المسرح صيرورة حضارية تسعى الى استجلاء مظاهو الحياة الكامنة في الماضي, لتعبر عن الحاضر, وذلك بهدف التأسيس لمسرح ينفتح على الفكر الانساني في سياقه المبدع والمضيء لكل ما هو جديد. تقتضي الضرورة ان تتخذ صيرورة المسرح العربي, مسار العودة الى التراث الشعبي لاستلهام كل ما هو حي من مكنوناته, وذلك بهدف التأصيل لهذا المسرح, بما يعبر عن الواقع الراهن. فتكثفت الكتابات النظرية في هذه القضية, وتعددت الاعمال المسرحية التي استخدمت عناصر التراث, كإطار ومضمون, ولكنها مالبثت ان اصطدمت باشكاليات اعاقت مسيرة هذا التأصيل, نسوقها في هذه المادة ضمن محورين اساسيين: ـ محاولات التأصيل, في اطار التنظير والممارسة. ـ واشكالية التأهيل. عندما لجأ المسرحيون العرب الى التراث الشعبي يستلهمونه, كانت دوافعهم قد ارتبطت بمجموعة من التحديات المتمثلة في سعي الغرب الى فرض ثقافته لطمس كل ثقافة وطنية, وفي الاحساس بالضعف أمام التقدم الغربي, وبالحاجة الضرورية لمسرح عربي الشكل والمضمون, يواجهون به الشكل الغربي للمسرح. فبرزت امام هذه التحديات, محاولات ابتدأت بأعمال النقاش والقباني, ومسرح سيد درويش الغنائي, ثم امتدت هذه المحاولات الى مرحلة الستينيات, لتنحصر في كتابات تنظيرية تحدد الاشكال التي تدعو الى ضرورة ايجاد صيغة عربية في المسرح, ما ورد في كتاب (قالبنا المسرحي) للكاتب توفيق الحكيم, الذي دعا الى استلهام الراوي والمقلد. وقد سعى الى تطبيق هذه الدعوة باستخدام السامر في مسرحية (الزمار) , وادخال الفنون الشعبية مثل الرقص, والغناء, والجرن, والمصطبة, في مسرحية (الصفقة) التي تدور احداثها في العراء, ثم استخدم بعض الملامح الشعبية المصرية القديمة ومزجها بأحدث مظاهر الفن الحديث في مسرحية (يا طالع الشجرة) . توظيف التراث الشعبي وقد وظف الحكيم التراث الشعبي بمختلف مكوناته: الاسطورية والدينية, والقص الشعبي, والمعتقدات الغيبية الشعبية, في اكثر من عشرين مسرحية تنوعت مصادرها بين يونانية وفرعونية, ما يشير الى انه تعمق في عملية الاستلهام التراثي الذي لم يقتصر على التراث الفرعوني والعربي, بل امتد ليشمل التراث اليوناني, وذلك ايمانا منه بأن: (القالب العالمي للمسرح السائد هو حصيلة متراكمة لكافة الشعوب والاحقاب, واستخدامنا له فيمن استخدمه من شعوب الارض في مشرقها ومغربها ليس فيه غضاضة.. بل فيه النفع والدليل على وجودنا في قطار الحضارة المتحركة. تشير هذه الدعوة الى ان الحكيم, وعلى الرغم من ان دعوته تهدف الى محاولة التأصيل لمسرح عربي, لم يتخلص من تأثير الغرب, ولم يتحرر من الشعور بالدونية تجاه الاخر ـ الغرب, هذا الشعور الذي ينسج خيطا مشتركا يشير الى بعده الفكري في معظم كتبه النظرية. لهذا يمكن اعتبار ان ما وصفه الحكيم بالقالب (العالمي) لا يتجاوز الشكل الغربي الذي نشأ بريادة الاغريق, فيقيم هذا الشكل في اجزاء العالم المختلفة ليدل على طغيان الثقافة الغربية وغزوها للثقافات الاخرى الاقل اصالة, وفي هذه الحال يصعب توحيد الثقافة وصبها في هذا القالب العالمي, لأن هذا التوحيد يتم بتعميم مفردات الثقافة الغربية, لتحل محل تراث الشعوب الاخرى, طامحة في السيطرة على ثقافات هذه الشعوب, وقولبة تفكير ابنائها والحاق شعوبها بشكل هامشي بالثقافة الغربية. من هنا ينبغي ان نستلهم هذا التراث العالمي, بوعي ومعرفة وادراك لأهمية هذا التفاعل, لابداع وخلق ما يتوافق وينسجم مع الواقع والروح المميزة لكل شعب من الشعوب. ولم تقتصر المسألة التنظيرية على توفيق الحكيم, فقد برز المسرحي يوسف ادريس الذي حاول استيعاب فعالية التراث بدعوة اتسمت بالنزوع الى التحرر من الهيمنة الاوروبية بشتى مظاهرها, ومن بينها الهيمنة الثقافية عامة, وفي المسرح تحديدا. فطالب بالتحرر من قبضة المسرح الغربي, وذلك بالعودة الى مسرح (السامر) الذي عرفه ابناء الريف والمدينة في مصر, ثم دعا الى تطوير هذا الفن الشعبي واعادة هيكليته ليفرز شكلا مسرحيا عربيا متحضرا. لكن هذه الدعوة لا تعني, بأي حال من الاحوال, رفض المسرح الغربي, بل ايجاد مسرح عربي مستقل مع الاستمرار في التفاعل مع التيارات الحضارية الغربية. وقد وضع ادريس نظريته هذه موضع التنفيذ في مسرحية (الفرافير) ذات المضمون الانساني الشامل: المساواة بين البشر, فأحالت هذه المسرحية المسرح كما يقول ادريس نفسه الى سامر شعبي تلقائي وجعلت من (الفرفور) او (زرزور) , كما عرفته الرواية في السامر, لسانا مصريا لاذعا. وهذه المحاولة للارتباط بالتراث والواقع الخاص, في سبيل خلق شكل مسرحي مصري, لم تجد حرجا من الاستعانة بالعديد من اقطاب المسرح الغربي من بيكيت (مشاهد من (جودو) وتسويف ظهوره وانتحار الانسان في شخص فلاديمير واستراجون) وبيرانديللو (في تداخل الحلم بالحقيقة) الى Goldoni والكوميديا ديللارتي. ولكن هذه التأثيرات الغربية في (الفرافير) لم تختلف من الناحية الشكلية عن المسرح المصري الحديث, فظلت في الروح والتركيب مصرية, وبدا يوسف ادريس مصريا يستمد مشاكله وهمومه ونظرته للحياة من تجربته العميقة في المجتمع المصري, دون ان تمنعه مصريته من التطلع الى آفاق فلسفية عامة. في اطار التصورات لكن هذه المحاولات, ابتداء من يوسف ادريس ومرورا بتوفيق الحكيم, ظلت في اطار التصورات لأنها تحتاج الى ممارسة مكثفة عبر الساحة المسرحية العربية, كما انها اقتصرت على بعض اعمال هذين المسرحيين, واستطاعت ان تترك بصماتها في عدد محدود جدا من الاعمال المسرحية العربية. وبالاضافة الى هذه المحاولات التنظيرية في قضية استلهام الاشكال التراثية, لقد قام عدد من المسرحيين باستلهام موضوعات من مصادر متعددة من التراث تنوعت بين ما هو ديني واسطوري وشعبي, كما تعددت معطيات هذا التراث نفسه ما بين احداث ومواقف وشخصيات وصيغ جمالية. من هؤلاء المسرحيين, نعود الى توفيق الحكيم الذي استحضر التراث بمختلف مصادره, وقد وجد فيه مادة غنية يمكنها ان تحمل هموم قضايا معاصرة, ولكن ببعد فكري تجريدي, يحلق فوق الواقع, ويلامسه بدون ان يتعمق فيه برؤية واقعية. فمصادره كانت شعبية في مسرحيتي (الصفقة) و (الزمار) واسلامية في مسرحيتي (اهل الكهف) و (سليمان الحكيم) , وتاريخية في مسرحية (السلطان الحائر) .. وتناول في هذه المسرحيات قضية الصراع بين العدل والقوة, والقدرة والحكمة, وقضية البحث عن الحقيقة.. واستلهم مسرحيون اخرون موضوعاتهم من التراث اليوناني. فمسرحية (اوديب ملكا) لـ سوفوكل, تناولها احمد باكثير تحت عنوان (مأساة اوديب) من منظور اسلامي, اذ حاول ان يفضح من خلالها رجال الدين المزيفين, وكذلك المسرحي علي سالم في مسرحيته (انت اللي قتلت الوحش) , حيث حاول ان يجعل الكاهن (ترسياس) رمزا للشعب المصري الذي لا يتنبأ فقط بما يحدث لمصر, ولكنه ايضا يساهم في تغيير حركة التاريخ. اذا كانت هذه الاعمال قد استلهمت التراث لطرح قضايا معاصرة, فإن اعمالا اخرى قد استلهمت منه شخصيات تراثية للغاية نفسها: فركز عبدالرحمن الشرقاوي على شخصية الحسين عندما كتب (الحسين ثائرا) و(الحسين شهيدا) . واستعان محمود دياب بشخصية صلاح الدين الايوبي في مسرحية (باب الفتوح) حيث اخذت هذه الشخصية بعدا اخر يختلف عما عرفناه في التاريخ العربي, فصلاح الدين, لم يكن المنتصر على الصليبيين, ولكن الشعب هو الذي انتصر عليهم, لذلك يصور المؤلف الانتصار التاريخي انتصارا قاصرا. وسعى ألفريد فرج للعودة الى التراث الشعبي بتوغله في قلب التراث يستنطق ما في اعماقه من معان وجماليات شكلية تخدم اغراضه الفنية, مستغلا اسلوب الحكاية الشعبية والقص المعروفين في (الف ليلة وليلة) , بما يدور فيها من حوادث خيالية ومواقف تتجاوز المعقول والمألوف, لما يحفل به من احلام وتهاويم براقة, وذلك بأسلوب يطوع التراث الادبي لشكل المسرحية الحديثة, ويلائم مزاجنا وروح الفكاهة العصرية. لم تقف هذه المحاولات عند توظيف احداث التراث وشخصياته, انما تعدت الى استلهام بعض الصيغ الاحتفالية كنوع من الردة ضد كل ما هو غربي, فظهر مسرح (البساطة) و(الحلقة) و(الحكواتي) , بهدف تشكيل فضاء مسرحي ينبعث من التراث, وقد ظهرت هذه التجارب في المغرب وفي لبنان. ان هذه الاطلالة المقتضبة على المحاولات التنظيرية الساعية الى التأصيل في المسرح العربي, وعلى استلهام التراث بكل مصادره وعناصره, من متن تراثي وشخصيات وأشكال مسرحية, في مرحلة برزت فيها التحديات السياسية والانطولوجية والثقافية, تضعنا امام اشكالية مهمة في هذاالزمن العربي الذي يتسم بالتراجع الحاد امام الهيمنة الكبيرة للنظام العالمي بكل ابنيته السياسية والاجتماعية والثقافية. فما الذي تستطيع هذه المحاولات تقديمه في اطار التأسيس لمسرح عربي متميز؟ التأصيل واشكالياته لعله من الصعب ان تطرح هذه القضية سواء على مستوى الظروف الموضوعية التي يعيشها الفن المعاصر عموما والفن المسرحي خصوصا, ثم المسرح العربي تحديدا, ام على مستوى الظرف الذاتي, كون المسرح ظاهرة ترتكز في بنيتها على عناصر متعددة في الشكل والمضمون ترتبط ارتباطا مباشرا بالبنية الثقافية والاجتماعية والسياسية السائدة. فبالنسبة الى المسرح العربي, وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت ازاء هذا الاتجاه التأصيلي منذ الستينيات حتى يومنا هذا, فقد برزت اكثر من حقيقة لتكشف عن اشكالية يعاني منها هذا الاتجاه, تقوم على عدة اسباب, نذكر منها على سبيل المثال: اولا: على الرغم من الانجاز النظري الواسع الذي قام به بعض المسرحيين العرب (ادريس, الحكيم, ونوس), يبدو ان حركة التأصيل لم تنتج سوى اعمال فنية متناثرة في انحاء الوطن العربي, وتتكون في جوهرها من بعض عناصر تراثية قليلة, ومن كثير من عناصر المسرح الغربي, مما يشير الى ان دعاة التخلص من هيمنة المسرح الغربي, ومن اسر منظوره وفلسفته التقنية, لم يتمكنوا من الافلات من هذه التأثيرات الغربية, (ادريس ـ الحكيم). ونحن في التركيز على هذه الاشكالية, لسنا من مؤيدي نظرية تحديث المسرح باستلهام التراث في دلالته الظاهرة على الانغلاق وافتراضه المركز للثقافة العربية في جميع الاشكال الابداعية مسرحا ورواية, ولكننا نرى ان التأسيس لمسرح عربي يكمن في الاستبصار الحقيقي لمسرح جديد, يمكن له ان يصاحب المتغيرات الجديدة في العالم, بدون ان يكتشف في يوم من الايام, ان بينه وبين الغد هوة عميقة, لا قرار لها, كما هي حال المسرح العربي الراهن, الذي لا يزال إما تابعا لأدوات الاخرين, او منغلقا عند هويته الثقافية. فليست التبعية المطلقة لثقافة اوروبية هي مؤشر انفتاح على الثقافة العالمية تماما, وليس استلهام الثقافة المحلية وحدها مؤشرا هو الاخر على تأصيل لامكانياتها دون امكانيات ثقافات الشعوب الاخرى. ثانيا: اقتصرت قضية التأصيل على مستوى الكتابة النظرية والدرامية المستلهمة من التراث بلغته وحكاياته وتاريخه, ولم تتطرق الى آفاق التقنية المسرحية. وادت قضية استلهام سعد الله ونوس وألفريد فرج, تعاملوا معه, باعتباره مادة لغوية وحماسية, من دون ان يعمدوا الى اعتباره مادة اولية مثل كل المواد التي يحولها رجال المسرح الى مادة درامية. مما ادى الى انتماء المسرح الى مجال الادب وغياب المنهج العلمي للتمثيل والاخراج. ثالثا: اتصفت الاعمال المسرحية المستلهمة من التراث, وكذلك بعض الصيغ والاشكال التراثية, بآنيتها. فهي لم تتمكن من الاستمرار. لقد حققت نجاحا في مرحلة زمنية معينة, ولم تعد تتسع لموضوعات اخرى, وقد هدفت الى تأصيل الحاضر الحي. هذا ما اتسمت به فرقة (الحكواتي) اللبناني, ومخرجها روجيه عساف اذ كانت تطمح لتأسيس مسرح اخر, همه الرئيسي مقاومة ما سماه روجيه بالمشروع التدميري الغربي للانسان المحلي, وذلك عن طريق تأصيل عادات وتقاليد وروح هذا الانسان, لا من خلال حكاية ذات مقدمة وعقدة وخاتمة, وانما من خلال القيام بما يشبه عملية المسح لهذه العادات والتقاليد والروح الاصيلة للانسان المحلي في سياق تاريخي معاصر متأزم ومحدد. وتميزت هذه الفرقة بتعاملها مع الحاضر فقط, ومع الحاضر الحي. ولكن ثمة اشكالية نجمت عن عدم امكان تعميم نهج هذه الفرقة, فعكست نوعا من القلق لعدم قدرتها على الاستمرار, وكان مخرجها روجيه عساف واضحا في خياره, عندما صرح بأنه في المرة المقبلة وذلك بعد عرض مسرحية (ايام الخيام) لن يلجأ الى هذا الشكل المسرحي, الذي سيزول برأيه ويفضي الى اشكال اخرى. وفي مقابلة لنا مع عساف, صرح _فيها آنية مشروع هذه الفرقة. عندما سألناه: (لو اردت ان تعيد اعمالك السابقة بسياق تخضع فيه لما تدعو اليه اليوم, فما الذي يمكن ان تغيره؟) . اجاب بصراحة: (هذا مستحيل, لقد قمت بهذه الاعمال في مرحلة سابقة انطلاقا من معطيات تلك المرحلة) . واذا لم تتمكن هذه الفرقة من الاستمرار, فهذا لا يعني انها لم تساهم مساهمة جدية ومهمة في توظيف (الحكواتي) كشكل مسرحي وتطويره وعصرنته, ولكن هل تستطيع الاشكال المسرحية الاخرى, كمسرح (البساط) , و(الحلقة) و(خيال الظل) استيعاب الحاضر والاستمرار في مواجهة التحديات الملحة والمعقدة في هذه المرحلة, لا سيما وانها ظهرت في مراحل سابقة ولاءمت طبيعة الحياة آنذاك, وعبرت عن مستوى محدود من الصراع الاجتماعي عرفته مجتمعاتنا السابقة, زمن العبودية والاقطاع.,. فهل تستطيع ان تعبر عن طبيعة حياتنا في العصر الحديث؟ ولكن يمكن لهذه الاشكال الغنية والقيم الثقافية اجمالا الاستمرار, وبالاخص كما يقول الناقد محمد دكروب: (عندما يستطيع الفنان المعاصر ان يطورها ويوظفها ويشحنها بمحمول زمانه) . التراث اتجه الى التقنية لم تؤد المادة التراثية الى شكل مسرحي عربي, وكل المسرحيات المتوسلة بالقص الشعبي او التاريخي, مستلهمة هذا الشكل او ذاك من اشكال الفرجة العربية, قد استفادت الى حد كبير من تقنيات مسرحية متقدمة, على شكل ما يدعو له بريشت وبيراندللو في لعبته المسرح داخل المسرح. ولكن ما ينبغي التركيز عليه هو: طرح اشكالية المجتمع في سبيل بناء مسرح عربي, وليس طرح اشكالية الشكل او استعادة (الحكواتي) , مما يعني ان الاصيل لابد ان يكون معاصرا. ادت هذه المحاولة الاستلهامية الى افتقار المسرح لامكانية الانفتاح على ثورة الامكانات البصرية وتكنولوجيا الصورة. ان تطور المسرح يقتضي تأسيسا بصريا يثور على سلطة النص المسرحي, عن طريق عقلنة الكلمة بالصورة او الحركة.. فالكلمة على المسرح روح مضللة, وبلاغة لا يمكن عقلنتها, طالما هي معزولة عن تكنولوجيا الصورة, وقد اخترقت هذه الامكانيات اعمال بعض المسرحيين القلائل امثال جواد الاسدي, الذي يحاول الربط بين عقل النص وفكر المخرج عبر تلاحم الكلمة بالبصر, معتبرا, ان احدى اهم الاسباب لتخلخل مسرحنا العربي (اعتماده المطلق على الذاكرة السمعية وعدم السعي لتأسيس البصريات السمعية. برزت بعض المواقف من استلهام التراث, تدعو الى رفض الاشكال التراثية, معتبرة انها تعثر عملية تأصيل المسرح وغرس تقاليده في مجتمعاتنا, وبالتالي فهي تفترض ان طبيعة الحياة وصراعاتها تقتضي شكلا مسرحيا راقيا قادرا على تجسيدها, يتحدد في الشكل الاوروبي للمسرح, الذي لم يعد اوروبيا, بل تجاوز ذلك, ليصبح منجزا حضاريا عالميا وهو برأي هذا الطرف, الاقدر على استعجال حركة مجتمعاتنا في سيرها نحو التقدم. ان هذا الموقف المعارض من استلهام التراث, يدعو الى الانطلاق من الشكل الاوروبي, مما يعني انه يدعو الى طمس الخصائص القومية للثقافة, ونفى كل ما هو خاص ومميز. وتماثل هذه الدعوة ما اشار اليه توفيق الحكيم في كتابه المذكور سابقا, وهي دعوة تكرس السيطرة الغربية على الثقافة العربية, خاصة وانه كما يقول الناقد محمد دكروب: يحاول ان يحجر على الضرورة الدائمة للبحث والتفتيش والتطوير. وختاما, يمكن التأكيد على ان هذه المحاولات الداعية الى تأصيل مسرح عربي, ابتداء من يوسف ادريس ومرورا بتوفيق الحكيم.. وصولا الى الجماعات المسرحية العربية المعاصرة, هي تصورات تحتاج الى الممارسة حتى تستمر, ويصير باستطاعتها ان تواجه الغزو الثقافي, الذي يزداد حدة اليوم, امام ثورة الاتصالات ووسائل الاعلام التي دعمت الهيمنة والاستلاب, ولا يكون البحث في تأصيل مسرح عربي عن طريق استلهام التراث الشعبي للانغلاق فيه, فالمسرحي يستطيع ان يستلهم التاريخ او الاسطورة العربية او اليونانية, شرط ان يكون استلهامه التراث معاصرا وقادرا على طرح اشكاليات الواقع الراهن برؤية واضحة وعميقة. المصادر توفيق الحكيم, قالبنا المسرحي, مكتبة الآداب, القاهرة, 1972. بول شاوول, المهرجانات المسرحية واشكاليات المسرح العربي, مجلة (الطريق) , عدد ,1 فبراير, 1986. لقاء لنا مع روجيه عساف, تحت عنوان (الاسلام اعاد ممارستي المسرحية الى موقعها الطبيعي, مجلة الفكر العربي, عدد 69, 1992. محمد دكروب, نحو تأصيل للمسرح العربي الحديث, مجلة (الفكر العربي) , عدد 69. سعد الله ونوس, بيانات لمسرح عربي, دار الفكر الجديد. جواد الاسدي, تكهنات في تأصيل المسرح, مجلة (الفكر العربي) , عدد ,69 1992. بقلم: د. وطفاء حمادي