هذا الاستقبال البارد مطار كنيدي في نيويورك.. خرج المسافر (كاتب السطور) من المنطقة الجمركية الى ساحة المطار خائفا يترقب.. مثل أي مسافر دولي واع ومجرب فقد ظل يتابع نشرات الطقس في نيويورك عبر شبكات الأخبار.. آخر نشرة أفادته كتر الله خيرها بأن الجو بديع وإن شابته برودة محببة حيث الحرارة عشر درجات مئوية. كم نصحه ذووه أن يأخذ معه زادا لا يغني من المعاطف والجواكت لزوم التدثر ولكن قاتل الله الغرور فقد كان لسان حاله يردد باستمرار.. إحنا يهمنا؟ نحن لها وعشر درجات في نيويورك أمر محمود بل يكاد يكون محببا إذ يبشر بمقدم الربيع من ناحية ويتيح فرصة الاستمتاع بطقس لا رطوبة فيه من ناحية أخرى. خرج المسافر القادم من الجنوب خائفا يترقب بعد أن أذاعت المضيفة المصرية أن درجة الحرارة في نيويورك أصبحت صفرا بالتمام والكمال.. وأين هو الكمال في هذه المفاجأة الطقسية التي أحدثت هذه الطفرة الهابطة بمقدار عشر درجات مئوية حتة واحدة.. ثم زاد الأمر تفاقما عندما فوجئ المسافر بتلك الفوضى الضاربة أطنابها في مطار جون فيتزجيرالد كنيدي الذي يضربون به المثل على الانضباط والترتيب وتنسيق الخدمات. وأصل الحكاية أن المطار يتعرض لعملية اصلاحات وتحويرات شاملة في مساراته وخدماته ومرافقه.. يخرج المسافرون من بوابات الوصول فاذا بهم ازاء مواقف سيارات وصافرات شرطة ومشاجرات سائقين وتوترات في الأعصاب. هنالك عرف القادم من بلاد الجنوب معنى الفوضى كابوس كما قرأنا عنها في فلسفات اليونان, أو كما صورها العرب الأقدمون بالوضع الذي اختلط فيه الحابل بالنابل.. ولسنا ندري ما هو الاضطراب الشديد والجسيم الذي يمكن أن ينجم عن اختلاط الحبال بالنبال (ثم تصور أعزك الله ان كان الأقدمون يخرجون الى ساحات الوغى وفي يدهم حبل أو نبلة). المهم أن نيويورك استجمعت كل ما حفل به طقسها المتغير من برودة وصقيع ثم أودعته صدر الكاتب المسكين القادم بحسن نية مطلق من بلاد اليعاربة ذات الشمس المشرقة وأحيانا المحرقة كما لا يخفى عليك.. وكان أن أمضينا أيام الأسبوع الأول من زيارتنا الراهنة للولايات المتحدة رهن محابس شتى بين محبس الفراش, ومحبس المضادات الحيوية التي تهد لفرط جبروتها رواسي الجبال. والانسان عندما تخور قواه وتفرض عليه عزلة المرض, لا يجد أمامه من سبيل سوى الاشتغال بحرفة الفلسفة.. بمعنى التأمل الفلسفي ان شئت التدقيق.. وهكذا فقد (اهتبلناها) فرصة لكي نتأمل ما قد يكون استجد على أحوال وتداعيات الشأن الأمريكي منذ سفرتنا السابقة للعمل في الأمم المتحدة وقد انتهت عند مطالع خريف العام الماضي.. أول ما يفاجئك في هذا السياق هو استشراء العنف الذي تتردد اصداؤه مع الأخبار اليومية في أمريكا, وهو ليس عنفا لغويا أو بلاغيا يكتفي أصحابه بقدر من الشتائم أو التراشق بالألفاظ وعندنا منه في العالم العربي كثير.. لكنه عنف (بالمعنى الحرفي الكامل للكلمة) عنف مسلّح لا يستهدف الاحتجاج أو التهديد أو حتى النذير أو الردع. بل يستهدف نفي الآخر ببساطة وبغير مواربة. تأمل مثلا كيف اجتمع القوم في كنيسة محلية متواضعة في إحدى ولايات الوسط لتعميد طفل وتلك مناسبة أكثر من عادية وأكثر من متواترة وأكثر من مكرورة.. والحاصل أنه خلال اداء الطقوس عنّ لواحد من الحاضرين أن يخرج سيجارة من علبته ويهّم باشعالها لزوم الكيف وارضاء المزاج العالي. وكان أن لفت القوم نظر صاحبنا الى منع التدخين داخل المعبد وخلال شعائر يقومون بها.. والأكيد ان كان ذلك بأدب ولباقة.. ولما كان للتدخين سطوة وصولجان والسيجارة مليكة متوجة على عرش المزاج فقد ظل صاحبنا سادرا في سلوكه ممعنا في حكاية الاشعال ونفث الدخان اللذيذ.. لدرجة أن طلب منه الحاضرون أن يخرج من المكان فيتاح له أن يفعل ما يريد.. وبالفعل خرج الرجل من المكان, لا ليشعل سيجارته وكفى الله المؤمنين, ولكن ليستقل شاحنته ويقتحم بها عنوة واستفزازا مبنى الكنيسة المتواضعة. وإن هي إلا لحظات حتى وجد الناس أنفسهم وقد اقتحمت عليهم ساحة الكنيسة شاحنة تهددهم بالدهس والدعم والفناء.. كل ذلك من أجل سيجارة. ولقد حللنا بالأرض الأمريكية وقد شغلت نفسها أيّما انشغال بحكاية طفل كوبي أنقذوه من فوق قارب متداع وكان في طريقه تهريبا من كوبا الى السواحل الجنوبية الشرقية للولايات المتحدة.. ولك أن تعجب العجب كله ازاء كل هذا الانشغال أو الخيلة الكدابة كما يقول المصريون وخاصة بين صفوف أهل (هافانا الصغيرة) وهو الحي الكوبي في ميامي بولاية فلوريدا وتضم هذه الصفوف قوما استبد بهم الحقد على نظام فيدل كاسترو الى درجة العمى المغرض والبغض الموتور.. منهم مخضرمون شاركوا في موقعة خليج الخنازير الفاشلة التي شنتها أمريكا في أول عقد الستينيات من القرن الماضي لغزو كوبا واسقاط كاسترو ومنهم عملاء للمخابرات الأمريكية لم تعد لهم شغلة ولا مشغلة سوى رسم مخططات لاغتيال الرجل أو اطلاق الدعايات للتشنيع على نظامه وتصوير الأمر على أن شعب كوبا اللاتيني يعيش في ظل كاسترو بين أسوار سجن مقيت وكبير (قرأنا بالمناسبة تقريرا خلال زيارة سابقة يشهد بأن المستوى الصحي في كوبا مرتفع بفضل وعي الوقاية الصحية وأن الأطباء الكوبيين يشاركون في مجالات رفيعة للبحث العلمي على مستوى العالم, وكان التقرير منشورا في صحيفة (نيويورك تايمز) . ومن عجب أيضا أن يستحضروا والد الطفل الذي جاء من كوبا مطالبا بحضانة ابنه ولم يعد له سواه في هذا العالم, ومع ذلك فهم ينظمون المظاهرات والمهرجانات ويرفعون الشعارات التي ترفض تسليم الطفل للأب كرمال عيون الاعتبارات.. الانسانية كما يقولون, وان كان كاسترو نفسه يقول إنها محاولة لاثبات مدى قوتهم في الشارع أمام مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في سنة انتخابات يحسم فيها منصب الرئاسة الأول في أمريكا وفي هذا السياق يطلق عليهم كاسترو وصف (هافيا ميامي) .