر فوقها اسماء مدن عديدة في العالم, من الشرق, من الغرب, استطعت ان أقرأ عدة اسماء مصرية, القاهرة, بني سويف, الاسكندرية, الاقصر, رشيد, أسوان, المؤسسة مهمتها تقديم ثقافات العالم إلى الجمهور عبر مؤتمرات ثقافية تشمل انشطة مختلفة, موسيقى, مسرح, محاضرات, عروض فنية, وتتلقى دعما من بلدية اوتريخت, والمؤسسات الخاصة العاملة في الانشطة الصناعية, وهذه ظاهرة لاحظتها في معظم البلدان الاوروبية إذ يعتمد النشاط الثقافي على ميزانيات البلديات التي تخصص أموالا كثيرة للصرف عليه, وكذلك المؤسسات الصناعية الكبرى, وهذا مازال مفتقدا عندنا, وتركز المؤسسات الثقافية على تقديم ثقافات العالم القديم, وخاصة في الشرق, وأمريكا اللاتينية, وافريقيا, ربما كرد فعل مضاد لنهج العولمة ومحاولة طمس خصوصية الثقافات بما فيها الثقافات الاوروبية ذاتها. يوم الخميس قبل الماضي, الثالث عشر من أبريل, بدأ الاحتفال بالثقافة المصرية والذي انتهى يوم السبت, الثاني والعشرين من أبريل, أي استمر عشرة ايام, ليلة الافتتاح, تحول المقر الرئيسي للمؤسسة إلى قطعة من مصر, بمجرد اجتياز المدخل نرى صوراً ضخمة مكبرة التقطتها الفنانة الامريكية برثا لافي والتي صدر لها مؤخرا كتاب عن الجامعة الامريكية بالقاهرة, ضم صورا نادرة وجميلة لحارة نجيب محفوظ, في الصدارة صورة ضخمة لنجيب محفوظ يجلس في حديقة بيت السحيمي بعد حصوله على نوبل, بدون مبالغة, يعد نجيب محفوظ هنا من معالم مصر الخالدة, صورا للهرم الاكبر, وأبو الهول, ونهر النيل, وأم كلثوم التي كانت إحدى اغنيات العشرينات تتردد في المكان لتضفي بعدا خاصا, لقد استمعت إلى هذه الاغنية مرارا. وتميل عليه.. وتقول له ليه حيرتني.. ما هي غلطتك غير ان سماع الغناء العربي في هذا المكان القصي عن الوطن يتخذ بعدا مغايرا, فالغناء الاصيل يرتبط بلحظة, واللحظة لها موقع في العمر وفي النفس, واللحظة ليست بمعزل عن المكان, تصبح الأغنية هنا محملة بالوطن, بالزمن الخاص للإنسان, من هنا بدا لكل ما تردد هنا من غناء وموسيقى شجيا, باعثا على الحنين, ومثيرا لمشاعر الهولنديين الذين تذوقوا ما سمعوه واستعادوه مرارا. في القاعة الرئيسية مقهى على الطراز المصري, وبوفيه عليه الطعام المصري, بدءا من الفول المدمس والفلافل والطواجن والفطير, مناضد أخرى عليها مؤلفات الادباء المصريين الذين ترجمت اعمالهم إلى الهولندية, في المقدمة طبعا اعمال نجيب محفوظ التي طبع كل منها عدة طبعات, لفت نظري ترجمة جديدة كاملة لألف ليلة وليلة تقع في أربعة عشر مجلدا, ظهرت حديثا عن دار (بولاق) المتخصصة في نشر الادب العربي وما يتصل به, الترجمة قام بها المستعرب ريتشارد فان ليون الذي نقل إلى الهولندية مكتبة كاملة وآخر مؤلفاته موسوعة ضخمة في ألفي صفحة عن شهرزاد, وسينشر حوار معه في الاعداد القادمة في أخبار الادب, أجراه الاستاذ المصري صبري إمام الذي يعمل بجامعة اوتريخت, وقام بأعمال التنسيق والاتصال في المهرجان الثقافي المصري. مناضد أخرى تعرض الموسيقى العربية, والحدث البارز هنا فرقة حسام رمزي ذات الشهرة الواسعة في أوروبا والتي لم أعرف بوجودها إلا من خلال هذا المهرجان, كبار المثقفين الهولنديين موجودون في القاعة, والسفير المصري وعدد كبير من المصريين المقيمين بهولندا والذين جاءوا من مدن مختلفة, والانتقالات هنا ميسورة جدا, بالقطار أو السيارة, ويمكن قطع هولندا كلها خلال ساعتين لا أكثر, لكن الحضور الغالب, كان من الهولنديين, وفي الثامنة بدأ حفل الافتتاح. الحنين لم تكن كلمات تقليدية, إنما كان الجزء الاول من الحفل تقديما لثقافة مصر ودورها الانساني, بعد ان رحبت السيدة جانكا مديرة (راسا) بالحضور واستعرضت مضمون المهرجان, والمغزى منه, تحدث فان در بلوج مساعد وزير الثقافة, فقال ان البدء بالثقافة المصرية في برنامج المؤسسة طبيعي, إذ ان مصر بوابة العالم العربي, ومركز الاسلام, وصاحبة الدور التاريخي والانساني والحاضر المؤثر, مصر ليست الاهرامات فقط ولكن الدور الانساني لمصر مستمر وفاعل, لذلك كان الحرص على تقديم الثقافة المصرية المعاصرة, أما حديث فان برجن المدير السابق للمركز الهولندي بالقاهرة فكان أقرب إلى محاضرة عميقة في الشخصية المصرية, استهل حديثه بقوله ان ابنه الكبير ولد في خضم فيضان النيل ثم انتقل إلى الحديث عن عراقة المصريين وحبهم للفكاهة, وتحدث عن الاستمرارية في الثقافة المصرية رغم تغير اللغة و الدين, وتوقف طويلا عند معبد الاقصر, ومضمون الاحتفال, تحدث عن العمارة المصرية وتجلياتها المختلفة, والعناصر الثقافية المختلة في حياة المصريين, والتي تعاقبت عبر قرون متوالية, تحدث صبري إمام عن أعمال نجيب محفوظ وموقعه في الادب العربي, انتهت الكلمات الافتتاحية ليبدأ الجزء الثاني من الافتتاح وتمثل في عرض مسرحي قدمه الفنان صبري سعد الحمص, وهو ممثل مصري مقيم في هولندا منذ عشرين عاما, ومتزوج من كاتبة هولندية معروفة, ليزادي روي, أعدت نصا مسرحيا فريدا مأخوذاً من الثلاثية, عبارة عن مونولوج طويل يؤديه صبري الحمص, قائم على اجزاء من الثلاثية من المراحل المختلفة لحياة كمال عبد الجواد, بدءا من الطفولة وحتى وفاة السيد أحمد والده, أدى الفنان النص بمفرده, بمصاحبة عزف على العود قدمه الفنان المغربي كمال حورس. اكتظ المسرح بالجمهور, ولم يكن هناك ستار, بينما كان الفنان يقف مصغيا إلى صوت أم كلثوم, أغنية قديمة من العشرينات, وكان يرتدي طربوشا وحلة رمادية على الطراز القديم, بدا وكأنه قد خرج حيا من صفحات الثلاثية, ثم بدأ أداء النص الذي استغرق حوالي ساعة ونصف الساعة, واختتمه بغناء شجي لآخر ما أدته أم كلثوم قبل رحيلها من ألحان سيد مكاوي: ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني وعنيى مجافيها النوم يا مسهرني كان اختيار هذه الأغنية المشبعة بالحنين موفقا في التعبير عن جوهر الثلاثية, التي كانت تمثل حجر الزاوية في هذه الاحتفالية, ولعل الحالة الموسيقية التي شهدها مسرح راسا أصبحت أكثر كثافة وبهجة مع فرقة حسام رمزي. موسيقى مصرية على الطائرة التي اقلعت من القاهرة تعرفت على مجموعة من العازفين الذين قدر لي اكتشافهم في هذه الرحلة, في مطار امستردام كان ينتظرهم الموسيقار حسام رمزي, وهو مصري الملامح والحضور, يعيش في انجلترا منذ عشرين عاما, ويقدم الموسيقى المصرية إلى العالم, وله العديد من الاسطوانات المضغوطة مطبوعة وتوزع على أوسع نطاق, يقوم حسام بتوزيع موسيقى أغاني عبد الوهاب, وأم كلثوم, وفريد الاطرش, وليلى مراد, وكارم محمود, وسيد مكاوي, التوزيع على مستوى فني عال, ويقدم من خلال فرقة تضم نخبة من العازفين الذين وصفهم أحد خبراء الموسيقى الشرقية هنا بأن قدرتهم التقنية رفيعة المستوى, ويقوم حسام رمزي بقيادة الفرقة من خلال دوره كضابط ايقاع (عازف على الطبلة). لفت نظري عازف القانون الشاب صابر عبد الستار, ويعد من أمهر العازفين الذين استمعت إليهم على هذه الآلة, وهو من خريجي معهد الموسيقى العربية, أما عازف الناي محمد فودة فاكتشاف حقيقي بمهاراته وأدائه وحضوره, كذلك كان عازف الاوكورديون أحمد عبد الفتاح, وعازف الرق اللبناني محمد خانجي, هذه الفرقة تحظى بشهرة واسعة في أوروبا, وقدمت عروضها على أشهر المسارح, مثل الاولمبيا في باريس, واتيح لي خلال احتفالية راسا ان استمع إلى حفلين ساهرين, قدمت الفرقة خلالهما معزوفاتها التي استقبلت بحماس بالغ من الجمهور الهولندي, وفي كلاهما استعاد المستمعون الفقرات وصفقوا طويلا عند الختام, زوجة حسام تقدم رقصات شرقية تجمع بين الأداء الشرقي والتعبيري, اسمها سرينا وهي برازيلية الأصل. لم تكن فرقة حسام رمزي الوحيدة التي قدمت الموسيقى الشرقية هنا, ولكن جاء من الاقصر الشيخ زين وهو أحد المنشدين المشهورين للسيرة الهلالية, وهو معروف الآن في أوروبا, وقدم له معهد العالم العربي في باريس اسطوانة مضغوطة توزع على نطاق واسع, وقد اصبح للمنشدين الصوفيين ايضا شهرة عريضة هنا وخاصة الشيخ ياسين التهامي, والشيخ أحمد التوني, وكلاهما من صعيد مصر. من الصعيد أيضا جاءت فرقة تحطيب من ملوي قدمت رقصاتها بصحبة فرقة (الورشة) المسرحية التي يشرف عليها الفنان حسن الجريتلي وخصصت لها أمسية كاملة خلال الاحتفالية, أما الموسيقي النوبي محمود فضل فقدم عرضا خاصا, وبالنسبة لي كنت أتعرف عليه لأول مرة. لم تكن الموسيقى والاغاني والرقصات والمسرح فقط, لكن كان هناك المحاضرات العلمية ايضا. يوم السبت الخامس عشر من أبريل خصص بأكمله للحديث عن ثقافة الحارة المصرية, بدأ اليوم في العاشرة صباحا, واستمر حتى الخامسة بعد الظهر, تخللته ساعة للغداء فقط, وبرغم جدية الموضوعات المطروحة فلم ألحظ انصراف شخص واحد من الجمهور. المحاضرة الاولى كانت للدكتور فان دون هجر مدير المعهد الثقافي الهولندي حاليا في مصر, تحدث عن ثقافة القاهرة التي تضم عناصر ثقافية متعددة, ولكنها انصهرت كلها في بوتقة الحالة المصرية الخاصة المستمرة من العصور القديمة حتى الآن, اعجبتني ملاحظة عن ميدان باب الحديد, إذ يضم هذا الميدان تمثالاً لرمسيس الثاني من مصر القديمة, ومبنى المحطة من الطراز العربي, أما الجسر الخرساني فيمثل الحداثة, تناول تاريخ القاهرة منذ العصر الفاطمي, النظم والفنون والعمارة خلال العصور المتوالية. تلا المحاضرة أسئلة الجمهور والتي توالت كالآتي وأجاب عنها مدير المعهد. ما هو وضع الاقباط الآن في مصر؟ أجابة: الاقباط مصريون مثل المسلمين والعلاقات بينهما جيدة جدا, أحيانا تحدث بعض المشاكل ولكنها تمثل استثناء.