كلمة مطر, او برق, او رعد.. كلمة كهف, او بيت او حتى ناطحة سحاب, كلمات طمأنينة, وسكينة, ودفء.. وكلمات اخرى كثيرة, بات تردادها مثيرا للسخرية في عالم اليوم.. عالم الثورات المتوازية والمتقاطعة, الشفافة منها والقاتمة, التي لا تعبأ بالسحر او الرقي او الاشباح او القوى المجهولة.. وكلمة ثورة في عمقها لا تعني الا الصراع, او هي افضل تجلياته الايديولوجية. لقد باتت الارض بمجملها البيت الذي يلجأ اليه الانسان, بعد ان ولى عصر الصراع على النار او الكهف او النبتة, وضاعت المجموعات البشرية في فوضى النفي, وفوضى اللاحدود, والامكنة مترامية الاطراف, حيث لا جغرافيا تحد خيال الانسان, (فمن ثقافة العظام الى ثقافة الفضاء) ومن ثقافة المسمار الى ثقافة الالكترونيات الدقيقة, ومن السماء باتساعها الى شاشات الارقام والحواسيب متعددة الجنسيات, والجميع يدفع ثمن المكان الجديد الذي سيختارونه في هذا العالم الجديد جدا, المكان الافتراضي الذي سيقنعنا جميعا ـ على هذا الكوكب ـ بأننا لا نملك حدودا, لا نفسية ولا روحية.. لا وطنية ولا قومية, وستتآكل مقولات التاريخ حين سنكتشف عاجلا فقدان الأنا في كافة ابعادها الانسانية الوجودية, كونها (التاريخ والهوية, والتحقق الحضاري, والذات العربية, والاسلامية) , والاسباب الداعية لهذا الفقد اكثر من ان تحصى او تحصر في اتجاه واحد, فالانسانية التي عاشت على خبرات بعضها البعض سواء بالولاية او بالتحاور او التجاور او الوصاية او الانتداب او الاستعمار او الاغتصاب او التبادل ـ وهذه العبارة لا تقتضي المعنى السياسي وحسب ـ وهذه الانسانية مدعوة بحكم وجودها للتجانس في الزمان والمكان كحال فنونها او آدابها او علومها لاثبات قدرتها على الاستمرار ولتجديد جاذبيتها وتمركز هذه الجاذبية حول القيم التي سيطرحها التبدل الحاصل بفعل علاقته بالواقع المعيش, المتأثر بالتطورات الحاصلة في مناحي العلوم وسيطرة النظريات الجديدة التي يجهلها العالم الجديد المدعو للتغيير. اختزال الاصوات لم يحتج الغذاء الى وصفات سحرية كي تؤمنه البشرية, وهي التي لم تستفد ـ حتى اليوم ـ الا من واحد بالمئة من مساحة الارض للاستثمار الغذائي, الارض التي توفر الحقول الشاسعة لنمو الآلاف من الانواع النباتية والحيوانية التي اسهمت في تطوير النظريات الغذائية, فمن مقولة من اليد الى الفم, الى الامن الاقتصادي, الى عصر التسليع في ظلال التسليح, بقيت اليد تحتل موقعها في الحوار الانساني سواء الايجابي منه او السلبي, فاليد التي كانت تقبض على السيف هي التي خطت بالتقنيات التي اختزنتها الفلسفة والعلوم الاولى واعادت صياغة الاصوات في اشكال متناهية الاختزال ساعدت الانسانية على صياغة تاريخها فكانت الابجدية الاولى والرسم الاول وكل ما انطلق في رحلة الخبرة والتجربة بدءا من الكهوف ومحاولة قراءة الرمزية التي تكرر اكتشافها في الشمال والجنوب, الشرق والغرب وكل ما سيقودنا الى فطرة الانسان الاول الذي عالج موضوعاته بنفس السوية من الذكاء, الانسان المرتحل الذي سيهتدي فيما بعد الى المركز وينشئ المركزية كمفهوم شامل هو ذاته الذي سيتمركز من اجل بناء الثقافة التي بدأت بكتابة الانسان لتاريخه ورسمه ونحته, بأدوات اخترعها, وطورها, وتبادلها مع المراكز المجاورة ليعلن (عصر المدينة والفروق الطبقية والحقوق والواجبات) المدنية التي تميزت بالصروح المعمارية فائقة الدقة والخالدة على مر الازمان, والتي (شكلها الانسان ليأنس فيها الى ما سرقه من الآلهة) .. او الخوارق التي دجنها كالنار, اخت الشمس (رفيقة الانسان في رحلته المعرفية على امتداد حياته التي يمضيها تحت سقف بيته, او مشغله, او معبده) الذي ميزه الفنان, واعتنى به ايما اعتناء, فزخرفه ووشاه ولونه ونحته وانتحى به بعيدا عن ماديات الدنيا وقشورها وزوائلها ليصفي الوجدان الانساني وينحو به باتجاه قداسة المبادئ والقيم التي حفزت الفنان على تجاوز آنية الزمان ومظاهر العمل الفني للارتقاء الى الابدي غير المحدود معتمدا على فطنته ومعلوماته وتقاليده واعرافه ومشاعره واحاسيسه وتجاربه, وهو (يستعين بجسمه, وعلى الاخص بيده التي هي الاداة الدربة او العصية لانجازه) .. والفنان الذي يعتمد على الفكري والبصري واليدوي انما يحاول اقامة التوازن النهائي لموقعه التاريخي والجغرافي والمعرفي وباحثا عن مصادر الاشياء والاشكال والرموز كالمصدر التجريدي الذي يستنبط منه الاشكال والمصدر الواقعي الذي انشأه بمراقبة الطبيعة ومصادفاتها ومحتوياتها المختلفة من حيوان (المصدر التمثيلي) والمصدر الحسي الناشئ من الاحتياجات المهنية والنفعية. ويرى رينيه هويج من المجمع العلمي الفرنسي بأن (اليدوي والبصري والفكري في تبدل مستمر, فاليدوي يتطور مع تطور الاحوال العملية, والبصري مع تغير المظهر الذي تحدثه الاجيال المتعاقبة على اطار الحياة, بيد ان الفكري هو الاكثر تجددا في سير دائم هو سير الانسانية. ذلك ان الذي لا يفتر يتعدل هو الرأي الذي يبنيه الناس عن الواقع والتفسيرات التي يعطونها له. ومن هنا فكل شيء يكون مترابطا في عهد معين, وقد لا يدرك المرء لأول وهلة الصلة بين العالم الذي يستنبط قوانين والفيلسوف الذي يضع نظريات والكاتب الذي يعرب عن انفعالاته وخواطره والفنان الذي يبدع صورا او انغاماً, على ان جميعهم في اللغة الخاصة لكل حسب نهجه, يعبرون عن نظرة زمانهم الى الواقع.. ففن حقبة معينة يوافق فلسفتها وآدابها وعلمها, كما يوافق حالتها الاجتماعية والاقتصادية. ليس هذا وحسب بل ان اية محاولة لفهم فن من الفنون تقتضي التعرف على نشأة الانسان, حيث حكاية الفن هي حكاية الانسان, والتعرف على المعمار مثلا يقتضي دراسة ظروف نشأة الانسان ومدى احتياجه لتطوير افكاره في انتقاله من الكهف الى الكوخ المصنوع من اشجار الغابة ثم المسكن الذي اهله للوقوف على اعتاب الحضارة, وارتباط هذه المراحل بالقنص في الحالة الاولى وبالرعي في الحالة الثانية والزراعة في الحالة الثالثة. انتقال الافكار لابد من التنويه بأن العديد من الفترات الثقافية اتخذت اسماءها من انماط الزخارف الفخارية التي ابدعها الفنانون.. ومع تذكر الوقائع الاولى لاسلافنا نتذكر ما كنت قد بدأته من حديث عن المطر والطمأنينة, واللحظات الحرجة التي جعلت الفنانين ينتقلون في التاريخ والجغرافيا, الزمان والمكان ويتغيرون بتغير المجتمعات ويتطورون بتطور الحضارات منذ اللحظة التي امسك بها الانسان قطعة الصوان ونحت منها تمثالا الى اللحظة التي يمكن فيها ان نحضر كل معارض العالم على الانترنت, والقاسم المشترك هو اننا مازلنا حتى اليوم نجهل الدافع الذي حدا بالانسان الاول كي ينحت تمثاله مهما بالغت الفلسفة في اعطاء التبريرات للاجابة عن مثل هذا السؤال البسيط وكذلك الدافع الذي يذهب بالناس اليوم لاكتساب الخبرات المكثفة المؤدية لاستنباط القيم الجمالية.. الحجر الاساسي في صنع الحضارات. اني اذ اتذكر الوقائع الاولى لأسلافنا اتذكر اللحظات الحرجة التي تجعل الفنانين ـ مثلا ـ ينتقلون من مكان الى اخر, ولكل فنان اسبابه الخاصة التي لا تشبه غيرها, ولكنها تجتمع على قضايا ثابتة مثل ما اشار اليه فرانسيس جوردان في كتابه (دروس في الحماقة) حول مجموعة اللوحات التي حصلت على الجوائز الرسمية في فرنسا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر, وألحق بالكتاب قائمة بأسماء الفنانين الذين عاشوا في الفترة نفسها ولم يحصلوا على جوائز ولم تعترف بهم الدوائر الرسمية, وتضم القائمة اسماء (دييجا, سيسلي, بيسارو, ماتيس, روو, دوفي, سيزان, مونيه, رنوار, روسو جوجان, لوتريك, بونار) والواقع ان هذه الاسماء هي التي عاشت وعاش فنها من بعدها, في حين ان (مجموعة لوحات المصورين الاكاديميين الذين ـ حظوا بالجوائز ـ لا تعدو ان تكون اكداسا من الادعاء المتغطرس والتفاهة المتعجرفة, والرياء المتخم) على حد تعبير الدكتور عز الدين اسماعيل. الرسام ينتقل في المكان كي ينتقل بأفكاره, ولهذا فإن التساؤل يكون جادا حين نتساءل عما جعل بيكاسو يهجر اسبانيا الى باريس, ويجعل جوجان يهيم في تاهيتي ورامبو في عدن, ومحمد عمر خليل في امريكا, ومروان قصاب باشي في المانيا, الهولندي في فنرسا, والفرنسي في مصر والمصري في ايطاليا, والايطالي في امريكا.. ما الذي يدفع بالفنانين لتبادل مواقعهم وتنويعها, وفي اي اطار حضاري ومعرفي قاموا بانتاج ما ساعد على تشكيل صورة واضحة لعصرهم, فمنحوه من الخصوصية ما زاد من التأثير بالمذاهب والاتجاهات التي تلتها, لنسدل الستار الحديدي على صرعاتها, وصراعات الفلسفة التي سادت معها لننفتح مرة اخرى على عصر جديد مازلنا نعيش ارهاصاته الاولى, ليعيد الى الاذهان عصر الاسطورة. اسطورة العولمة: العالم كله صحراء.. او يتمنى ان يكون كذلك, غربة تأكل اهلها, والارقام هي نحن المجردون من قيمنا, المتشيئون في اسواق الضآلة الانسانية.. هل هذا ما ذكره اندريه مالرو (ان كل ما هو داخل الانسان يتطلع الى ابادة الانسان) . العالم كله صحراء, وما يحف باقصاده (حرب تفرض غاياتها على عصر الحضارات والثقافات والتقنيات والاتصالات. وبعد ان حلت الكتب المقدسة وكتب التاريخ والآداب والمعاجم مكان ميثولوجيا الشعوب القديمة), يعود التاريخ ليفرض ميثولوجيا جديدة, ليست غايتها تفسير العالم, والعلاقة الانسانية الحيوية بموجوداته, بل هي ميثولوجيا لفرض (الطوفان السلعي الجديد) الذي يحيل كل شيء الى (قيم جديدة) وحيل جديدة ومحاكمات جديدة تمحي فيها ادوار تعارفت الانسانية على وجودها. اسطورة التصحر, اسطورة الالكترون, اسطورة الصورة, اسطورة الارقام والاعلان والاتصال والانتقال وقتل المسافات وبروز مواهب اختراق الحدود وصياغة الذات الفردية في مواجهة (الفلسفات التي تحولت الى ارث جامد, وتراث يمكن النظر اليه بحياء).. وقد يكون سؤالنا عن انفسنا وعن ثقافتنا وفنوننا مثار جدال في اطار هذه الغيبة التي تفرضها ظروف عدم وضوح (النظرية العولمية) المطروحة بالرغم من الاحاديث والمؤتمرات والابحاث والكتابات التي شغلت وتشغل بال المثقف العربي, واختلاف الرؤى حولها كحال الاختلاف على كل شيء, رسميا وشعبيا وفرديا, فقد اختلفت آراؤنا حول الحداثة وما بعدها, واعتقد انه لم يطرح شيء على بساط البحث الا واختلفنا فيه الى ثلاثة اتجاهات: الاول مؤيد والثاني معارض والثالث توفيقي يدمج ويلغي. وهذا (الانشطار الثقافي) مميز اساس لهويتنا الحضارية بدءا من الموقف من قضايا (التثاقف) وخوض غمارها, الى الرهانات على (التغريب) والموقف من التراث, ودور اللغة في بناء الانسان معرفيا ومجتمعيا ومدنيا وتنظيم الحياة الثقافية والاجتماعية. واعتقد اي بإشارتي الى اللغة انما اعيد ما علمه (دي سوسير) (بأنها منظومة من العلامات, ليس بينها وبين ما ترمز اليه علاقة طبيعية, بل علاقة اصطلاحية) اذ تتغير العلاقات الاصطلاحية كليا بفعل المصطلحات الجديدة التي تفرضها القيم المتغيرة في ظلال (العولمة) وكان الفن محض نسخ للاشياء لحسر بعده الجمالي, ويدقق (ستراوس) هذا التحديد المكاني في (فكره البري) فيقرر (ان الفن يقع, من هذا المنظور, في منتصف المسافة بين المعرفة العلمية والفكر الاسطوري او السحري) . والفن هو الذي يؤمن عملية مرور الفرد من الطبيعة الى الثقافة. على ان ما يهدد الهوية في العولمة هو ما نعلمه عن قوامها, ومؤداها, وهي تعبر عن مظان الفرد وتذيبه في الجماعات في محاولة لاعادة هيكلة الجماعة, وهذا ما يغيب عن ايديولوجيا العولمة الجديدة التي اساسها الفردية, وفقدان الخصوصية, والهوية الوطنية, والقومية, والذوبان في (الشمولية الساخنة) خارج الوظيفة الاجتماعية. والبروز عبر (الوهم) الذي يحيي البعد الامتلاكي لدى الانسان وتضخيم ذاته التي لن تتآلف مع الذوات الاخرى, فتغيب التجمعات والجماعات والاتجاهات والنزعات ليبرز (الفنان المتوحد) اذ لن نشهد ما شهدناه حين تحرك التيار الانطباعي, ليرفض البعد الاكاديمي الضغاط بكلكله على الفن الكلاسيكي, والقاضي بضرورة احترام النماذج عند مباشرة مواضيع العمل الفني. وضد هذه الاكاديمية راحت الانطباعية تلهث وراء الموضوع (النيىء والفج) .. ومع ذلك, فإن هذا الموضوع النيء, ظل موضوعا للتمثيل والتشخيص والتملك, ليس في اعمال ما اعترف عليه من رواد المذهب الانطباعي بل وامتداد في التاريخ حيث يمكن الملاحظة (على جدران كهف بيش ـ ميريل, وبجانب بقع حمراء, توضع اخيلة وطيوف اشتراطية تنتهي بحدها الاقصى الى مجموعة من الحيوانات, يمكن التعرف على حيوان الماموث, وفوق البقع الحمراء يمتد رسم طيفي, يفسره الكثير من الاختصاصيين كرسم (انطباعي) مقلد للثور, صدر قوي ممتد الى الاسفل, الى مخروط يغطي رأسا منكسا, ونحن في هذه الحالة امام ثور جاهز للهجوم) . الجوهر الجديد ابعد من رأي يان ايلينيك الاخير الوارد في كتابه الفن عند الانسان البدائي يمكن ان نقف على النماذج المتكررة او الرموز والعلاقات التي تحولت فيما بعد الى مفاهيم اولية شكلت جوهر الانطلاقات الفنية في العصور المختلفة, حيث (يشكل اختزال التعبير درجة غير منظورة في العلاقة مع الشكل الاصلي المستقل) والمنتمي الى حدود سحيقة العلاقة مع الاشكال المميزة لاطراف ما ندعوه الهوية او مميزاتها الفنية لحضارة من الحضارات او شعب من الشعوب, والتي تتكرر بايقاع يقود للتأكيد على تفصيلات تولدها انطباعات التلقي لهذه الاشكال وفق امزجة الشعوب واستعدادها الثقافي, ولعل ما اشرنا اليه مما يمكن ان يهدد الهوية يمر عبر نزع الترابط الايقاعي فيما بين المكونات الجمالية لهذه الاشكال والذي يدفع الى الغاء كل ما يفسر الترابط بين المشاهد ومراحل الوصول الى التقنيات النهائية لانجاز مثل هذه الاصول التعبيرية. ولعل ما يشكل هدفا لقطع الصلة مع التطور التاريخي للفن, هو دفع الجهات المنتمية لابداع هذا النوع من الفنون او ذاك باتجاه الانحطاط, ومن ثم احتواء تلك الجهات تحت شعارات العصر وفنون العالم الواحد التي تدعي فيما تدعيه, خلق الانسجام فيما بين الاصل والمفهوم, لبناء مصطلح مشترك, يفرض نفسه على العلاقات فيما بين الانسان والطبيعة, يكون نبض هذه العلاقة, وايقاعها الشمولي الذي يرتقي بالشكل الى مراحل التعبير عن الجوهر الجديد, مفاهيم العولمة والرغبة باعلاء صوتها الخشن على حالات التوازن التي حققتها الحضارات الانسانية في تقلباتها العاصفة باتجاه تحويل الانتاج الفني الى سبيل تفكير ومعرفة حيث تكون طرق التعبير او التفكير مستنبطة من الجوهر الاجتماعي, اي (ما راكمته الأجيال من خبرة تقرر مسبقا اشكال حياة وفعل من يعيشون الان). والذين يشكلون هدف الفكر العولمي الساعي لتقويض قوى النشاط الذاتي للمجتمعات البشرية ودفع طاقتها الجمالية بكل ما اختزنته على مدى الازمان للخروج من مساحة وعيها وتوترها الذاتي وحقول خيالها الى يباب التشرد خارج حركة الواقع الى ما يوصف بالواقع الارفع او الاسمى او المطلق, الذي تمتلكه علوم المستقبل وليس حركة الحياة.. علوم المستقبل المهندسة الاساس لمجتمع المعلومات العولمي. الصورة الموترة عالمنا متوتر الى الصورة التي تجعل خطابه الفلسفي غائب برمته في حضور النزاعات السياسية على الاسواق, وتسليعه للثقافة, وتحويلها الى صناعات ثقافية تخضع للمعايير الجديدة التي تفرضها التناولات السياسية, من مثل وصف النظام الاعلامي بأنه نظام للانتاج الصناعي, (وقد بدأ عدد كبير من الباحثين من جنسيات مختلفة اعادة النظر في الافكار النقدية التي وضعها اصلا في عام 1947 هو ركيمر وادورنو, حول الانتاج الصناعي للسلع الثقافية, ثم تعميقها بواسطة التحاليل المنهجية, واكد هؤلاء المفكرون الذين ينتمون الى مدرسة فرانكفورت ان الثقافة (الجماهيرية) في القرن العشرين تنتج في ظروف مشابهة لظروف مصانع فورد للسيارات, والانتاج الثقافي الذي يتم توزيعه بكميات كبيرة وبمواصفات قياسية ويكون متجانسا, لا يتأثر وحده بهذه الظروف الصناعية في الانتاج والتسويق, وانما عملية الابداع الثقافي نفسها يطرأ عليها تغيير عميق وتتأثر بمنطق الربح, وعندما حلل الباحثون المعاصرون العلاقات بين الظروف الاقتصادية وانتاج الاشكال الثقافية, اكدوا على النقل الحاسم للمنطق الرأسمالي والفعلية التقنية في نظام تصنيع وانتشار المنتجات الثقافية التي يتم تداولها بواسطة وسائل الاعلام التقليدية وبواسطة المخترعات التكنولوجية الجديدة في مجال الاعلام والاتصال او بواسطة بعض الصناعات المرتبطة بها مثل الاعلام والسياحة, (انظر ثورة الاتصال ـ فيليب بروثون ـ سيرج برو ـ دار المستقبل 1993). ان المتحولات الثقافية التي اشرنا اليها, تكون خاضعة لسياسيات ونظريات تحركها هيئات او مؤسسات مكلفة اساسا للتحضير لهذه الانقلابات الاساسية في البنية البشرية, عن طريق احداث طفرات في ماهية الانسان (كنظرية الانسان الجديد الموضوعة من قبل توربرت وايز 1942 مؤسس علم الاتصال والتحكم ـ السيبرنتيكا), هذه النظرية التي يتبعها شرح (الايديولوجية الجديدة) للاتصال, وصولا الى (المجتمع الاتصالي).. وبذلك فإن الاجهزة ستركز على مجتمع دون اخر, ضمن التعريفات المؤسسة للحلول العولمية المقبلة, فمن مجتمع الاتصال, الى مجتمع المعلومات, الى المجتمع الاعلامي, الى المجتمع المعولم الذي سيعصف بالتركيبات مجتمعة لصالح خصوصية المركزية المتسلطة, وبناء المجتمع الاستهلاكي, عبر اجهزة (التسوق التفاعلي) ليضحي العالم منساقا تحت سطوة التقنية, وخاضعا للمتعهدين متعددي الجنسيات وكبار العملاء الاقتصاديين الذين لن يمكن محاورتهم الا عبر اجهزة الاتصال (اي من خلال قيم مختلفة تفرضها العلاقة الجديدة, او الحوار الجديد فيما بيننا وبين الآلة الحديثة) . وطالما ان هذه الآلة متمركزة في الغرب, فإن الحديث عن المركزية الغربية سيبقى عنوانا رئيسيا في العلاقة بين الشمال والجنوب. وقد أدت البحوث ومراكزها ومفكروها ـ في الغرب ـ الى توليد مجموعة هائلة من المصطلحات التي لا يمكن اعتبارها الا نتاجا طبيعيا للنظرة الغربية التفوقية في انتاج المعوقات الاساسية لوعي الاخر, سواء في قراءة ذاته, او هويته, او تكوينه الثقافي والروحي.. وبالتالي فإن هذه المفهومات النقدية والاصطلاحية تسلب من غير الغربي كينونته الانسانية, وخصوصية فعله التاريخي والحضاري. الاكتشاف الابداعي يذكر شكري عياد في كتابه المذاهب الادبية والنقدية مختصرا صريحا لأزمة الحداثيين العرب في جوهرها, وهو ما يمكن ان يتمم التوجه الغربي لتفكيك بنى الاخر المعتمد اساسا على تجاربه.. ان الحداثي الغربي له حضوران يحرص عليهما قدر استطاعته: حضور في مجتمع الغربي, وحضور امام مراكز الثقافة الغربية. وحضوره في الثقافة العربية واضح: فهو يحارب التخلف والجمود في النظم والمؤسسات, كما يحطم التقاليد اللغوية والفنية. ولكن حضوره في الثقافة الغربية غير بارز ولا مميز, لأن هذه الثقافة تمر منذ فترة غير قصيرة بعصر من التجريب في كل ميادين الفكر والفن.. فالحداثي العربي في محيطه العربي يقف ضد الجمود والتخلف, وفي حضوره الغربي يقف ضد الثقافة التجارية الرأسمالية.. الخطر في بيئته العربية.. يأتيه من كونه غير مفهوم في حين ان الخطر عند انداده الغربيين يأتيه من اغراء الانحدار الى السوقي, ويظل الحداثي الغربي عندهم وعند قرائهم غير مفهوم ايضا, لأنه يحطم قيودا لا يشعرون بها, ويهاجم محرمات لم تعد عندهم بمحرمات. هذه الاشارة تؤكد ازدواجية الموقف الثقافي بين الولاء والانعتاق للمركزية الغربية, وقد كانت الحداثة الغربية مرتبطة الى ابعد الحدود بهذه المفاهيم, مع النهوض الاستعماري الغربي, وفرض قيم المجتمع الصناعي على الشعوب الاخرى بالقوة, تحقيقا لمفاهيم نشر الذات الغربية ذاك الوقت, بدعوى الحداثة المتمثلة في تحقيق الحلم الغربي بالانتشار, عبر (الثقافة والعلم والقوة) لفرض اوروبا كموجه للحضارة الانسانية التي تولد القيم والمعايير والنظريات. فنرى الى اي مدى تم ربط الحركات الابداعية بها, وكذلك النظرات الفلسفية والتحليلية, وسيكون تاريخ الفن ـ مثلا ـ شاهدا اساسيا على هذا الربط, متمثلا منذ البداية في رحلات الفنانين الى الشرق, وتأكيد ان نظرتهم تقع في حدود (الاكتشاف الابداعي) المتساوق مع (الاكتشاف الجغرافي) الذي ادعته الاساطيل والجيوش والغزوات التي توجهت الى جنوب وشرق المتوسط, وهذا ما تم فعلا منذ توجه ديلاكروا وكلي وجوستاف كليمت وماتين وبيكاسو.. وكافة الفنانين في تلك البلدان للاطلاع على خصائصنا حين رافقوا رحلات الغزاة, او حين قاموا بذلك لأهداف معرفية خالصة, ليقدم الجميع صورة سياحية للشرق تفرغه من محتواه الروحي, وتقدمه كطبق مبهر للمتلقي الغربي القابع في تلافيف الغريزة المادية, وروائحها المنطلقة من التصور القاصر لحكايات ألف ليلة وليلة, التي تضيء (مجتمعات خام) لا تعدو كونها ادوات لإبراز المركزية الغربية كمؤسس للحضارة الانسانية بتجاهل الحضارات الاخرى (العربية والاسلامية والكونفوشية والفرعونية والفينيقية.. وغيرها) وتدعم الحضارة الغربية (الرومانية واليونانية) كأسس لقراءة التاريخ, بالاعتماد على منتجاتها وفنونها وفلسفتها, ولبناء ركائز جديدة لعلوم الاستشراق التي احدثتها المركزية الغربية لتغيير حقائق الدلالة والبنية, عبر نظرة استراتيجية متكاملة, وضعها الغرب, وحققها في فترة من الفترات دون ان يعبأ بتجربة او خصوصية, او مفاهيم وقيم الآخر.. اي اخر. استلاب الواقع ان الواقع التشكيلي في شرق آسيا واليابان ـ اليوم ـ سيكون مثالا واضحا للاستلاب الواقع على العمل الفني في تلك البلدان, بدءا من طريقة انشاء الصالة المعنية بعرض الاعمال الفنية, وانتهاء باساليب واتجاهات الانتاج الابداعي العام, الذي يبدي تبعية واضحة تفرضها العلاقة الاستلابية فيما بين المركزية الغربية وفلسفة المجتمعات الاخرى في صياغة ذاتها, بما يحدد هويتها وسبل ممارستها لفعالياتها العامة. ويتم ذلك في اطار المجتمع الاستهلاكي المعولم الذي يحدد قيمه ومنتجاته. (وقد استكمل هذا النظام بنيانه عبر تطويره لعلوم تطمح الى احتواء الازمنة الاجتماعية والتاريخية في طيات ما بناه من مذاهب فكرية مختلفة تقدم نفسها اسسا مرجعية لأية محاولة تستهدف النظر في سنن هذا النظام وسياقات تشكله, وطرق اشتغاله المختلفة. واذا كانت هذه العلوم تطرح نفسها اداة كاشفة لأغوار هذا النظام وما يختزنه من عناصر مستترة, وتيارات دالة على معالم توازنه وتطويره ونقاط اختلاله وازماته, فإن هذه العلوم لا تخرج عن كونها انظمة معرفية مشدودة الى رحى النظام الاكثر ثباتا وديمومة, فهي في جهدها الدؤوب لالتقاط سنين وايقاعات المادة المتكسرة, تبقى عينا يقظة, ترهف السمع والنظر في تعيين ورصد التقلبات, والمساهمة في اعادة ضبطها بما يتناسب مع الاسس العامة الناظمة لمسار التحولات والتغييرات الحادثة) . (الاخر في منظور الفكر العربي الحديث ـ د. حسن الضيقة ـ ص 130). فالنظرة المتفوقة الى ابداعاتنا لا تخرج عن كونها نظرة مبنية على مجموعة الافكار المسبقة التي قسمت العالم الى قسمين غير متكافئين, قسم ناظم للحضارة وقسم مستهلك لها, الاول يتمثل بالمجتمع الغربي الحديث والثاني بباقي المجتمعات الانسانية الجامدة, التي من المفترض ان تكون معطلة الامكانات منشغلة عن شئون الابداع التي تطور الواقع وترسم خطواته الى المستقبل. وما يهم في هذا المقام تحويل المجتمعات الاخرى الى مجتمعات استهلاكية, ومن وجهة نظرهم فإن (انشغال المرء بالفنون والاداب وشئون الفكر, يؤدي حتما الى تقليل استهلاكه من الخدمات والسلع, فالانسان الذي تتركز اهتماماته على احتياجاته العقلية والروحية سيكون سعيدا ان هو خلا بنفسه في داره يقرأ او يفكر او يستمع الى الموسيقى او يمارس هواية, اما من لا تشغل ذهنه اهتمامات عقلية او فنية فعادة ما يصاب بملل قاتل ان هو لزم داره, ولا تفلح افكاره في صرف الملل عنه, فيلجأ عندئذ من اجل الترفيه عن نفسه الى شراء سلع يحسب انها تعوضه عن فقره الروحي.. مثل هذا الشخص هو المستهلك الامثل وهو الهدف الذي يستهدفه ارباب الصناعة والتجارة وتخاطبه اعلاناتهم وهو الخليق بالرعاية والتشجيع والجدير بالثناء) . (جريدة الحياة ـ العدد 1315 ـ حسن احمد امين).. بينما يبقى المثقف عرضة للسخرية, وهدفا للازدراء يجب تعطيل قواه الحيوية, والتطويرية, والانفعالية.. الم يقل سقراط هذه العبارة اثناء تجواله في السوق (الا ما اكثر الاشياء التي لا اريدها) . كتب: طلال معلا


