كان زيد مطيع دماج, الروائي والقاص اليمني, واحدا من الروائيين الذين قلبوا المقولة النقدية الشائعة التي ترى ان الروائي الحقيقي لا يظهر في الشعوب التي تعيش فترة انتقال وحالة قلق, وهو بامتلاكه ادوات الكتابة الفنية وعمق معرفته بالقضايا ، التي يتناولها واسلوبه القادر على النفاذ الى داخل النفوس دخل عالم الكتابة الروائية من اوسع ابوابه, وهو بلغته الصافية البسيطة البعيدة عن التوعر وواقعيته أعاد خلق الشخوص والوقائع والاحداث بفنية وابداع فصوّر بشكل كاريكاتوري الحاكم الطاغية ورجاله الظالمين وعسكره المستبدين الذين يسطون على خبز الناس قبل امنهم وسلامهم كما جسد شخوص البسطاء والفلاحين والثوريين المؤمنين بالعدالة والحرية وفضح الانتهازية السياسية التي ترتدي عباءة الدين والقبيلة والثورة. زيد مطيع دماج الذي ورى جسده ثرى قريته الحبيبة الى قلبه (المجمر) يوم 24 مارس الماضي بعد معاناة مريرة وصراع مع مرض سرطان الدم استمر مدة 15 عاما, عاش سنوات عمره الـ 58 لرسالة نبيلة هي مقاومة الظلم والاستبداد, ولعل معاناته واسرته منهما كانت وراء تلك الروح القوية المتمردة التي تجسدت في اعماله القصصية والروائية التي بدأها بمجموعة (طاهش الحوبان) ثم مجموعة (العقرب) (فرواية الرهينة) ثم مجموعتي (الجسر) و(احزان البنت مياسة) واخيرا مجموعة (المدفع الاصفر) . ولد زيد مطيع عام 1934 في قرية (المجمر) التابعة لناحية السياني بمحافظة اب (60 كيلومتراً شمال تعز) في اسرة مشيخية تنحدر من قبيلة بكيل وتلقى تعليمه الاولي في معلامة (كتاب) بالقرية وتعهده والده بالتثقيف والقراءة المتنوعة ثم واصل دراسته الابتدائية والمتوسطة في المدرسة الاحمدية بمدينة تعز وفي عام 1958 سافر الى بني سويف في مصر وفيها نال الشهادة الاعدادية وفي 1963 حصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة بمدينة طنطا وفي العام التالي التحق بكلية الحقوق, جامعة القاهرة, لكنه انتقل بعد عامين من الدراسة فيها الى كلية الآداب لدراسة الصحافة. وعاد زيد الى اليمن في العام 1968 وشغل عدة مناصب ادارية وفي العام 1970 انتخب عضوا في اول برلمان في الشطر الشمالي ممثلا عن ناحية السياني وفي العام 1976 عين محافظا لمحافظة المحويت وفي 1980 عين وزيرا مفوضا وقائما بالاعمال في الكويت ونال عضوية مجلس الشعب التأسيسي مرتين بداية من العام 1979 ثم عين مستشارا لوزير الخارجية بدرجة وزير كما عمل في سفارة اليمن في لندن بدرجة قائم بالاعمال حتى رحيله يوم الاثنين 20 مارس الماضي. منذ ولادته وحتى بلوغه سن السادسة ظلت والدته تخفيه عن اعين ورجال الامام يحيى حميد الدين حتى لا يأخذه رهينة كما درج مع ابناء المشايخ ليضمن ولاء آبائهم, وكان الامام اخذ قبل ذلك (احمد) الابن الاكبر للشيخ مطيع دماج وكان هذا الامر احد اوجه المعاناة التي عاشتها الاسرة ودفعت بعائلها الى السفر بل الفرار مشيا على الاقدام الى عدن (219 كيلومترا الى الجنوب) وذلك في مايو من عام 1944 فكان بذلك من اوائل الثائرين على نظام الامام, وفي عدن انتهج المعارضة المدنية السلمية وعبر صحيفة (فتاة الجزيرة) التي اسهم في تأسيسها هاجم نظام الامامة وطالب باسقاطه وظل حتى وفاته في السبعينيات من المناصرين لقيم الحرية والعدالة والمدنية والحداثة في مواجهة الاستبداد والدكتاتورية والقبلية المدججة بالجهل والسلاح والتقاليد البالية وجاء اسهام زيد امتداداً لابيه ولكن بتعبير قصصي روائي. ويعد زيد مطيع من الجيل الثاني من القصاصين والروائيين اليمنيين لكنه كان الاوفر حظا بين جميع من سبقوه وعاصروه, وهو في مجموعتي (طاهش الحوبان) و(العقرب) اعاد صياغة بعض كنوز الموروث الشعبي والثقافة الوطنية بمهارة فائقة, وفي (احزان البنت مياسة) و(المدفع الاصفر) يلجأ الى شيء من الرمزية وهو القاص الواقعي لكنه في كلا الحالين كما يقول الدكتور عبدالرضا علي يتيح للمتلقي متعة الانسجام مع احداث قصصه وحركة الشخصيات فيها وعوالمها الظاهرة والخفية فضلا عن انه يعي دور السرد واهميته في تنمية الاحداث. غير ان اهم اعماله على الاطلاق روايته الوحيدة (الرهينة) التي نقل بها الرواية اليمنية من المحلية الى العالمية وهي تعد الان ضمن افضل مئة رواية كتبت في القرن العشرين وطبع منها اكثر من ثلاثة ملايين نسخة وترجمت الى خمس لغات هي الانجليزية والفرنسية والالمانية واليابانية والصينية ونشرت في العام 1998 ضمن المشروع العالمي الذي ترعاه اليونسكو (كتاب في جريدة) وتدرس في كلية الاداب بجامعة صنعاء, والرواية تعبر عن رؤية انسانية نبيلة تحارب الظلم والقهر وتتسم بالتعبير الواقعي عن نبض الشعب واحاسيس البسطاء وهي تطرق السياسة دون ان تتورط شخوصها في الوعظ السياسي او التحريض الايديولوجي وتجسد معاناة رهينة في قصر نائب الامام بتعز وقلعة القاهرة المطلة عليها حيث كان يحتجز الرهائن, ورغم ان الرواية اساسا هدفت تصوير اوجاع اليمنيين في ظل حكم الامامة الا انها اثارت ردود افعال غاضبة من قبل بعض الذين اعتبروا انها تهتك الستر عن المحرم في العلاقات الجنسية, ويرى الاديب علي المقري ان (الرهينة) تصور الجنس باعتباره قيمة اخلاقية عند طبقة اجتماعية حاكمة في اليمن خلال النصف الاول من القرن العشرين الا ان هذه الطبقة تمارس بين جدران قصورها عكس ما تدعيه امام العامة وما تكرسه في وعيها من محرمات ومحذورات.
