شكل الإعلان عن منح جائزة نوبل هذا العام للأديب الألماني جونتر جراس, تتويجا لمسيرة طويلة وشاقة من العمل والأمل, ونهاية منطقية لحملة ترويج جهنمية للرجل وأعماله, وكان حصل قبلها على عدد كبير من الجوائز الأدبية والفنية والسينمائية, معيدا بتعدد مواهبه كشاعر وروائي ونحات ورسام, تقاليد عصر النهضة الإيطالية الى الأذهان, حين كان مفهوم (المبدع الشامل) ماثلا من خلال دافنشي, ومايكل انجلو وغيرهم. لكن من هو جونتر جراس؟ وما هي أهم أعماله؟ ضمن أي تصنيف أدبي أو فني تندرج هذه الأعمال؟ هذا ما سنعرض له من خلال عرض موجز لحياته, مع الاشارة الى بعض المؤثرات البارزة التي أثرت فيه, وحقق من خلالها هذا الانجاز, انجاز نيل صك اعتراف جديد من أكاديمية السويد بالأدب الألماني الذي تجاهلته منذ فوز هنريش بوول 1972م بالجائزة نفسها. لكن قبل ذلك لابد من إثارة ملاحظة, وهي أن حياة أي مبدع, تخصه وحده في حدودها الشخصية, لأننا كقراء, معنيين اساسا بنصوصه, لكن ما يفرض إعطاء أهمية خاصة لهذه الحياة, في حالة جراس, سببه الأساسي ارتباط حياته الخاصة بنصوصه التي يبدو بعضها نوعا من كتابة السيرة الذاتية, سواء أكانت سيرته هو أم سيرة بلده وشعبه, وفي أحيان كثيرة تبدو الحدود بين السيرتين وهمية هلامية غير محسوسة, ولعل خير دليل على ذلك ان اخر كتبه حملت عناوين مثل (القصة الكاملة) 1996م, و(القرن الذي عشته) 1999م, وهما تأريخ بطريقة مميزة للأجواء التي عاش فيها جراس, أو لنقل سيرة ألمانيا منظورا اليها من زاوية جراس الشخصية. جونترجراس وأعماله ولد جونترجراس في 16 أكتوبر 1927م في لانجفوهر بضواحي دانزينج التي كانت آنذاك ألمانية, وهي اليوم جدانسك ببولندا, وقد التحق في وقت مبكر من حياته سنة 1937م في تشكيل براعم هتلر (يونج فولك), ثم بعد اربع سنوات, وفي ذروة الحرب العالمية الثانية, التحق بصفوف (شبيبة هتلر) 1941م, واشترك في الحرب وهو دون الخامسة عشر, ليقع في الأسر بيد الجنود الامريكيين, ولم يطلق سراحه حتى 1946م. وبعد تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة 1953م متخصصا في النحت, زاول أعمالا مختلفة, وبدأ جمهور برلين الغربية يتعرف عليه كنحات وفنان تشكيلي, وفجأة خطرت له فكرة المشاركة في مسابقة شعرية سنة 1955م نظمتها الاذاعة الألمانية, وفاز بالترتيب الثالث, إلا أن أهم ما حققته له هذه المسابقة, هو لفت انتباه كبار الأدباء إليه, خاصة (حلقة 47) الأدبية التي كان يقودها الروائي ورنر ريختر, والتي برزت في بلاد جوته منذ إشهارها كجمعية أدبية في 1947م وهي سنة التأسيس التي أخذت منها اسمها, وكان من أعضائها البارزين هنريش بوول وفاكلاف هافل أيضا. وظهرت مجموعته الشعرية الأولى ولم تلفت الانتباه كثيرا سنة 1956م, الا انه في هذه السنة, التي أقام معظمها في باريس حيث كانت زوجته تدرس الرقص, كان تعرف على الأديب الألماني بول سلان وتأثر به أبلغ تأثير, رغم ان هذا الأخير كان يعيش في حالة وحدة وعزلة شخصية شديدة, لكنها اختيارية, وعنه كتب جراس يقول (انه محدث صعب, لكن جدير بالتقدير, رجل متوحد, الى اقصى حدود العزلة, مقطوع عن العالم الخارجي, ممتلئ بعالمه الشخصي, ومع ذلك كان على قدر من الثقافة يفوق كل وصف, ومن حسن حظي أنني استفدت منه الكثير) . وظهرت مسرحية جراس الاولى 1957م (الفيضان) وبحكم انتسابه الى جماعة 47, كان عليه ان يستقر ممثلا للجماعة في بلدته, وفي السنة نفسها نال جائزة الجماعة النقدية, وكان لذلك اثر على تشجعه بنشر عمله الأثير (الطبل) الذي نال في السنة الموالية لنشره مباشرة اي 1960م جائزة برلين للنقاد, وقد تزامن ذلك مع نشر ديوانه (أغنية طفل) وكذا اثره (القط والفأر) 1961م, وأتبع ذلك بمسرحيته (الطباخ الشرس) , ومنذ ذلك الحين بدأت توجهاته السياسية تعلن عن نفسها من خلال تأييده الشديد وحماسه الزائد لحملات انتخاب ويلي برانت والحزب الديمقراطي ـ الاجتماعي. حصلت رواية (الطبل) على جائزة (الكتاب الاجنبي) الفرنسية 1962م, ولفت (سنوات الكلب) 1963م الانتباه, ليحصل جراس على دكتوراه فخرية امريكية 1965م, لانه أصبح ساعد ويلي برانت الأيمن, ومثلت لأول مرة مسرحية (العَوَامْ) على مسرح شيلر ببرلين, وفاز بجائزة بوخنر 1965م, وجائزة فونتان 1968م, وفي هذه السنة نفسها نشر أيضا (بداهات سياسية) ولم تنل روايته (تخدير موضعي) 1969م ذلك الاهتمام الكبير, وان كان ديوانه, او بكلمة أصح مجموعة من مختاراته الشعرية التي أسماها (خطابات الى نورمبرج) المنشور 1970م قد عوضت شيئا من ذلك, وأعادته الى الواجهة الثقافية مرة اخرى وبقوة. غرابة النصوص والعناوين وكان من أبرز أعماله (يومية حلزون) 1972م, استمرار الرغبة في تكثيف غرابة نصوصه, بغرابة عناوينها, وأعلن على الملأ سنة 1974م ارتداده عن الكنيسة الكاثوليكية (لأنها تعارض الاجهاض) حسب قوله, ثم أصدر (الترس) 1977م, و(لقاء في ويستفاليا) 1979م, وفي السنة نفسها نال الفيلم المأخوذ عن روايته (الطبل) والذي أسهم هو شخصيا في كتابة حواراته, جائزة مهرجان كان للسينما, ونال عمله (أطفال في الرأس) نجاحا ملحوظا 1980م أيضا. وتم تعيينه 1983م رئيسا لأكاديمية الفنون ببرلين الغربية, وقد سمحت له هذه العودة للاهتمام بالفنون ان يسهم كعضو في لجنة تحكيم بينالي البندقية 1984م, لكنه عاود الكرة في مجال الكتابة مع ظهور عمليه (الفأرة) 1986م, و(الخشب الميت) 1990م, وكان سبقهما بآخر (سحب اللغة) , وبعد وعود كثيرة ظهر أخيرا (نداء علجوم) (نوع من الضفادع) 1992م, ومجموعة (13 مقطوعة شعرية) 1993م, ونال سنة 1994م جائزة كارل كابك التشيكية مناصفة مع فيليب روث. وفي 1995م ظهرت (القصة الكاملة) او (قصة بحذافيرها) ونال من الدانمارك جائزة (سونينج) الادبية, ومنحته مدينة لوبيك الألمانية حيث يقيم جائزة توماس مان 1996م التي تعطيها هذه المدينة تخليدا لابنها الاخر الذي شرف ألمانيا بجائزة نوبل في العشرينيات, وظهرت (أشياء لغير القراء) 1997م, وأخيرا جاء آخر اعماله (قرني) او (القرن الذي عشته) 1999م, وقد ترافق مع حدثين مهمين هما منحه جائزة (بريميو أسترياس) الاسبانية, في سابقة هي الأولى من نوعها, حيث لم تمنح هذه الجائزة مطلقا لكاتب لا يكتب باللغة الاسبانية قبله, وكذا الاعلان في 1999/9/30م عن منحه جائزة نوبل في الآداب, ومنذ الإعلان عن هذا الفوز, انتهت موضة خوسيه ساراماجو البرتغالي الفائز 1998م, وبدأت حمى جونترجراس في الأدب العالمي, وتضاعف خلال الأشهر الماضية الاقبال على ترجمة ونشر أعماله, بعد ان دخل تحت دائرة الضوء على مستوى المشهد الثقافي الدولي عامة. تتميز أعمال جونترجراس بالتنوع الشديد, في موضوعاتها, وصيغها, وهذا أحد مظاهر شموليته الفنية التي أشرنا إليها سابقا, غير أن ما يجمع هذه الأعمال هو هاجس المؤرخ النهم الذي يتقمص قلم جراس, في جميع الموضوعات التي يكتبها, سواء أكان هذا التأريخ لطفولته الضائعة في دانزينج, أم لضياع دانزينج نفسها من أيدي الألمان بعد الحرب العالمية الثانية, أم كان تأريخا لصعود وارتقاء النازية في المجتمع الألماني, ام للمعجزة الاقتصادية والليبراليات الصاعدة منذ مطالع الخمسينيات وحتى الان, وطبعا ما بعد انهيار جدار برلين ووحدة الشعب الألماني. على ان هنالك ميزة أخرى لا تقل أهمية عن النزعة التأريخية, ألا وهي النزعة الطبيعية المميزة, والطبيعة هنا لا تؤخذ بمعنى رومانسي, وانما على العكس من ذلك تماما ينصحنا جراس بالنظر اليها بالمعنى اللارومانسي, أو بعبارة اخرى الحيوي, ويتضح ذلك من غرابة العنونة التي يتخذها في جميع أعماله, اذ غالبا ما يعنون بأسماء حيوانات, (القط والفأر) (سمكة الترس) (الحلزون) (العلجوم) (الكلب) (الفأرة) وغيرها. أما على مستوى الأسلوب, فهنا نقطة قوة جراس التي قلما يجاريه فيها معاصروه من الروائيين الان, حيث يتسم بقوة خارقة على النحت, وهو نحات أساسا, كما أن آليته في السرد عجيبة, ولا تخلو من حنكة ومكر أدبي معا. وسنرى الان هذه الميزات الثلاث, في عجالة شديدة, مستعينين بشذرات من نصوص جراس قدر الامكان. سيرة تبحث عن مؤلف لاشك ان قصة حياة جونترجراس بكل تنوعها وثرائها, وغزارة تجاربها, يمكن ان تكتب ـ في حد ذاتها ـ كعمل درامي, ولعله فطن الى ذلك, حيث نجد ان معظم أعماله مسكونة بهاجس عميق هو التساؤل عن الذات والهوية, في نوستالجيا, وحنين حاد, ونزوع دفين, وشوق الى طفولته الضائعة, ووطنه (السليب) , مع ما يكتنف ذلك من هموم شعبه وعصره, وهو في كل هذا ـ وياللمفارقة ـ يشبه أحد شخوص رواياته تمام الشبه. ففي (القصة الكاملة) يتمكن (الدكتور دلهاس) الطبيب الحاذق من شفاء احد مرضاه, بطريقة ظريفة, ويدعى هذا المريض (الخالد) او (الذي لا يموت) , وهو أديب بارع وروائي مبدع, الا أنه في الفترة القصيرة السابقة لزيارة عيادة د. دلهاس, أصيب بحبسة في الكتابة, وشرود ذهني وأصبحت ملكاته الابداعية تخونه, وزادت الأعراض بحمى عصبية هيجتها معاناة دفينة. وبعد الاستماع بتمعن الى كلام هذا الاديب المفجوع, يتملاه د. دلهاس ويقول له: (حسنا, لا تشعر من الان بأنك مريض بالمرة...! أقلع عن هذا الشعور, ان ما تعانيه سببه نقص وفتور في شغلك المعتاد. وإذا قلت لي انك ستبقى هكذا فريسة لجفاف الأفكار, وضمور الابداع, لم يعد في رأسك شيء تقوله, انتهت الروايات والقصص وكل شيء, عندها سيكون جوابي لك مفاجئا, ان علاجك عندي بالتي كانت هي الداء, ان اردت ان تشفى حقا, عاود الكتابة ثانية, وبالمناسبة, ما رأيك في كتابة سيرتك؟ باشر من الغد في سرد ذكريات طفولتك: الطفولة معين لا ينضب) . وبالفعل ومثلما هي حالة هذا البطل (الخالد) راح جونترجراس يمتاح من معين طفولته الذي لا ينضب, حين عاش سنوات هذه الطفولة القلقة في دانزينج, فكتب عن هذا (الفردوس المفقود) ثلاثيته الشهيرة المفعمة بالحنين, والمثقلة باللحظة التاريخية نفسها التي اكتنفت هذه السنين العجاف, كما يدفعنا دفعا الى ان نقول. ثلاثية دانزينج وهي أشهر أعماله, وتتألف من (الطبل) و(القط والفأر) و(سنوات الكلب) , وما يجمع هذه الروايات الثلاث, هو أن أحداثها تتخذ إطارا مكانيا مدينة دانزينج (جدانسك حاليا), ومع التفاوت الزمني, فان السياق يكاد يكون واحدا تقريبا. ففي (الطبل) ادانة شديدة للحقبة النازية في ألمانيا, التي يراها جراس (جمعية من صغار البورجوازيين, عصفت بهم الأحداث, وتقلبات السياسة, وعدميتها, حتى تحولوا هم وجمعيتهم الى وحش شرس, قادر على ارتكاب أفظع الجرائم) ويقع التعبير عن كل ذلك من خلال منظور طفل لم يتجاوز ثلاث سنوات, انه البطل الرئيسي, وهو القزم اوسكار ماتزراث, هذا الكائن الضئيل ذي النزعة الكوسموفاجية (نزعة ابتلاع الكون). وأوسكار قامته 94سم, ففي سن الثالثة من عمره سقط من السلم, وإثر هذا الحادث توقف جسمه عن النمو تماما, فأصبح طفلا ظاهريا, وقزما في الواقع, في عملية تقزيم متعمدة لطبول وأبواق هتلر, وتبدأ أحداث الرواية من 1899م, وتنتهي 1954م, ولا ينسى جراس ان يشير بطريقة مبطنة الى خطر لابد من الحذر منه, هو النازيون الجدد, الذين رغم الهزيمة فإنهم مازالوا مثل والد القزم أوسكار لم تتضح لهم مساوئ تفكيرهم, فوالد القزم عند الهزيمة 1945م يبتلع شعار الحزب النازي وينتحر, مثلما انتحر الفوهرر هتلر. والحقيقة ان عداء جراس الشديد للحزب النازي, أدت به في أحيانا كثيرة للانسياق وراء أبواق وطبول الدعاية الصهيونية, ومن اللافت انه قام بثلاث زيارات للعدو الصهيوني, ورغم كثرة أسفاره في جميع القارات, فانه لم يزر من العواصم العربية سوى القاهرة 1980م في ظروف تاريخية معروفة بما يغنى عن الاستطراد, وجراس هنا ـ شأن قطاعات واسعة من المثقفين الغربيين ـ هرب من العنصرية النازية, فوقع فيما هو أسوأ بكثير. وفي (لقاء ويستفاليا) يتركز نقد جراس لحقبة من تاريخ بلاده, في أجواء مميزة, وهي التهيئة لعقد مؤتمر بين كبار المتخصصين في فن الباروك في القرن 17. في حين ان الأمثولة الحقيقية في عمله (القط والفأر) , القصير لحد ما, وان لم يكن النفس الذي كتب به كذلك, هي التبدلات الحاصلة مع ظهور (تفاحة آدم) لدى طفل اصبح على مشارف البلوغ, دون ان يفهم معنى هذا النتوء تحت عنقه, فيظنه قرحة او مرضا, او بالاحرى فأرة, وهذا الصبي هو البطل الرئيسي في (القط والفأر) , انه (جواكيم ميهلكه) , وقد تطوع الراوي الذي يقع السرد على لسانه (بيلنز) ليعلمنا من يكون ميهلكه هذا: (انه طفل وحيد, يتيم الابوين, في غاية اليتم, له وجه كنود عابس, انه بريء وحالم, يحلم بعالم اخر سيعرف هو فيه طعم السعادة. بوده أن ينقل لأترابه سبب همه وغمه: لقد ظهرت غدة درقية ناتئة وعجيبة فوق رقبته, انها تتبدل باستمرار, وكأنها فأرة مذعورة, ما فتئت تجري قرب حد الماء, على طول النهر) . وفي (سنوات الكلب) يتكشف امامنا مصير البطلين الرئيسيين (أدوارد أمسل) , و(والترماترن) , ومن خلالها يرتسم جزء من تاريخ المانيا منذ العشرينيات, فصاعدا, ونكتشف غموض وأخطاء الحرب, ثم المعجزة الاقتصادية التي تحققت بعدها, ونقف على معالم مجتمع يتبدل, جيل يتقوض واخر ينهض من أنقاضه, مع المخاض العسير الذي تستلزمه مثل هذه التبدلات الخطيرة. النقد لا يوفر أحدا لم يوفر جونترجراس في أعماله الاخرى اية جهة من النقد, فإذا كان صب غضبه على النازية في (الثلاثية) فانه وجه قدرا من النقد والتشريح للمرحلة التي جاءت بعدها, بدرجة لا تقل حدة وربما بلغة اقل ودا ومجاملة. ففي روايته الجميلة حقا (تخدير موضعي) يحضر أحد شخوصه الأستاذ (أبرهارد ستراوش) الى عيادة طبيب الاسنان لاجراء جراحة, وهو يتساءل عن السرالدفين الذي يجعله على الدوام مقتنعا بالحرب, مخالفا للعالم, وعلى مقعد الطبيب يشرح هذه القناعة بشعور غير مبال, وعندما يقترب الطبيب لتخديره, يسأله ستراوش: ما الذي تصنع؟ ستخدرني تخديرا موضعيا؟ ان الظروف والمحيط الذي نعيشه يجعلاننا مخدرين اصلا, مستسلمين لكل شيء. وستراوش يصف نفسه (لست أكثر من شخص فاشل عهدت اليه مسئوليات تربوية تفوق طاقته في إحدى المدارس) , ولكي تبدأ الجراحة, يحضر الطبيب تلفزة, ويشغلها امام ستراوش, الذي انسته المشاهدة ألمه, وعندما ينتهي البث, يعود لاجترار ماضيه, يخترق دروبه من جديد, ويختلق حوارات مع الشخصيات التي عبرت دهاليز حياته, بمعنى اخر, بعد ان تمت اساطير الحكومة, يبدأ هو في خلق اسطورته الخاصة, في نقد لاذع لليبرالية الصاعدة في الخمسينيات رغم الدعاية التي لم تعد (بالبطل) كما كانت مع هتلر, بل بالتلفزة هذه المرة, كما نجد نقدا لاذعا لحرب فيتنام على لسان ستراوش ايضا. وهو لا ينتقد الحياة السياسية فقط, بل يخص العلاقات الاجتماعية (الظالمة) بين الرجل والمرأة, بعمل كامل ذي طابع اجتماعي هو (الترس) , وهو رواية يقع السرد فيها على لسان سمكة, وفيها يدخل من باب تاريخ فن الطبخ ليقدم مشاركة النساء الفعالة في التاريخ الانساني, مرسخا بذلك بعض الحقائق والعناصر التي تتجاهلها الكتابة (الذكورية) السائدة في الأدب. ذلك لان الأدب (بالنسبة لجراس مخزون لحلم لا ينفك يؤرق الكائن الانساني, انه التوق الى عالم مثالي, ومستقبل افضل من الحاضر, ونظام من العلاقات الاجتماعية, يكون مقبولا بدرجة من المقاومة اقل) . ويتعرض عمل جراس قبل الأخير لهموم الألمان الشرقيين سابقا, ونعني (القصة الكاملة) , حيث نجد الراوي اليائس بعد وحدة ألمانيا, يتحدث بضمير نحن وهذه (النحن) تستبطن نقدا لاذعا, وهو يعرض لمشاعر ومواقف شخص اسمه (تيووتكه) , كان استاذا محاضرا وزائرا قبل سقوط جدار برلين, وهو الان حارس عمارة رسمية, كانت هي ايضا, مقر لوزارة الطيران ايام هتلر, ثم مقرا للوزارات عامة, وهي الان مقر الشركة المكلفة بتنظيم الخصخصة, ومع هذه التبدلات الجسيمة التي تعرفها شخصية تيووتكه, ويعرفها المكان المحيط به, فان ذلك لم يمنعه من انتاج اضاءات لماضيه, وسرد مقتطفات من رسائله ومواقفه السابقة دون ان ينسى توجيه النقد للطريقة التي وقعت بها الوحدة بين الألمانيتين. وقد خصص جراس (نداء علجوم) لموضوع قريب من موضوع (القصة الكاملة) هو الأحداث التي أدت الى سقوط جدار برلين, وحاول استشراف ما بعد هذا الحدث من منظور نقدي, في حين عرض المخاطر التي تهدد بها الأسلحة النووية في عمله (الفأرة) , ولم يرتح النقاد الألمان كثيرا لموقفه النقدي اللاذع في مرحلة ما بعد الوحدة, وان لم تكن علاقته بهم أصلا في أحسن أحوالها, بل ان المجلة النقدية (نصوص ونقد) كانت خصصت له عددها الأول سنة 1963 ووصفته بأنه (مشاغب) (مثير قلاقل) و(بهلوان) كما هوجم مرارا في (شبيجل الادبي) , وان كان عدد (نصوص) الخاص به اعيدت طباعته حتى الان ثماني مرات. أنسنة الحيوانات ونعود للحضور الحيوي الطبيعي الذي يجعل الحيوانات حاضرة بهذه الدرجة من القوة ليس في عناوين جراس فحسب. بل في أبطال أعماله وشخوصها والحقيقة ان السرد والقص على السنة الحيوانات موجود في جميع فنون الحكي, منذ كليلة ودمنة وحتى خزافات ايسوب, وشخوص لافونتين الحيوانية, وثعلب رانكة, و(القط مور) عند هوفمان, و(الكلب برجنزا) عند سرفانتس, وفي الادب الالماني خاصة نجد اسسا نظرية متينة لهذا الاتجاه, اي اتجاه انسنة الحيوان حينا, والعودة بالإنسان الى (أبعاده الحيوانية) , او بكلمة اخرى, التناسخ بين الانسان والحيوان, ويتضح ذلك في اطروحة شيللر الشهيرة للدكتوراه (عن الروابط بين الطبيعة الانسانية والحيوانية لدى الانسان العاقل) (الهومو سابيان) . كما نجد تحول الانسان الى حيوان في نموذج اخر مكتوب باللغة الالمانية, ونعني (مسخ) كافكا الذي يبدأ السرد فيه هكذا: (حين استيقظ جريجور سامسا من حلمه المزعج, وجد نفسه وقد تحول الى حشرة ضخمة هائلة) , وهذا يصدق ايضا على معظم اعمال مدرسة فرانكفورت المعروفة بالمدرسة النقدية, التي روجت كثيرا للاتجاه الحيوي الفرويدي, وكان من أبرز أعلامها ادورنو, وهوركهايمر, وماركيوز, ورايش وغيرهم. الا ان ما يميز هذه النزعة عند جراس هو تقديمه اياها من منظور شبه طبيعي كذلك الذي دعا اليه اميل زولا, حيث يعرض موضوعاته بصورة واقعية شديدة المباشرة الى جانب شحنها بنزعة من الأنسنة لحد يجعل السرد أحيانا كثيرة ضربا من ضروب الوصف او بالاحرى التحليل والحفر في الموضوع, لاستخراج ابعاده الظاهرة والباطنة على حد سواء, لحد جعل احد النقاد الفرنسيين يصف جراس بانه مروض جيد للحيوان, (انه حاوٍ) او (مصارع وحوش) لكن لكل ذلك من منظور انساني وهنا عنصر الطرافة. آلية السرد لعل الميزة الرئيسية في روايات جونترجراس هي طريقته المميزة في السرد, فهو في اغلب الاحيان يستخدم الية السرد غير المباشر, ويكلف كل واحد من شخصيات اعماله برسم شخصية الاخر, وهذا ما يؤدي الى غياب ضمير المتكلم احيانا كثيرة, وحتى في (البطل) حيث يطغى البطل (القزم اوسكار) فان العالم يقدم ايضا بأسلوب غير مباشر, فهو يعرض من عيني طفل لم يتجاوز سنواته الثلاث, ساذج, وقصير, وقاصر في رؤيته. اما في (القط والفأر) فان البطل (ميهلكه) يقع السرد عنه بلسان راو اخر, وفي (سنوات الكلب) لكل واحد من الأجزاء الثلاثة راو مختلف: براوكسل, وليبناو, وماترن, ولكل راو محددات في تقرير الأحداث مختلفة عن الآخر, والطريقة هي دائما, جعل شخصية لكل واحد من شخوص الرواية, تنعكس على ردود وتقريرات الاخر عنه, وقد سمحت لعبة المرايا المتعاكسة هذه بتنويع طرائق رسم شخصيات أبطال جراس, وأثرت الفضاءات التعبيرية, وأعطت السرد طابعا مزدوجا, فكل شخصية ترسم بطريقتين في آن واحد: من خلال تقريرات وبيانات هذه الشخصية ذاتها ومواقفها من جهة, ومن خلال وصف الشخصيات الموازية لها من جهة اخرى. كما تحسب لجونترجراس ايضا قدرته على خلق موضوعات قابلة للتفكير, كتأريخه للصراع داخل الاسرة البطريركية الابوية, منظورا اليها من زاوية (فن المطبخ) في (الترس) وهذا يذكر ببعض دراسات ميشيل فوكو الاصيلة عن (تاريخ الجنون) و(تاريخ العيادة) وغيرها. وأخيرا فانه قدم نفسه باعتباره (جودو) القادم لانقاذ ما تبقى من الأدب الألماني الذي عرف كسوفا نصيا منذ فترة, بل انه في إحدى مقابلاته الاخيرة زاد في تقرير هذه الواقعة بقوله: (ان نصوصي ورواياتي كلها تبدو لي وكأن احدا ما, صوتا ما يمليها علي وأنا اكتب, انني كاتب عمومي, استمع الى ضمير الجمع الألماني وأسجله حرفا بحرف) . وسواء صح هذا الزعم ام لم يصح, فان جونترجراس يعد الان احد روائيين قلائل على المستوى العالمي, يتقنون هذه الانتاجية المسماة سردا روائيا, ويسيرون بها لاستشراف عنوان المرحلة المقبلة, ويتقدمون الصفوف, في مسيرة الادب, للاقتراب من شرفة المستقبل, حتى ولو كان ذلك على رؤوس الأصابع... إعداد: الحسن المختار
