هل حقق (الملتقى العالمي للفتيات المسلمات) , الذي اقامته أندية الفتيات بالشارقة مؤخراً, الاهداف التي حملها على عاتقه كمحفزات اساسية لانعقاده؟ ان وقفة قصيرة عند الشعار (في ظل عولمة الثقافة والعلم) تزيد الايحاء بمثالية الطرح الذي يقفز تعبيرا مفعما بالفلسفة والرؤية الفكرية العميقة, أي انه اقتراح يفخّم بالألفاظ والمعاني من غير ضرورة الاستجابة له على قدر وسع دلالته, خاصة وان المشاركات تتراوح اعمارهن بين 16 و20 سنة مما يعني قصورهن عن ادراك الفحوى الثقيل للعبارة على رغم المحاولات الجيدة التي اشتغلت عليها بعضهن. وما يمكن ان يؤخذ على الشعار انه يصح في مواقع اخرى عديدة تعمم المفردات وتفضفضها حتى يتيه المرء احيانا عن الامساك الفعلي والصريح بالجزئيات التي هي ركيزة لا يستهان بها كأنها أحجار البناء والمواد الأولية. والعناوين الضخمة والواسعة عادة ما تحمل الينا وابلا من المشاكل عندما لا ننهض بكل متطلباتها فيحسب علينا اننا امة تقول أكثر مما تفعل. إن هذا الرأي الذي نورده لا يتحامل على الحدث الذي يعتبر الاول من نوعه على خلفية فكرة نبيلة وطموحة, بل هو اصرار وامعان في التدقيق حرصا على تأصيل العمل الثقافي والاجتماعي المتكامل والمتجانس. فالأيام الخمسة للملتقى (من 15 حتى 19 ابريل الجاري) لم تبحث ولو لماما في أية نقطة تخص عولمة العلم المذكورة اعلاه, والتي تحتاج الى تسليط ضوء اضافي على ابعادها ومعانيها, خاصة وان العلم يتجه نحو كل البشرية في ايجابياته ولا يجوز حشر العولمة الا فيما يتعلق بالناحية التكنولوجية ربما واحتكارها الذي تضطلع به دول مثل اليابان وتايوان والمانيا وليس فقط الولايات المتحدة الامريكية. ان عولمة العلم مصطلح مفتوح أمام التفسيرات والتقاط (الخطر) الذي فيه ضد الشعوب ومنها الشعب العربي. نجح الملتقى على عدة محاور اقلها قيامه واللقاء والالتقاء واستيعاب وجود فكر وثقافات اخرى وتقبل الاخر, لكننا لا نذهب حالمين الى الحد الذي نعتقد فيه ان مجرد ملتقى لم تكتمل مشهديته قادر على التأثير العقلاني وتبديل الاتجاه المستقى من البيئة على قدر انفتاحها او انغلاقها على العالم الخارجي, مما يتطلب احتكاكا بين المختصات اللواتي برزن في الملتقى والفتيات لتفعيل الحوار بينهن وافساح المجال لابداء الرأي ولو مخالفا واظهار التسامح الذي نادى به الاسلام. لقد كشف الوقت القليل (الى حدّ ما) الذي عاشه الحدث عن تفاوت قائم بين الفتيات اذ نلاقي بينهن الجدية التي تحاور ذاتها في ارتضاء ما يبث لها من محيطها فلا تمتص المقولات على علاتها, تقابلها فتاة خضعت للآراء المتكررة التي اشبعت تنظيرا ثابتا لا يتسرب اليه الرفض, فهل لنا ان نفاجأ بسماع احداهن تسوق مثال المساواة بين الرجل والمرأة في الغرب نقطة سلبية تطالب على اثرها بنات جنسها التيقن من الابقاء على استلاب الرجل لهن؟ مثل هذه التعليقات تظهر خللا على مستوى التشكيل الفكري الحر لفتياتنا اللواتي آثرن الانزواء الى ما يشاع مجتمعيا لسهولة الاخذ به دونما حاجة الى تمحيصه واستدعاء الجهد الفردي. كما ان هذا التفاوت يبدو في هموم المسلمة العربية وتناقضاتها مع هموم المسلمة الغربية, حتى ليستنتج المراقب للنموذجين بناء على الصورة المنقولة له ان هم الغربية حقيقي وملموس تواجه من خلاله المجتمع الذي قد يقلل من احترامها ويحبسها في مظهرها الخارجي عندما ترتدي الحجاب ويعكس ما اشيع على رأيه العام طوال سنوات, فيما هم العربية شبه محصور بالغزو الاعلامي والثقافي. أظهر الملتقى ثغرات مازالت تعانيها الدول العربية التي تمحور (الهجمة العدوانية) للعولمة على شعورها بالذات, وهو ما ركزت عليه الاميرة د. سارة بنت عبدالمحسن, وعلى رغم الطروحات الجيدة التي ساقتها بالنسبة لمسألة واقع الفتيات في ظل اتجاه العولمة لتشكيل القيم, الا انها عكست شيئا من المتداول على صعيد العقلية العربية. فهل كان الغرب سيركز كل هجمته علينا لولا استراتيجية مناطقنا الجغرافية وابتلائنا بما يسمى دولة اسرائيل ونفطنا الغزير في آبار صحارينا؟ ومثل حال الاختلاف بين الفتيات كان بين المتخصصات وان بطريقة طبيعية لم تتخذ اطار الجدل, ففي حين نسمع د. سارة تقول ان العولمة اتت مرة بثوب الحروب الصليبية, تؤكد د. صوفي آن (وهي سويدية مسلمة) ان تيار العولمة ليس مسيحيا وتخاطب الفتيات بشكل جريء نوعا ما اذ تدعو لنقاش كل ما يتعلق بهن بما فيها الامور الجنسية, وتتضح من هنا المسافة بين واقع العربية ومثيلتها الغربية, وتتجلى الجرأة في الانفتاح على قضايا تتعرض لها الفتاة خلال معظم فترات حياتها. وهنا لابد من الاشارة الى ان من تأثيرات العولمة تخطيها خصوصيات المجتمعات, فما عاد صالحا اعتبار بعض مشكلات الغرب له وحده اذ يجري تصديرها عبر وسائل كثيرة على رأسها وسائل الاعلام, وما لا تعرفه الفتاة من فم امها سيصلها وربما خاطئا من افواه رفيقاتها او المغنيات والممثلات اللواتي يمطرننا يوميا بأفكارهن. بالتأكيد ان مفهوم العولمة متباين بين القطبين ولن يكون الاسلام الذي هو الحقل المشترك للمشاركات المعيار الوحيد فالجغرافيا والخلفيات والسلوكيات تسهم في تكوين المرء ورسم طبائعه. اعترفت د. سارة ان الاهداف عديدة ولا يسهل تحقيقها في خطوة وحيدة, فالنقاط الخمس الواردة في كتيب الملتقى التعريفي تحكي عن اقامة جسر للتعارف بين الفتيات, يتبادلن الخبرات ويقفن عن قرب على احوال الاسلام والمسلمين ما يفرض عقد الملتقى سنويا ومضاعفة جهود اعداده وتقديم الجديد او تطوير القديم. وفي مسألة ايجاد صيغة للعمل الجماعي الموجه تكبر الحاجة الى حيادية التوجه بعيدا عن أي مطامع سياسية او فكرية متطرفة متعصبة. وكلمة حق تقال في الملتقى انه لم يسقط في هذه الزلة فحافظ على مكانته الموضوعية, الا ان الصيغة الجماعية المقترحة لن تأتي بسهولة لتستقطب اللواتي اعلن ولاءهن للدين فحسب, واظنها قضية مناطة بالمسئولين عن الملتقى وقدرتهم على الاختيار والانتقاء. الآن كيف سيصار الى تقديم نموذج مصغر لمجتمع المرأة الملتزمة بآداب الاسلام وسلوكياته, ونعول على النقطة الرابعة التي تدعو الى صياغة دور فعال ومؤثر للفتاة لتخدم المجتمع الاسلامي وتفعيل دور الثقافة الاسلامية دون الاغراق في العيش بالماضي حيث ان مكمن اشكالية العقل العربي كما يرى بعض المفكرين العرب هي التأرجح بين تيارين احدهما يتبع التراث واصوله فقط وثانيهما يلج الحداثة بلا جذور. وربما لهذا السبب ارفقت الاهداف ببند يتكفل ايجاد سبل صحيحة تتعايش بها الفتاة المسلمة مع مغريات العصر الحديث, ودعوات الحضارة الغربية التي تستهدف المرأة بالذات في ترويج افكارها وثقافتها الاستهلاكية والتنبيه من مخاطر الانسياق وراءها. لكن علينا اظهار بديل الحضارة الغربية في اشكال جذابة ومقنعة لفئات عمرية تميز الفرق بين الجامد والمتحرك وبين الانفتاح والانغلاق. لقد مال الملتقى الى اعطاء دلائل على اضرار العولمة وما تخلفه على الشعوب من آثار تمس خصوصيتها وحريتها, ولم يشر الا خجلا الى الحسنات بلا استفاضة في طرح الامثلة. والمصداقية هي تصوير الجوانب كلها, والفتاة لا تتلمس في النهاية الا ما يطالها, لهذا قرأناها في بعض الابحاث التي درست خلال الملتقى تعطي العولمة كمقدمة تاريخية وتذهب الى اماكن تعنيها بالذات وهي عادة ما تتعلق لدى الغربيات بوضعهن في مجتمع غير اسلامي. وفي اعتقادي ان محاربة العولمة لا تكون لذاتها انما للصيغة المطروحة حاليا من قبل القطب الاحادي المسيطر ان اي فكر او عقيدة تسعى في نهاية المطاف الى الانتشار واستحواذ تأييد الجماهير والتغلغل على اكبر بقعة متاحة, ولا يمكننا انكار الغاية العالمية التي يتضمنها الاسلام كديانة سماوية ونمط حياة دنيوي. ما علينا الا ان ننتظر الدورات المقبلة للملتقى والشعارات الجديدة واساليب الحوار وقنوات تطبيق الغايات والتراكم الكمي والنوعي الذي ينجم عن انشطة يفترض ان تحاكم نفسها وتعيد النظر وتنتبه لآلياتها وتحاسب الخلل في التنظيم او الطروحات مع العلم ان (رضى الناس غاية لا تدرك) . رندة العزير