سلمى الخضراء الجيوسي لها تجربتها الطويلة والعميقة مع الحركة الثقافية والنقدية العربية, بل هي احدى اهم الاسماء العربية النسائية التي واكبت حركة الشعر العربي منذ مطلع الخمسينيات الى جانب انها احدى المبدعات الشموليات التي تنوعت اعمالها بين الشعر والنقد الادبي والدراسات. تعيش الجيوسي منذ سنوات في الولايات المتحدة الامريكية وتتابع عبر مؤسستها (بروتا) النشاط الادبي العربي عبر خطة تهدف الى نقل قسم كبير من الشعر والادب العربي المعاصر والحديث الى اللغة الانجليزية. عملت سلمى الخضراء الجيوشي استاذة في العديد من الجامعات العربية والامريكية قبل ان تتفرغ لمشروعها (بروتا) . وصدر لها العديد من الكتب والدراسات منها: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث, كتاب حول ادب الجزيرة الحديث, الى جانب كتابها الشهير انطولوجيا حول الشعر العربي المعاصر الذي نشرته جامعة كلومبيا, وموسوعة الادب الفلسطيني المعاصر وغيرها من الكتب والمشاريع الثقافية, وفي هذا الحوار نتوقف معها حول نقطتين جوهريتين هما خصائص الشعرية العربية وما اذا كانت الحداثة الشعرية العربية نهضت بما ندبت نفسها له, اي التعبير الصادق والحقيقي عن تجربة الانسان العربي المعاصر. (بيان الثقافة) التقاها في هذا الحوار: * هل تعتقدين بوجود شعرية خاصة بكل لغة؟ وما هي خصائص الشعرية العربية بنظرك ومن خلال تجربتك في نقل الشعر العربي الى اللغة الانجليزية؟ ـ السؤال يشير الى وجود شعرية عربية واخرى غير عربية. الحقيقة ان لكل ثقافة شعريتها الخاصة الى حد كبير. في الوقت نفسه يظل الشعر الجيد تعبيرا انسانيا شاملا. اي ان الشعر الجيد يعبر عن الامرين معا: عن روح اللغة التي يكتب فيها والرؤيا الثقافية المتأصلة في كينونته من جهة, ومن جهة اخرى, عن شمولية التجربة الانسانية وقدرة الشاعر في اللغة الواحدة على عدوى قارئة في لغة قارئة اخرى وعن منطق الابداع الشعري في اي مكان وفي اي لغة. ان موضوع شمولية الادب وقانون الابداع الشعري العام لا يتطلب منا تفسيرا هنا لأن سؤالك هو عن الشق الاخر, عن الشعرية الخاصة بلغة ما, وهنا باللغة العربية. ان تجربتنا الدقيقة الواسعة في ترجمة الشعر العربي الحديث الى الانجليزية تحت مظلة (بروتا) ساعدتنا على التوصل الى استنتاجات مهمة جدا تتناول خصائص الشعرية العربية وخصائص الشعرية الانجليزية. ان الاخيرة اي الشعرية الانجليزية ابعد (الشعريات) المعاصرة التي اعرفها عن البلاغة والخطابة والتعليم والنهي والاحتفال بالبطولة والقيادة والريادة. (مواضيع متناولة في ثقافتنا وشعرنا) وعن اي مديح لاسيما مدح الذات. وكذلك عن مجالات العاطفية الخاصة التي يتمتع بها الشعر العربي. ثم ان طبيعة الشعر نفسها (اي شعر) تعمق ما يمسى بالفجوة الحضارية كثيرا. ان الادب جميعه لابد ان يحمل مميزات الثقافة المعينة التي يصدر عنها. والشخصية الحضارية مهما امعنت في العالمية وحاولت ان تتمثل تلقائية او اصرارا منازع الثقافات الاخرى ورؤاها واساليبها في التفكير ومعالجة الاشياء تظل محتفظة بشيء كثير او قليل من مميزاتها الاساسية. لا يعود هذا بالطبع الى اية عرقية او الى اي تشبث بالسلفية, ولكن الى المناخ الثقافي الذي ينشأ فيه الشاعر والذي يتمثل فيه قيمه ورؤاه في صغره. كما يعود الى التجربة القومية ذاتها وما يمر به الانسان في بلد ما من معاناة على الصعيدين السياسي والاجتماعي. هذا الاختلاف الحضاري يسهل تجاوزه في القصة والرواية لان الادب القصصي يسمح بالتمهيد للشيء والارهاص به, وتأويله الى حد ما. اما الشعر فإن له ملامح الفجاءة والتوتر والدهشة والاقتضاب والتلميح, يترك اشياء كثيرة غير محكية تفهمها انت لأنك ابن اللغة والثقافة ذاتها, ومن الصعب العسير نقلها تلميحا شعريا الى لغة اخرى. هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى فإن الاعراف الشعرية التي تتأصل في لغة ما, مهما تغيرت في مناخ التجديد والثورة الشعرية, فإن شيئا منها (يقل او يكثر) يظل فيها, كجزء من منطق اللغة وعصبها, ومن تفاعل الثقافة ومواجهتها للأمور ـ يظل فيها طبيعة قابلة على التغيير ولكن الى حد, ومن يراجع شعرنا المعاصر, جميعه, يجد كيف بقيت اعراف كثيرة من العهود الكلاسيكية ملازمة له, رغم محاولات التجديد والتحديث الجادة. وهذا يحدث ايضا في شعر اللغات الاخرى. ولو درسنا علاقة اللغة العربية, عبر الترجمة الشعرية, بكل من اللغات الالمانية والانجليزية والفرنسية لوجدنا ان اللغة الشعرية الالمانية اقدر بكثير من اللغة الشعرية الانجليزية على استيعاب البلاغة العربية, واللغة الشعرية الفرنسية اقرب بكثير الى العاطفية الشعرية العربية من الانجليزية. لعل اللغة الانجليزية اشد مقاومة من جميع هذه اللغات (معها الاسبانية والايطالية الخ) لروح اللغة الشعرية العربية. انضباط ادق * هل تشكل شعرية اللغة اشتراطات مضاعفة لدى ترجمتها وما أهمية علوم اللسانيات في هذا الجانب؟ ـ ان الشعرية الخاصة بأية لغة تستلزم انضباطا ادق واكثر عسرا على الشاعر ان يتخطاه دفعة واحدة. ان هناك قضية الاوزان وما تولده من اعراف معنوية وموسيقية عاطفية في شعر لغة ما. تكون اللغة اولا ثم تجيء الاوزان منبثقة عنها ومبنية على تركيبها وتقطيعها. ما حدث في اللغة العربية هو ان الاوزان اتخذت لها اسلوبا خاصا هو شكل الشرطين. من المعروف ان الشعر في اغلب اللغات يبدأ متوازنا ثم قد يتحرر من توازن الوزن, في العربية كان شعرنا منذ مطلع الابداع الشعري العربي متوازنا بشكل مركب, ليس فقط بين بيت وبيت ولكن داخل البيت الواحد بين شطر وشطر. وهكذا اصبح عندنا توازنا مضاعفا. ورغم ان الوقف في نهاية الشطر الاول لم يكن قط اجباريا الا ان طول الابيات وتركيبها الخاص اغريا الشاعر بالتوقف كثيرا في نهاية الاشطار الاولى. هذا التوازن داخل البيت اغرى بتقسيم الكلام في البيت بشكل متواز قد يكثر عند شاعر كجرير وقد يقل عند شاعر كذي الرمة, ولكنه يظل جزءا من التركيب الكلامي في القصيدة, فترى الشطر الثاني وهو مرتبط بالشطر الاول يتعلق به او يردفه معنويا, كثيرا ما يقف موقف الموازنة مع الاول, اما لأن الشطر الثاني معطوف على الاول, او لأنه يتضمن جواب الشرط على فعل الشرط في الشطر الاول, او لأنه يفسره او يتعلق به على الجر او على الظرفية. وقد ادى هذا التقسيم الكلامي الى نوع من ترتيب الافكار وتقسيمها في الشعر. لابد لهذا من دراسة تفصيلية في علوم اللسانيات وارجو ان يتسنى لها دراسة كهذه في القريب العاجل. واعتقد ان الدارس سيجد ان ثمة منطقا شعريا عربيا قد كون نفسه عبر القرون. الاغرب من هذا اني وجدت ان الشعر المعاصر لم يزل يحتفظ بشيء من هذا الترادف حتى عند اكثر الشعراء اهتماما بالتغيير كأدونيس وحاوي والسياب. انظر قول السياب: وعيناي لا مخلب للصراع فاسعى بها في دروب المدينة ولا قبضة لانبعاث الحياة من الطين لكنها محض طينة ان البيت الثاني مرتبط بالاول ومتواز معه معونا. الحداثة والشعرية * الحديث عن الشعرية العربية يستلزم سؤالا عن الحداثة. هل تمكن شعرنا العربي الحديث والمعاصر ان يحقق ما تتطلبه الحداثة, وما يعبر عن اشواق المواطن العربي في مرحلتنا التاريخية هذه؟ ـ لا تكون الحداثة في الشعر مجرد لغة وشكل واسلوب في القول وافتنان باختراع تعابير جديدة. وفي الوقت نفسه لا يمكن للحداثة في الشعر والادب الا ان تعبر عن نفسها بلغة وشكل جديدين, والا ان تفتن باختراع الاسلوب المبتكر الذي يواكب تجاربنا. غير انها تظل في الدرجة الاولى وقبل اي شيء اخر رؤيا ساطعة لوضع الانسان في هذا العصر وقدرة صادقة على ان يدخل الشاعر والاديب الى روح هذا الانسان والى تجربته الحقيقية في الربع الاخير من هذا القرن. ان جزءاً كبيرا من شعرنا المعاصر لم يستطع ان يستبطن تجربة الانسان الحديث. ومازالت المدينة, مثلا, رمزا مخيفا وغولا يأكل الروح. نحن نعيش اليوم في عصر الآلة الساحقة, جزءا من الانسانية المعرضة جميعها للدمار في اية لحظة ومع ذلك فلا وجود للآلة ولا لمنطق العصر الآلي في شعرنا. فهو لم يزل شعر فروسية وانبهار بالبطولات الفردية والانتصارات الشخصية وادمان على تأكيد الذات وعلى شهوة القيادة الجماعية. وهذا لا علاقة له بروح العصر الحديث في الشعر العالمي المعاصر. ثم اننا كشعب نعيش في وضع الفريسة لمؤامرات استعمارية واسعة معقدة, ومواجهة وضعنا المعاصر كبشر وكعرب لا يمكن ان يحل عن طريق الهدم الكامل لكل مقوماتنا, ولا عن طريق البطولة الفردية او حتى الجماعية. فلا موقف الهدم والرفض ولا شعر البطولة والفروسية هو الجواب الكامل عن ازمة الانسان المعاصر في العالم العربي. صحيح ان ثمة عقلية قديمة مهترئة ورؤيا قاصرة ورثناها عن العصور المتأخرة يجب سحقها بلا شفقة, ولكن تدمير ما هو سيء ومنفر في بعض اعرافنا الاخلاقية والاجتماعية لا يتم ببساطة عن طريق الرفض له ومحاولة تقويضه, ما لم تحل رؤيا حديثة للانسان العصر الآلي هذا الضحية المسحوقة في كل مكان بما في ذلك العالم العربي, محلها. وصحيح ايضا ان ثمة حاجة عندنا للبطولة والبسالة والقدرة على التضحية بالذات نتمكن بواسطتها من مواجهة اعدائنا الكثيرين في الداخل وفي الخارج. ولكن ان يتحول الشعر الى حماية دائمة, يبعده ايضا عن مناخ الواقع لأن البطل المعاصر, مهما كان بطوليا, فإنه ضحية في الوقت نفسه, وهشاشته الشديدة تخضع لما هو اكبر منه واكثر تعقيدا وبطشا للآلة المدمرة التي تواجهه ويواجهها, ولمؤامرة الاستعمارية الشاسعة المعقدة التي شدت عليه من كل جانب. واخيرا لاساليب البطش القروسطية المتغطرسة التي تحاول سحقه باستمرار داخل البلد الذي يعيش فيه. ونحن لا نستطيع مواجهة كل هذه الحقائق بالبطولة وحدها او بالرفض وحده. اني اشعر, في اعماقي, بسذاجة هذه المواقف التي وصفها بعض الشعراء ـ انها ساذجة قد تصل بالقارئ احيانا الى الاحساس بالحرج. تطور تاريخي للبطولة وحول مسيرة البطل في الادب الانسان تقول د. الجيوسي: لو نحن واكبنا مسيرة البطل في الادب الانساني منذ فجر عهد الانسانية حتى اليوم, وجدنا انها تدرجت اولا من البطل الاسطوري صانع الاعاجيب ثانيا الى الانسان السيد الملك القادر الذي يقود شعبه الى الخلاص عن طريق النبوة او السؤدد والفروسية الخارقة. ثم ثالثا البطل التراجيدي الذي تتم له صفات عظيمة تؤهله للسيادة والعظمة وانما يوقعه في النهاية ذلك الشرخ في نفسه الذي يقوده الى الانهيار, ثم رابعا البطل الفارس (وهذا يكثر في الادب العربي القديم) الذي ينبئ عن مدارات الحياة اليومية, وتدور افعاله في عالم من المثالية والهمة العظيمة, وخامسا الى البطل العادي. ان العصر الحديث الذي يعيش ويتفاعل في عالم مألوف تدور اعماله ضمن ما ندركه ونتمثله نحن من محيط, سادسا الى البطل ـ الضحية الذي يعيش فريسة لتعقيدات العصر واحداثه الجسيمة التي تشمل الانسانية جميعها في محيط تهيمن عليه الآلة والقدرة على السيطرة على مقدرات الانسانية جميعها, في لحظة واحدة. ولا شك انه انسان يشعر بنفسه جزءا من آلة العصر الحديث التي تأكله وتغربه عن نفسه وعن محيطه باستمرار. لعل هذا التقسيم يضعنا امام التطور التاريخي الذي حدث للموقف ازاء الانسان ـ ولكنه لا يعني بالطبع ان جميع هذه الانواع من البطولة قبل العصر الحديث قد انتهت ـ فلم يزل ثمة مكان ـ خارج ذات الشاعر ـ لبطل تخليص الامة, وهو ما حلم به خليل حاوي حتى في السبعينيات المناصرة, ولم يزل ثمة مكان للبطل الذي يفدي شعبه بدمائه ـ ولكن ان يركز الشعر على هذين النوعين فيحلم هذا الشاعر بأنه قادر, عبر الشعر و(بنوة) الشعر ان يشق الطريق بنفسه نحو حياة معافاة للآخرين, وان يلح ذاك الشاعر على قيم الفروسية وحدها متغاضيا عن المآسي التي اذلت امتنا جميعها فكأننا بمحض بذل الدماء قادرون على درئها وتجاوزها, هو ان نعيش خارج زمننا وان نكون بالفعل على علاقة واهنة الوشائح بعصرنا وبحداثة الرؤيا التي يجب ان نواجه بها هذا العصر المعقد المشاكس. كان من اكثر الشعراء المعاصرين عندنا (حداثة) في الروح والرؤيا (ويتابع ذلك في التعبير واللغة) صلاح عبدالصبور ومحمد الماغوط. لقد عاشا في شعرهما في مناخ النصف الثاني وحتى الثلث الاخير من القرن العشرين. استطاعا ان يبصرا هشاشة الانسان في العصر الآلي وفي عهد الاستعمار الجديد المتشعب الذي اتحد مع قوى المال لكي يخرس انسان هذا العصر ويقمعه قمعا. وان يتحسسا ضعفه كضحية للآلة وللطغيان الداخلي والخارجي. ولقد لجأ لا الى النفحة البطولية التي تجابه الاوضاع عن طريق البطولة القتالية, او عن طريق الهدم والتدمير (اي اما بالمدفع او بالمعول), بل عن طريق اللهجة الاعترافية بوضع الانسان في الوطن العربي ومدى تورطه في شبكة الاوضاع المعقدة التي تحاصره من جميع الجهات, اي مدى كونه ضحية او اسيرا, معها احيانا الى اللهجة التي تمتلئ بسخرية عميقة (مثلا (مروحة السيوف) للماغوط, و (المغني الحزين) لعبد الصبور). توغل الى روح العصر * والدعوة الى الحداثة هل تستطيع ان تتم عملية التحديث في النفوس؟ ـ لا لست اعتقد ان الدعوة الى الحداثة بحد ذاتها تستطيع ان تتم عملية (التحديث) في النفوس. كيف يمكن لأي انسان يفكر تفكيرا سلفيا ان يغير اسلوب تفكيره ومواقفه الاساسية بناء على دعوة تجيئه من الخارج. لا شك ان ما يفهمه منها هو السطح والقشرة, لأن الحداثة هي حداثة الرؤيا قبل كل شيء ـ القدرة على التوغل الى روح العصر الحديث, بشكل طبيعي ـ وهي روح متخلفة ولكنها قادرة على البساطة والمباشرة والصراحة والاختصار, تجاوزت الكثير من مبالغات القرون السابقة وقدرتها على تضخيم الذات والاعلان عنها والتوهم ان الشعر (هذا الادمان الرومانسي) قادر بالفعل على تحريك العالم. انظر, بعد كل هذه السنوات من الدعوة كيف اننا في مطلع قرن جديد ما زلنا اكثر ترديا مما كنا يوما عليه منذ عصر شوقي والمنفلوطي! حوار: جهاد فاضل
