التاريخ ... وجهات نظر ما هو التاريخ؟ إنه مجموعة من الأحداث. ونحن أمام هذه الأحداث فئات ثلاث: فإما أن نكون صناعا لها أو مشاركين في صنعها. وإما أن نكون معاصرين لها فنسمي أنفسنا شهودا عليها. وإما أن نكون غائبين عنها, بمعنى أننا لم نتواجد ولم نعش في العصر الذي حدثت فيه, فنكون مطلعين عليها من خلال الكتب ووسائل الاطلاع التي طرأ عليها التصوير الفوتوغرافي والسينمائي والتلفزيوني, وستطرأ عليها وسائل أخرى لا يعلم أشكالها ولا عددها سوى علام الغيوب والراسخين في علوم هذا العصر والعصور المقبلة. قليل ممن خلق الله منذ عهد أبي البشر آدم عليه السلام وحتى اليوم هم الذين أسعدهم الحظ أو أتعسهم فشاركوا في صنع التاريخ بصفحاته البيضاء والسوداء على مدى عمر البشرية, ذلك ان صناعة التاريخ الذي هو مجموعة الأحداث تتطلب قدرا كبيرا من صفات القوة والسلطة والعلم والذكاء والفن والموهبة والغباء والعقل والجنون والعظمة والضعف والأنانية والتجرد من حب الذات, وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن صناعة التاريخ تتطلب خلطة عجيبة من المتناقضات والأضداد التي قد لا تتوفر في شخص واحد, أو يتوفر بعضها ولا يتوفر البعض الآخر. ثم إن صناعة التاريخ تحتاج إلى فرصة قد لا تتاح لكثير من البشر عندما تتدخل عوامل خارج نطاق الحسابات فتحول دون إتمام محاولة لتغيير مجرى التاريخ أو تغيّر مسارها تماما, والشواهد على ذلك كثيرة. ولذلك ولكل هذه الاعتبارات فإن محاولة الاشتراك في صنع التاريخ تبدو مهمة صعبة للكثيرين منا. فإذا ما انتقلنا إلى الفئة الثانية, وهي فئة الشهادة على التاريخ ومعاصرة الأحداث, أي رؤية التاريخ يتشكل أمامنا لتقرأه الأجيال القادمة بعد ذلك, وجدنا أنفسنا في حيرة مبعثها ذلك الاختلاف الشائع في تفسير الأحداث والوقائع تبعا للمعسكر الذي ينتمي إليه المشاركون في صنع هذه الأحداث ومن يقف وراءها. ولتقريب الصورة يستطيع كل واحد منا أن يستحضر العديد من الأحداث التي يمكنه أن يسجل اسمه شاهدا عليها. أذكر على سبيل المثال حدثا عشت تفاصيله لحظة بلحظة أثناء مرحلة الدراسة الجامعية بالقاهرة, وهو ما عرف بعدها بأحداث 18 و19 يناير التي جرت في أواخر السبعينيات إبان حكم الرئيس الراحل أنور السادات. عدت إلى القاهرة مساء يوم السابع عشر من يناير بعد اجازة قصيرة لم تتجاوز الاسبوعين. ليس ثمة ما يشير إلى ان هناك أمرا غير عادي على وشك الوقوع في القاهرة ليلة الثامن عشر من يناير. الشوارع مكتظة بالبشر في حركة اعتيادية بعد انقضاء يوم آخر من أيام الشتاء المعتدلة. الناس عائدون إلى بيوتهم, (الأوتوبيسات) مزدحمة بالركاب المتراصين داخلها و(المتشعبطين) بها والمستقرين فوق أسقفها. ورغم ما تموج به الساحة السياسية من تحولات جذرية عاصفة في المواقف والاتجاهات نتيجة ما أعلنه السادات من أفكار شلت تفكير الجميع وأفقدتهم القدرة على التحليل وفهم ما يحدث إلا أن الشارع المصري كان قد وصل إلى مرحلة من اليأس دفعته للتشبث بأي بارقة أمل للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يرزح تحت وطئها, ويعاني من ويلاتها أزمات في السكن والمواصلات والتموين وكل القطاعات, خاصة وان سياسة الانفتاح التي ظن انها ستخرجه من هذه الأزمة لم تغير من الأمور شيئا إن لم تكن قد زادت من استشراء الفساد في البلد, وساعدت على ظهور طبقة أفادت من هذه السياسة وأثرت منها على حساب غالبية الشعب المكونة من الطبقة الكادحة المطحونة. بتنا ليلة الثامن عشر من يناير والأجواء على الحال الذي وصفت. في الصباح.. وفي حوالي الساعة العاشرة كنت خارجا للذهاب للجامعة, فقد بدأت الدراسة بعد عطلة العيد وأنا متأخر عن بدايتها لسفري في الاجازة. عند باب العمارة وجدت البواب يسألني عن وجهتي, وعندما أجبته بادرني قائلا: (ألم تقرأ صحف اليوم؟) قلت له: (الواقع انني لم أقرأها لانني كنت في عجلة من أمري.. ما الجديد فيها؟) رد قائلا: (لقد صدرت الصحف اليوم وفي عناوينها الرئيسية قرارات برفع دعم الحكومة عن قائمة طويلة من المواد التموينية على رأسها الزيت والسكر والخبز, كما تم رفع سعر البنزين والسجائر وسلع ومواد استهلاكية أخرى من صميم احتياجات الشعب, وقد خرجت جموع غفيرة من الطلبة والعمال والموظفين ومختلف فئات الشعب في مظاهرات صاخبة احتجاجا على هذه القرارات مما أدى إلى نزول قوات الأمن إلى الشوارع, ويقال إن (الدم للركب) في ميدان الجيزة.. لذلك أنصحك بالعودة وعدم الخروج من البيت اليوم حتى تتضح الرؤية) . هكذا نقل لي (عم عبدالله) البواب الصورة, وقد كنت أسكن بحي المهندسين حيث تفصلني عن ميدان الجيزة القريب من الجامعة كيلو مترات قليلة, ووجدت نفسي أمام هذا الوضع أغير خط سيري وأتجه إلى شقة أحد الأصدقاء تقع في الشارع نفسه حتى نرى ما سيحدث وكيف ستتطور الأمور, فعلى مدى سنوات من الاقامة بالقاهرة شهدت تحولات كثيرة غيرت مجرى التاريخ لم أر الأمور تتفاقم على هذا النحو إلى الدرجة التي تخرج فيها جموع الناس إلى الشوارع في حركة احتجاج تأخذ هذا الشكل المتسم بالعنف رغم المعاناة التي كان يعبر عنها الناس بطرق أخرى لم يكن بينها التظاهر علانية ضد الحكومة وقراراتها, ويبدو أن عدم اعتراض الجماهير على كثير من القرارات السياسية التي اتخذتها الحكومة جعلها تمضي في اتخاذ قرارات أخطأت هذه المرة في حساب نتائجها فاقتربت من قوت الشعب وطعامه اليومي, وهنا تفجر الغضب المكبوت, وعبرت عنه الجماهير بالشكل الذي بدت عليه شوارع القاهرة صبيحة هذا اليوم الذي أصبح شهيرا. تصاعدت الأمور على مدى هذين اليومين وفرض حظر التجول على العاصمة المصرية مساء وطوال الليل, فخلت الشوارع من المارة بينما قام التلفزيون بعرض مسرحية (مدرسة المشاغبين) في فترة الظهيرة لابقاء الناس في بيوتهم, وقد كان ذلك تصرفا ساذجا آخر ليس هذا مجال الحديث عنه, كما بث حديثا مسجلا لفضيلة الشيخ الشعراوي - رحمه الله - يدعو فيه الناس للهدوء, وفي اليوم التالي ألغت الحكومة قراراتها وعادت إلى دعم هذه السلع وعاد الهدوء يخيم على قاهرة المعز. الشاهد في هذه الأحداث بعد ذلك ان الذين خرجوا متظاهرين في ردة فعل طبيعية احتجاجا على قرارات الحكومة أطلقوا على حركتهم (انتفاضة الجياع) أما الحكومة وأجهزة الاعلام التي تهيمن عليها بطبيعة الحال فقد أطلقوا عليها (انتفاضة الحرامية) وشتان بين الاسمين. اليوم وبعد مرور ما يزيد على العشرين عاما على هذه الأحداث تستهويني قراءة ومتابعة ما يكتب أو يقال عنها من خلال اللقاءات التلفزيونية من قبل المحللين أو المشاركين في هذه الأحداث من أركان الحكومة أو ممن تظاهروا ضدها بعد أن أصبحت إحدى العلامات البارزة في تلك المرحلة من فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات, وأجد سؤالا ملحا يطرح نفسه حول الزاوية التي ننظر منها للحدث, ومن ثم مدى الاختلاف في الرؤية والتباين في وجهات النظر إزاء الحدث الواحد. وثمة حدث آخر أعتقد اننا جميعا شهود عليه حيث ما زالت تفاصيله حية في الذاكرة, ماثلة أمام العيان, ولا تزال توابعه وتأثيراته تلقي بظلالها على العالم أجمع, وتمثل منطقتنا بؤرتها الرئيسية. تلك هي حرب الخليج الثانية التي أحدثت زلزالا تجاوز حدود اقليمنا ليشمل كل شبر على سطح الكرة الأرضية. أما الاختلاف حوله فحدّث عنه ولا حرج, إذ سيظل المؤرخون والمحللون عقودا كثيرة من الزمن يرصدون جوانبه, ويرفدون مكتبة التاريخ بالمئات وربما الآلاف من الكتب كي يصلوا إلى قاعدة منطقية تفسر اقتناع كل طرف بوجهة نظره. يبقى قبل الختام أن نعرج على الفئة الثالثة التي نشكل في كل الأحوال جزءا منها, وهم قراء التاريخ الذين لم يعاصروا الأحداث, فنقول إن موقفهم من الأحداث رهن باطلاعهم على ما كتب عنها, وموقف من كتب وإلى أي معسكر ينتمي. والشواهد على ذلك كثيرة, يأتي على رأسها تاريخنا الإسلامي في أواخر عهد الخلافة الراشدة وأثناء الفتنة الكبرى, إلى الدرجة التي تجعلك أحيانا تود اغلاق جميع الكتب, وتتمنى لو لم يكن أحد قد دوّن شيئا من هذا التاريخ كي تحافظ على قيم كبيرة استقرت في الوجدان لا يمكن أن تزعزعها وجهات نظر لمؤرخين لا نعلم الظروف التي دونوا فيها هذه الأحداث, ولا التلة التي كانوا يقفون عليها ومدى ارتفاعها, ولا الزاوية التي كانوا يطلون منها على المشهد عندما أمسكت أيديهم بالريشة لتغمسها في حبر الدواة وتسجل هذه الأحداث كي نقرأها نحن وأجيال ذهبت وأخرى ستأتي حتى يرث الله الأرض ومن عليها.