من أروع ما قاله الشعر العربي واصدقه: وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً تدعك عينيك, تنهض قبالة الفجر, لا شيء في البيت سوى مرآة تعكس ملامح وجهك, وخرير الماء المتدفق من الصنبور يعزف سيمفونية الوقت. وحدك تثرثر, تتمطّى, تضع رجلاً في الأمام, وأخرى في الخلف, وبعدها تسافر في مقصورة نفسك, تخلع عباءة جسدك, تحتضن الأشياء, تذوب, ويسمع صدى خيوط الصباح تزحف من البعيد, ويلتهمك المدى. عيناك دقائق الزمان, ورجلاك خيوط المكان. تنفض عنك الطمأنينة والسكينة, وبمئزر الخوف تأتزر, مثلك كمثل ملامح تائه يرد الأشياء المحيطة به أشباحاً صامتة, تهم على الكلام, تبادره بصمتها الرهيب, ويكلمه الموج بأبجدية الهدير. وترى ثقب الموج, الباب, النور, الظلام, الهاتف, وتسري في أوصالك. تقف, ويستغرقك التأمل. وفجأة يملأ مساحة المكان مراهق بضجيج عجلات سيارته الحديثة, يستعرض قدرته في السواقة ومهارته في ارسال الخوف. وفي شارع آخر, تسمع فرقعات دراجة نارية تنطلق كالبرق.. ضجيج ويمتلىء المكان. إنه حقاً, كما يظنّ نفسه, الأكمل والاقدر والاشمل في صناعة الخوارق. ودوماً تشاهد أخرق قلبه خال من الرحمة, يغتال المروءة, ويمزّق الفضيلة, يبعثر أجساد من حوله, ثم يتبعثر. ناهيك عن جنس خسيس من البشر, تلوث لسانه بالقار, فلا يستطيع منه فكاكاً, فيقوم بالقاء الشتائم على من حوله ليريح عضلة فكيه مما علق بها, يمارس الجور والتعسف على اختلاف صوره واشكاله, بلا مخافة من الله ولا تدبير ولا بصيرة. إنه شاهد حي على تدني الخلق, والانكى من ذلك, هامة بصورة بشرية, يساورك الشك منها ما ان تراها, فلا وعدها وعد وما عهدها عهد, تبطن وجهاً, وتظهر آخر, تبالغ في اتباع طرق ملتوية تقودك الى سراديب مظلمة, تبحث عن ضوء كاذب وفرشاة لرسم هالات حول هامتها المنتصبة الخالية من كل شيء إلا الفراغ. هذا الذي اسس على النفاق والمجاملات المصطنعة.. إنه حقاً الضجيج الذي ينبت في الخواء ويتحكم في بنية العقل. ويكفي أن نذكّر: (لسانك حصانك, إن صنته صانك) . محمد خليفة