بقلم ـ محمد سطام الفهد يعتبر (علي بن محمد بن العباس التوحيدي) والمعروف (بأبي حيان التوحيدي) علما من اعلام الادب العربي والكتابة الفنية في القرن الرابع الهجري, وقد كانت حياة هذا الاديب مليئة بالحيوية الذهنية, حافلة بالفعالية التأليفية, بقدر ما كانت مفعمة بالمتاعب والمنغصات والمعوقات المادية والمعنوية فقد الف كثيرا وقرأ كثيرا, فحفظ احسن ما قرأ, ودون اروع ما سمع وشاهد, كما انه شارك في قضايا عصره الفكرية والاجتماعية والعقائدية, فوقف منها مواقف تتناسب وذهنيته ونزعاته الفكرية والعاطفية والمزاجية. فترك لنا بذلك, تراثا ضخما متنوعا, فيه الآثار الادبية والفلسفية والصوفية. ولد ابو حيان التوحيدي سنة 313 هـ, من اسرة فقيرة متواضعة, ولولا بعض الاخبار والاعترافات الذاتية التي وردت في كتبه, او كتب معاصريه, لما امكن تعيين المراحل الكبرى في حياته الطويلة التي امتدت طوال القرن الرابع الهجري, ورافقت دولة (بني بويه) فقد توفي ابو حيان عام 414 هـ وقد عاش حياته كلها فقيرا, حليف الشقاء والحرمان والكآبة وفريسة الخوف والظلم, ولكنه قدم لنا عبر كتبه, وعيا وثقافة اغنت التراث العربي حتى اليوم. يعد كتاب (المقابسات) من اهم الكتب التي الفها (التوحيدي) واكثرها تميزا, فهو اقرب الى ان يكون كتابا فلسفيا متخصصا, يؤرخ فترة خصبة من تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية في القرن الرابع الهجري. اطلق (التوحيدي) على كتابه عنوان (المقابسات) وهي تسمية غريبة, لا تخلو من طرافة, وتحتاج الى تفسير, فالكلمة مشتقة من فعل (قبس) ومنها قبس منه نارا فأقبسه: اي اعطاه منها, وفي المجاز: اقبس منه علما: اي استفاد. ومعنى المقابسات: ان يشترك اثنان او اكثر في محاورة علمية او فلسفية, فيقبس احدهما العلم والمعرفة من الآخر, ويعطيه ما عنده منها. والظاهر ان (التوحيدي) تجاوز هذا التعريف, فلم يعد محتوى الكتاب مقابسات تجري بين طرفين, بل محاورات, وآراء واختيارات, ومقالات ومحاضرات وآمال وضبوط جلسات ضمت الى بعضها دون ترتيب او تبويب فشكلت مادة الكتاب وقد الف (التوحيدي) كتابه في الدور الاخير من حياته, اي بعد مفارقته الوزير (ابن العارض) الذي سامره (التوحيدي) في موضوعات ادبية وفلسفية وعلمية ولغوية, احتواها كتاب (الامتاع والمؤانسة) . ظل (التوحيدي) يجمع مادة (المقابسات) طوال ثلاثين سنة اي في الفترة الزمنية الممتدة من عام 360 هـ الى 390 هـ وهي فترة تميزت بالنضج العقلي, والحكمة المكتسبة, والتجربة الحياتية المستكملة. يقدم لنا (التوحيدي) في كتابه هذا, تلك المجادلات الفلسفية التي سمعها بنفسه, وتلك الجلسات التي كان يعقدها جماعة من العلماء الاعلام الذين ورد ذكرهم في (المقابسات) وكل واحد منهم علم من اعلام ذلك العصر في العلم الذي يتكلم فيه ويبدو ان تلك المجالس, كانت تسودها الفوضى احيانا, لتعدد مناحي القول, وانعدام التسلسل المنطقي في المناقشات وعدم التزام موضوع واحد يشترك الجميع في تداوله, وغلبة البيان والتلاعب بالالفاظ على الدقة في التعبير الفلسفي والافصاح عن الفكرة الاساسية. ولا شك ان الاعتماد بالرأي, وحب التميز, والتباهي شوهت الموضوعات المطروحة, واحدثت خللا وفجوات في النصوص, التي جهد (التوحيدي) في التقاطها وتدوينها, ومن الغريب ان الجميع كانوا مؤمنين برأي (افلاطون) القائل: (ان الحق شيء نسبي, فهو لم يصبه الناس من كل وجوهه, بل اصاب منه كل انسان جهة) . ولذا اعتصم كل واحد من الجماعة برأيه, واعتقد انه الصواب وقد قال البعض: ان فضل (التوحيدي) لا ينحصر في نقل الافكار والمساجلات التي كانت تدور في الاوساط العلمية, بل يمتد الى عملية تنقيح الآراء وغربلتها, واعادة صياغتها, والتعبير عنها باسلوب ادبي ناصع. وحسب الكتاب مفخرة, ان يؤرخ للأفكار الفلسفية والتيارات الفكرية في عصر يعد من ازهى العصور الاسلامية واغناها. وهو يعرفنا على عقلية الباحثين في ذلك العهد, رغم ان (التوحيدي) لم يتبع في تصنيف كتابه نظاما معينا, يفرضه مفهوم الكتاب التقليدي, اي تدوين مادة مبوبة ومرتبة ذات بداية ووسط وخاتمة, تمكن القارئ من الانسياب بيسر بين اجزائها, مستمتعا بالتسلسل المنطقي يروي لنا (التوحيدي) احاديث سمعها بنفسه, ودون ما دار حولها من تعليقات, واغلب هذه الاحاديث جرت في مجالس استاذه (ابي سليمان السجستاني) فهو اما ان يكون سائلا او مسئولا, وقد كثرت في الكتاب عبارات: سمعت ابا سليمان وقال ابو سليمان. كما ادرج المؤلف (ابو حيان) الامالي التي كان يمليها (ابو سليمان) على الحاضرين, واعتمد في عملية التأليف على النقول والاقتباسات من مؤلفات الفلاسفة القدماء (ارسطوطاليس ـ بطليموس ـ جالينوس) كما ينقل من كتب عربية, كنقله نصوصا من رسالة لأبي اسحق في تفضيل النثر على النظم, او من كتاب (النسك العقلي) لأبي الحسن العامري. وبذلك فإن التوحيدي كان على صلة وثيقة باستاذه, وبعلوم العصر, وان جماعة استاذه كانوا مطلعين على الفلسفة القديمة وبخاصة فلسفة (افلاطون) و (ارسطو) و (افلوطين) فكانت (المقابسات) مصدرا وحيدا لكل ما نوقش وذكر من افكار وقضايا كتبها (ابو حيان التوحيدي) ورواها على عهدته, وقارئ الكتاب, سيدرك ان المؤلف قد غلبت عليه نزعة الادب حين دخل عالم الفلسفة, فأخذ المعاني وصاغها في قالب ادبي جميل.