أصيلة قليلة هي المدن التي شعرت نحوها بالألفة للمرة الاولى التي أراها فيها, كما لو كانت هذه المدن القليلة تنهض من الذاكرة, وتتجسد واقعا حيا لذكرى عشت بها طويلا دون ان أنتبه إلا على تحققها في هذه المدينة او تلك, وأصيلة واحدة من هذه المدن التي سكنت ذاكرتي فور ان رأيتها, ربما لأنها لم تفارق هذه الذاكرة اصلا, وظلت حلما في داخلي اشتهي تحققه امام العين الباصرة بعد ان لمحته طويلا بعيني الخيال في دنيا الذاكرة المستحيلة, ولا أعرف ان كان لدلالة اسم (اصيلة) صلة بهذا النوع الغريب المفاجىء من الالفة التي شعرت بها بمجرد دخولي الى هذه المدينة الصغيرة المتلفعة بالشاطىء الاطلسي للمغرب, جنوبي طنجة وشمالي العرائش. المؤكد ان الاسم دال على عراقة هذه المدينة فينيقية الاصل التي اعاد بناؤها خليفة قرطبة الاموي الحكم الثاني سنة 966 ميلادية, والمؤكد كذلك ان الاصالة قرينة تاريخها الذي ظل يواجه الغزو طويلا منذ النصف الثاني من القرن الرابع عشر, حيث مر بها البرتغال والاسبان, وقصفتها المدافع النمساوية, الى ان تخلصت من الغزاة تماما, وعادت الى اصلها المغربي في المملكة المغربية. ربما كان عبق التاريخ الذي يتضوع مع رائحة البحر النفاذة التي يزدحم بها هواء هذه المدينة هو ما جذبني اليها, وما جعلني اشعر بأنني اعود فيها الى بعض الاصل الذي انتسب اليه, كما تعود بها هي لتجسد هذه الذكرى البعيدة المطمورة في ثنايا الذاكرة, منتظرة لحظة البعث او التحقق او الكشف او المعاينة, هذه اللحظة هي نفسها اللحظة التي اخذتني فيها أصيلة عندما اقتربت منها ليحتويني شارعها الرئيسي الذي سرعان ما أسلمني الى بيوتها البيضاء المحاطة بالبحر كالنعمة, والمتراصة في تناغم كنقوش لوحة موزعة ما بين مكعبات الابيض وتموجات الازرق الذي يمتد في الافق الذي يتجاوب فيه البحر مع السماء, وعندما سرت في طرقات المدينة الضيقة المتعرجة كالحديث العفوي بين الاحياء خلت نفسي اندفع ضمن تيار رقيق متدفق من ماء رقراق, داخل مجرى متوثب بالحيوية التي تدفعه في معانقة كل ما حوله من صخور تلفه بلونها الابيض الودود. و (اصيلة) هي بلدة صديقي محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الحالي, وسفير المغرب السابق في الولايات المتحدة, ووزير ثقافة المغرب الاسبق, وواحد من ألمع عقول المغرب الاقصى نشأ في مدينته الاصيلة, وانطلق منها الى عواصم العوالم الواسعة التي شملت القاهرة التي درس فيها وظل وفيا لها, كما شملت باريس ونيويورك واديس ابابا وروما وغيرها من العواصم التي حمل اليها محمد بن عيسى اصيلة التي ظلت في جوانحه كالنبع الذي يغري بالعودة الى صفاء مياهه واصالة ما حوله, شأنه في ذلك شأن صديقه محمد المليحي الذي يبدو لي كأنه ما طلب بعد الدار عن اصيلة الا ليعود اليها, وما جافاها في المكان الا ليعرفها في بهاء حضور الزمان, وحين عاد اليها رسم حلمه بها على جدرانها وفي طرقاتها, متموجا كالبحر الذي يغير الوانه في كل درجات الازرق الذي ينوس ما بين الضوء والعتمة, ولا يختلف المليحي في ذلك عن بن عيسى فكلاهما جناحا الحلم الواحد الذي خلفته اصيلة في ابنين من أبر ابنائها بها واكثرهم اخلاصا لها وحرصا عليها. هكذا قرر بن عيسى والمليحي سنة 1976 الترشح للانتخابات البلدية في مسقط رأسيهما, هادفين بذلك الى ان يجسدا في بلدتهما الحلم الذي اكتملت ملامحه في وجدان كل منهما عبر سنوات الابتعاد عن المدينة الاصل والرحم, وافلحا في ان يتبنى مجلس المدينة الصغيرة شعار (الفن والثقافة من اجل التنمية) ولا شك ان خبرة بن عيسى خلال سنوات عمله في الامم المتحدة, هي التي حفزته الى ان يؤسس مع صديقه المليحي ( جمعية المحيط الثقافية) سنة 1978, وهي جمعية مخصصة للاهداف الثقافية الخالصة التي لا تبتغي الكسب المالي, ولا تغرق نفسها في مشكلات السياسة المتغيرة, حريصة كل الحرص على الوصل بين الاصالة والمعاصرة, والجمع بين الحداثة والتقاليد وكان هدف الجمعية, ولايزال منذ لحظة انشائها تجسيد هوية منفتحة على منجزات العالم بأسره, دون تخل عن جذور المدينة الممتدة في تاريخها العربي. ذلك التاريخ الذي يحمل عناصر القوة التي تستأصل عناصر الضعف, خصوصا في سعي الجمعية الى تحقيق وعود المستقبل المفتوح بلا حد, على امكانات التقدم المتواصل والتنمية التي لا تتوقف. ومن نشاط هذه الجمعية انطلق المهرجان السنوي الذي عرف باسم (موسم اصيلة الثقافية) وكان اختيار كلمة (الموسم) نفسها تعبيرا عن الرغبة في تجسيد اصالة الوعي المفتوح على العالم, والمعتز بهويته في الوقت نفسه, وقد تأكد حضور هذا الوعي بالممارسات الابداعية التي مارستها الجمعية, فأعادت ترميم المباني القديمة واعادت الى قصر الريسوني بعض بهائه, وللأسوار المطلة على البحر رونقها, واطلقت المبدعين ليصوغوا جداريات من الابداع الجديد الذي اخذ يفترش جدران المدينة التي تحولت الى معرض للابداع العالمي, ووجد الاطفال ما يفرحهم بالاسهام في حركة البناء, ونصب الصقالات وحمل دلاء الألوان للفنانين الذين يرسمون الجداريات, وسرعان ما تسرب هؤلاء الاطفال الى محترفات الفنانين التي تأسست, فنمت في اعماقهم جذوة الفنون التي وجدت الرعاية في المحترفات الفنية التي انشئت خصيصا لهم. وكان من نتيجة نشاط جمعية المحيط ان فاز محمد بن عيسى في الانتخابات البلدية, وصار رئيس البلدية, وصار صديقه المليحي نائبه الاول, فتمكنا من ترميم اسوار المدينة كلها واعادة تأهيل المساكن وتجديدها, وتطوير شروط السكن, اضافة الى تنمية الفضاء الهندسي والمديني, وبناء ميناء للصيد البحري وشبكة جديدة للماء والكهرباء والاتصالات, الامر الذي اكد جدارتهما بالحصول على جائزة اغا خان للهندسة المعمارية سنة 1989 خصوصا بعد ان اكتمل تألق اصيلة بالحدائق والنوافير والطرقات المرصوفة بحجارة ملونة جعلت من الطرقات نفسها لوحات ممتدة. وتبع ذلك انشاء مركز ثقافي للملتقيات الدولية على مساحة الفي متر مربع, يضم قاعات للمحاضرات والعروض وصالات للمعارض وكافيتريا ومكاتب, كما اكتمل ترميم قصر الريسوني الذي يعود الى بداية القرن ليغدو صالحا لاستضافة الفنانين والمفكرين والباحثين من كل انحاء الدنيا. هكذا اصبحت اصيلة المدينة الصغيرة التي كاد يطويها النسيان اعجوبة من اعاجيب الدنيا المعاصرة ثقافيا, لا نظير لها في العالم العربي كله, سواء من حيث التنسيق المعماري الذي يتجسد بالجداريات والطرقات التي غدت لوحات لا نظير لها, او من حيث الانشطة الابداعية والثقافية التي تتكرر فيها كل صيف, او من حيث الحرص على تحقيق الوان التناغم بين الثقافات الافريقية في القارة التي تنتسب اليها اصيلة والثقافة العربية التي تصل اصيلة بمحيطها العربي الواسع, او من حيث ما تقوم عليه هذه الانشطة من تأكيد معنى التنوع البشري الخلاق الذي لايفارق الاعتزاز بالهوية الثقافية, ولا غرابة, والامر كذلك ان تعرف اصيلة الوجوه الثقافية العربية والعالمية البارزة, وتجمع الشعراء بالنقاد, والمفكرين المبدعين, وابناء افريقيا بأبناء اسيا, وابناء الجنوب بأبناء الشمال, وذلك في مواسمها المتكررة التي اصبحت فضاء مفتوحا لكل الوان الابداع الحر والفكر الخلاق. واحسب ان عشاق معنى (التنوع البشري الخلاق) لابد ان يجدوا في انشطة اصيلة الثقافية تجسيدا لدلالاته, فالمدينة التي تعتز بتراثها المغربي لا تفلت ـ قط ـ كل مايصل هذا التراث النوعي بجذوره التي تضعه في مكانه الحقيقي من وحدة التراث العربي المتكامل في امتداده من المحيط الى الخليج ومن اقصى الشمال الى اقصى الجنوب, وهي المدينة نفسها التي تفتح فضاءها للحوار الثقافي مابين المشارق والمغارب العربية وفي الوقت نفسه تؤسس لحوار صحي بين الثقافة العربية بتنوعها والثقافة الافريقية بثرائها اللافت الذي يضيف دلالات التعدد الى دلالات التنوع وهي نفسها المدينة التي تعي حضورها على المحيط الاطلسي واصلة بين احلامها وما يقع على الضفاف الاخرى من المحيط الاطلسي, تماما كما تصل بين احلامها وما يقع على الضفاف الاخرى من شواطىء البحر الابيض المتوسط التي تقع غير بعيد منه, ولذلك عرفت انشطة المدينة الحضور الكوزموبوليتاني للابداع, واتاحت للمبدعين على اختلاف اجناسهم ولغاتهم واقطارهم حوارا من نوع جديد, حوارا يفتح ابواب الأمل في تأكيد اخوة انسانية تجاوز كل تحيزات العرق او الجنس او الهوية المنغلقة على نفسها كالقبر, ولا جدال في ان شخصية محمد بن عيسى عامل مساعد وعنصر حفاز على المضي بهذا الحوار الى ابعد آفاقه يعينه على ذلك مجموع من اصدقائه ومحبيه وتلامذته الذين يستحقون جميعا التقدير. والمؤكد ان التركيبة الفريدة لمدينة اصيلة التي تجمع ـ الى جانب ذلك, او بسبب ذلك ـ ما بين ابداعات الماضي وابداعات الحاضر, واصالة المعمار الى جانب اصالة الفنان الانسان, مضفورة بتناغم الطبيعة والثقافة, وتناغم الوان الفنون والآداب والافكار. اقول المؤكد ان هذه التركيبة الفريدة هي السر وراء ما تتركه في اعماق زائرها الذي يظل على عشقه لها, ورغبته في استعادة لحظة تعرفه الاول عليها, خصوصا في النقطة التي يسقط فيها الزمان على المكان, حيث يتجمد عنفوان البحر وشهوة الحياة مع لطف ملامسة الفنان للجدران التي تحولت الى لوحات شاهدة على قدرة المثقف على ان يصنع من اصالة واقعه ما يظل اصيلا على الدوام في اصيلة التي أراها اسما وصفة في كل آن.