على خشبة المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق قدمت مونودراما (البانيو) من اعداد ماهر جلو وإخراج عبدالحميد خليفة وتمثيل بثينة سلوم وهذا العمل المسرحي يأخذنا مباشرة الى مقولة رئيسية حول تماهي المرأة مع ذاتها ومجتمعها، وبالنهاية حالة القمع التي تعيشها عبر الفتاة (أحلام) التي تبدأ سرد قصتها وهي مسكونة بالخوف وتنتظر لحظة القبض عليها لارتكابها جريمة قتل الزوج الثاني الذي اوصلها إلى حالة تتوضح معالمها ضمن سياق العرض ومن خلال مجموعة المشاهد التي تتناول الحالات التي مرت بها شخصية المسرحية, فهي فتاة تعاني الحرمان الشديد من حنان أمها بل تعيش حياة قمع حقيقي مع الأم التي لا تتوانى عن ضربها وسجنها وبالمقابل تجد العطف من الاب الذي يعيش حالة تشابه حاله ابنته فالزوجة متسلطة ومهمشة لزوجها ولرجولته, فلا يجد الأب والابنة سوى ضم المأساة الرئيسة في هذا المنزل إلى الحالة النفسية المتشابهة بينهما حتى يتوصلا إلى علاقة غريبة يجمعهما القمع والاضطهاد. وإذا كان العمل يحمل عنوانا غريبا هو (البانيو) فلأن حوض الحمام هو الملاذ الوحيد للابنة التي تستطيع من خلاله ان تفرغ شحناتها النفسية المتراكمة وتهرب بها إلى عالمها الخاص وبذلك فقد تركز ديكور العرض على (البانيو) فقط الذي تلونت مياهه بلون الدماء كدلالة واضحة على الاغتصاب والقتل, فالقتل يتوضح حينما تأخذ (أحلام) سرد قصتها امام صديقاتها التي تتخلى عنها وتزيد من التهامها بينما (احلام) تحاول الدفاع عن نفسها متخيلة أنها وراء القضبان وأمامها القاضي الذي ترجوه ان يتفهمهما فهي قد تزوجت بداية من فنان شاب جعلها تترك دراستها ولكنه لم يلتزم بهذا الزواج بل بدأ يظهر ملله منه إلى أن توصلت أحلام للحقيقة المرة وهي خيانته لها وهنا تحاول الممثلة بثينة سلوم ان تعيش شخصية مختلفة إلا أن هذه الشخصية تبقى في الاطار الأول للفعل المسرحي فيكون التلوين مقتصراً على بعض النبرات الصوتية كون الانتقال أتى مفاجا بين الحالتين, فالحالة الأولى هي حالة العشق مع الفنان سامي اما الثانية فهي حالة الكره امام الخيانة وموت الأم التي ترث عنها الابنة ثروة معقولة وتقوم بافتتاح مشغل خياطة الى أن يأتي رجل آخر الى حياتها ويعرض عليها العمل غير المشروع فتنقادله دون وجود المبرر النفسي الكامل لهذا الانقياد وتأخذ مسيرة حياتها شكلاً جديداً يدر عليها الأموال الكثيرة مما يجعل (الرجل) يتحمس لزواجها وضمن شروطها الصعبة إلى أن يستغلها بشتى الاشكال وتصل حالتها إلى قتله. هذا العمل رغم تداخل خيوطه إلا أن المخرج عبدالحميد خليفة استطاع أن يكشف لنا عن رؤيته الاخراجية وابتداعه للحلول المشهدية ضمن بناء المشهد الواحد وتآلف المشاهد, فهو يتعامل مع شخصية واحدة لكنها مركبة على مستويين أفقي وعامودي فالأول هو الخط الدرامي الذي يحتويه النص والثاني هو خلق المشهد الحركي وتأويله إلى فعل مما جعل العمل في غاية الصعوبة وضمن إمكانيات تمثيلية متواضعة لم تأت لتخدم هذا التركيب بل لعلها أوحت إلى القلق الذي عاشه المشهد بدلاً من التصاعد المتواجد أصلا في (الحكاية) بل إن الحركة بدأت تعاني من انخفاض مستوى ادائها وعدم التماهي مع الموسيقى الموظفة بشكل جيد لخدمة العرض والتي ألفها مع الاغنية (معن خليفة) معتمداً على مقام نهاوند (لا) ومستخدما مجموعة من الآلات إضافة الى الصوت البشري المنسجم مع الموسيقى محاولاً اعطاء مشهد الرقصة التي صممها (لاوند هاجر) طابعاً مختلفاً عبر الايحاء بتحريك الموسيقى الداخلية للممثلة أو بتنقل الآلات لتعطي توافقاً مع الحالات المركبة والمختلفة التي تمر بها الشخصية. جاءت اضاءة ماهر هربش متناسقة مع الديكور البسيط الذي اعتمد على (بانيو) زجاجي يتوسط خشبة المسرح متحولاً الى غرض رئيسي من اغراض العرض (ديكور محمود خليلي) وهذا كله استطاع ان يقدم عملا اهم ما فيه انه يتناول المجتمع بواقعية قد يبدو فيها للوهلة الاولى شكلا من اشكال المبالغة ولكن سرعان ما يتوضح ان الواقع اقرب الى هذا العمل فهو يعالج قضية من قضايا المرأة ورغم تعدد وجوهها وحالاتها الى أنها في النهاية تعبر عن حالة حقيقية فيها الكثير من الشفافية رغم مرارة الحالة وفيها الكثير من الجهد الواضح لإيصال هذا العرض المونودرامي (الممثل الواحد) ولكنه متعدد الشخصيات والمقولات التي يلخصها مؤلف العمل ماهر جلو بقوله: أحلام.. امرأة تمردت على نفسها وعلى عالمها هرباً من الجنون فهل نحن جميعاً مقهورين إلى هذه الدرجة من الغثيان؟.. ربما!! وطوبى لنا بهذا العالم طالما أننا لا نجد مساحة للحلم. وأما لماذا اعتمد العمل على الممثل الواحد فيرى المخرج عبدالحميد خليفة ان المونودراما فن يربط الحكاية بالمسرح وهو رغم كل العوائق يحقق حضورا دوليا متزايدا وتقام له المهرجانات, ويقول متسائلا أفلا يحق لنا ان نجرب.. هي تجربة نؤمن بها.. وأنتم الهدف. فهل حققت مونودراما (البانيو) هدفها من خلال العرض الذي قدمته, لعل المحاولة بذاتها قد حققت الهدف بشهادة الحضور الجماهيري الكثيف الذي شهده المسرح والحورات والنقاشات الكثيرة التي دارت حول هذا العرض فهو أولاً وأخيراً قد طرح مجموعة من التساؤلات الملحة, والتساؤل هدف رئيسي من أهداف الفن. دمشق ـ محمد أحمد يوسف