غرائب وعجائب العولمة لا تنقطع, فالتيار جارف, متقلب, وهادرة امواجه, تكتسح كل الشطآن, وتدمر الجسور, وتدك القلاع التي كانت حصينة, وباتت وهما في عصر القرية العالمية التي يراد امركتها وتدجينها. وآخر ابداعات العولمة ـ وليس آخرها ـ مذيعة نشرات الاخبار العالمية عبرالانترنت (انا نوفا) وهي مجرد دمية كمبيوترية, تسمع وترى ولا تلمس, تخايلنا بمظهرها وملامحها القياسية التي لا تمت بصلة نسب الى ملامح محددة لبلد معين بل تعكس مغزى العولمة العابرة للقوميات والقارات, حتى اسمها , هجين عولمي, فلا هو اوروبي شرقي, ولا هو اوروبي غربي, وان جمع في حروفه ومقطعيه, بدايات الاسماء في كليهما, وبالتأكيد تجاهل صناع الدمية الاعلامية الفتاكة (انا نوفا) الشطر الجنوبي من الكرة الارضية حيث نقف نحن في وطننا العربي والاسلامي موقف المشاهد والمتلقي ـ السلبي طبعا ـ لا حيلة لنا, إلا مصمصة الشفاه, في دهشة وانبهار عاجز, بعد ان غادرتنا تلك الدهشة المثيرة الخلاقة للفعل والحافزة للكشف والابداع وحكاية المذيعة الالكترونية (انا نوفا) التي سيصبح بإمكاننا مشاهدتها على شاشة الكمبيوتر او حتى شاشة الهاتف النقال, وهي تنقل لنا اخبار العالم تندرج في تيار (العولمة) الذي يهدد بإغراق كل العقول في متاهة (التنميط) على غرار نموذج غربي واحد, يرفض الحوار او الشراكة مع نماذج اخرى ثرية واكثر اصالة وعراقة ويسعى لاحالتها الى الاستيداع, زاعما ان عمرها الافتراضي قد انتهى, وجاء موعد ادخالها متحف التاريخ. ففي الدمية الفتاكة (انا نوفا) لن يسمع اي متلقي او مستخدم عربي للانترنت, وهي تذيع له الاخبار, كلمات من نوع (المقاومة) او (الشهيد) او (عملية استشهادية) او حتى فلسطين المحتلة, والقدس العربية, والاقصى الاسير فهي كلمات غريبة على قاموس العولمة, وبدلا من ذلك ستصك اذنيه كلمات الارهاب وعملية ارهابية, واسرائيل, واورشليم, وحائط المبكى.. وهلم جرا. ولكن, هل نكتفي بمضغ الحصرة واجترار الالم, وهو فعل اكثر عجزا لا يليق حتى بالنساء ولا يجدي اذن, فالبديل هو التعايش مع التجليات التكنولوجية للعولمة, وتوظيف وسائطها لخدمة قضايانا وحضارتنا, واستخدامها لنشر ثقافتنا ولن تكون البداية الا بعمل منظم وجماعي يدخل اطفالنا هذا العصر ويتيح لهم اتقان مفرداته, وان لم نفعل... فسنكون كمن يحرث في البحر ويجني الوهم والحسرة. سيد زهران