أصبحت الساحة الإسلامية في لبنان من أخصب الساحات نشاطا وحيوية وفاعلية.. من حيث الأفكار والمعالجات الجادة العميقة.. وذات الفاعلية من حيث ترجمة مفاهيم الإسلام إلى واقع عملي يقاوم المحتل الصهيوني ويحرجه ويسبب له الأزمات والمشكلات. د. أسعد السحمراني، أستاذ العقائد والأديان المقارنة بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية ومسئول الشئون الدينية بالمؤتمر الشعبي اللبناني أحد أبناء الساحة الإسلامية اللبنانية ذات الحيوية والفاعلية.. التقيناه في القاهرة وحاورناه في كل ما يشغل العقلية الإسلامية. * هل لنا أن نتعرف في إيجاز على المؤتمر الشعبي اللبناني ودوره في المقاومة الإسلامية الفاعلة ضد إسرائيل؟ ـ تأسس المؤتمر الشعبي اللبناني عام 1965 برئاسة كمال شاتيلا ولا يزال يرأسه حتى الآن.. والمؤتمر له موقف أساسي ومبدئي وهو عدم الاعتراف لا بالصلح ولا بالمفاوضات ولا بالعدو الإسرائيلي حتى نسترد حقوقنا كاملة.. وقد سقط لنا أول شهيد في جنوب لبنان عام 1973 وكان طالبا يخدم في الجيش وسقط في نقطة متقدمة.. وسقط لنا بعده كثير من الشهداء. ونحن نرى أن المقاومة منها ما هو مدني ومنها ما هو عسكري.. ففي الجانب المدني فقد دعمنا وشجعنا الانتفاضات المدنية على الحدود السورية الفلسطينية في منطقة العرقوب ضد الاحتلال الإسرائيلي.. وكان آخرها منذ شهرين انتفاضة مظفرة بقيادة الشيخ إسماعيل الذي قاوم محاولة فرض العدو لثقافته ولغته العبرية على أهالي المنطقة.. وعندما اعتقلته مخابرات العدو الإسرائيلي اقتحم الأهالي بالمئات المركز وخلعوا الأبواب وحرروا الشيخ.. وهم مدنيون. وهكذا فإن المقاومة المدنية مهمة للغاية. وكما شكلنا رابطة شباب الجنوب التي تمارس الدور المدني في المقاومة وتتحدى التطبيع الثقافي والاقتصادي وتقاومه. فالمقاومة في مستوييها المدني والعسكري مسئولية شعبية تضاف إلى مسئوليات الدولة في مقاومة العدو الإسرائيلي الذي يقوم مشروعه على التوسع والعنف ولا تفيد معه مفاوضات بل هي تأصيل للمشكلة فقط. وإذا كان المشروع الصهيوني قد تراجع مؤقتا جغرافيا بانسحابه من سيناء فهو تراجع مؤقت من أجل أن يجتاح المنطقة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا تحت شعار الشرق أوسطية التي هي رديف العولمة في المنطقة وهي تستهدف هويتنا العربية الإسلامية. وهذا العدو الصهيوني الذي هو خلاصة الفكر الغربي العنصري يحمل انطلاقا من صهيونيته وغربيته مشروعا لضرب هذه الأمة في دينها وقيمها وحضارتها. ولكن ينبغي أن نتذكر أن هذه الأمة مر عليها تتار كثر قبل اليوم . . وهؤلاء من الجملة.. وقبلهم جاء الفرنجة في الحروب الصليبية وأقاموا دولة اللاتين في القدس كما يفعل اليهود الآن تماما لكن تحركت مصر مع المشرق العربي وسقط المشروع الغربي الصليبي في القرن الثاني عشر واليوم يسقط المشروع الصهيوني الغربي ان شاء الله. * العالم الإسلامي الآن يشعر بأزمته وبضعفه.. والمفكرون الإسلاميون يتحدثون عن برامج ومشروعات للنهوض بهذا العالم الإسلامي.. كيف ترى هذه البرامج والمشروعات؟ ـ ونحن نودع قرنا ونستقبل قرنا جديدا فإن هذه الأمة يشوبها ما يشوبها.. ففي بداية هذا القرن كانت الأمة محط أطماع الغرب.. و مع نهاية هذا القرن نجدها أيضا من جديد محط أطماعه. في السابق كان الغرب بقيادة غير هذه القيادة.. تبدلت القيادة من حيث الموقع الجغرافي مع بقاء المنهج الليبرالي الغربي الذي يرى في الإسلام عدوا ويرى فيه سدا منيعا في وجه مشروعه وبالتالي يريد القضاء عليه. وفي أواسط هذا القرن أيضا كانت النكبة الكبرى التي هي نتاج المشروع الاستعماري بقيام دولة إسرائيل في قلب فلسطين المحتلة. وعلى ذلك فإن هذا القرن الذي نودعه هو أشبه بامرأة حبلى تحمل بالتوائم من المشكلات.. وهذه المشكلات لا تجعلنا نهن أو نحزن فإن المؤمن عليه دائما أن يبقى متفائلا خاصة وأن الله تعالى وعدنا وعدا حقا في قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا). أما مرتكزات مشروعنا النهضوي فالمرتكز الأول هو المنهج الوحدوي.. فيجب أن نستبدل حالات الفرقة بحالات التوحد سواء على المستوى الديني أو على المستوى القومي الوطني. والو حدة في كل المجالات تستلزم أن تتكامل الأدوار بين القيادات الرسمية الحكومية وبين مؤسسات المجتمع المدني في عالمنا العربي والإسلامي.. لأن مواقع القوة والتحصين في أي مجتمع لا تؤسسها المجتمعات بمفردها ولكن لابد من تكامل الدورين معا. وهذا التكامل يجعل شعب الأمة و قيادة الأمة في حالة مواجهة .. وهذا الأمر يستلزم من حكامنا أن يوسعوا من مساحات الحرية للشعوب ولا يخافوا شعوبهم.. ويستلزم من المؤسسات أن تكف عن لغة مناطحة الحاكم والسعي للانقلاب والتغيير العنيف إلى التغيير الثقافي الحضاري القائم على أسس ديمقراطية.. فكلما اتسعت مساحات الديمقراطية في عالمنا العربي والإسلامي كلما انسجم أهل المجتمع قيادة وشعوبا.. وفي هذه الحالة تكون الأمة كلها في حالة مواجهة. والأمر الآخر في النهضة هو أن نلتفت إلى الأسرة فهي الخلية المركزية في بناء الحضارة بدءا من تأسيس الحياة الزوجية على أسس إسلامية سليمة انتهاء إلى رفض ومقاومة استيراد المفاهيم الغربية عن الأسرة لأن الأسرة إذا انحلت تنحل عروة مهمة من عرى المجتمع المسلم. وهنا ألفت إلى أن التعليم الآن ضعفت فيه التربية إلى حد كبير ـ إن لم نقل أنه تعليم بلا تربية ـ ومن هنا يتعاظم دور الأسرة في الجانب التربوي. وهناك تحديات على أبنائنا وبناتنا من الإعلام تروج للمستوردات الثقافية الخطيرة في اللباس والسلوك والمأكل والمشرب والعادات والقيم. أما في الجانب الاقتصادي ففي مجتمعاتنا الآن ميل إلى الإنفاق الاستهلاكي بينما نحن بحاجة إلى إنفاق إنمائي إنتاجي فبدلا من أن نستورد السيارات علينا أن نبني مصنعا لها وهكذا. لأن صناعة القوة الذاتية تجعل الأمة قادرة على أن تحتل مكانتها بين الشعوب. كما أننا نهدر ثرواتنا وإمكاناتنا وهذا يستلزم أن نقيم السوق العربية المشتركة لتكون المرتكز فيما بعد لسوق إسلامية.. والخط الفاصل في مشروعنا الذي نريده هو أن نتمسك بثوابت هذا الدين ونتحرك وفق ضوابطه لا أن نستورد من هنا وهناك. * العالم يتحدث الآن عن الطريق الثالث.. فهل يجوز لنا أن نقدم الإسلام للعالم على أنه ذلك الطريق الثالث؟ ـ بل هو الطريق الأول.. فأنا أرفض أن نضيف إسلاما ثالثا ورابعا وخامسا .. مشروعنا الحضاري العربي الإسلامي هو المشروع الأول قيمة ومرتبة وظهورا. الأول ظهورا لأنه كلام الله فلا أول عليه. ثم هو الأول في طرح حقوق الإنسان وبناء الدولة الحضارية. فمنذ مجتمع المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا المشروع هو المشروع الأول.. و هو الأول الآن في إمكانية إنقاذ الشعوب والأمم لأنه الصنعة الإلهية التي لا يأتيها الباطل بعكس الصنعة البشرية التي فيها الخلل والخطأ. ونحن يجب أن نراجع حساباتنا على هذه الأسس وأننا نحن الأعلون. فنحن أمام الضغوط الرهيبة التي نتعرض لها بدءا من احتلال الغرب لبلادنا ثم وقوعنا أسرى للتخلف والمديونية وانتصار المشروع الصهيوني في بلادنا كل ذلك أفقدنا الثقة في أنفسنا وفي مشروعنا الحضاري وهذا خطأ رهيب علينا أن نتداركه سريعا لأنه لا نجاة لنا إلا في مشروعنا الإسلامي الذي هو سر وجودنا. * لكن ما هي الآليات التي يمكننا من خلالها تفعيل المشروع الإسلامي حتى تكون لنا الريادة مرة أخرى؟ يكون ذلك من خلال تجميع الطاقات ضمن المنهج الوحدوي.. وأمامنا الآن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.. فلنفعل هذه المنظمات لتلعب دورها في التوحيد والتجميع. ونحن في المؤتمر الشعبي اللبناني نضع مصر كمرتكز في هذا المشروع بما فيها من طاقات في كل المجالات الحضارية والثقافية.. وتجميع طاقاتنا سيساعدنا في بناء قوتنا الذاتية بما فيها القوة العسكرية. إن لدينا طاقات علمية وأدمغة وكفاءات مهاجرة وعندنا ثروات روحية وثقافية ولدينا ثروات اقتصادية وأموالا والمطلوب تجميع كل ذلك في نسيج واحد يحكمه إطار للتخطيط والقيادة والتكامل والتوجيه ونكران الذات ونسيان الصراعات والمشاحنات. ولو فعلنا ذلك فلن يمر عقد من الزمن إلا وقد تغير الحال واختفت مشكلاتنا ثم عقد ثالث وقد أصبحنا كتلة اقتصادية وسياسية يحسب لها ألف حساب ثم عقد رابع وقد سلحنا أنفسنا بما نصنعه من أسلحة بالقدرات الذاتية فلا يستطيع أي طامع أو مستغل أن ينظر ناحيتنا. الطريق صعب لكنه ليس مستحيلا وهو ليس طويلا بلا نهاية بل أقصر مما يتصور الكثيرون. إن المجتمع الغربي مجتمع متآكل ويكاد يكون نمرا من ورق وعلى رأسه الولايات المتحدة وفيها التمييز العنصري الذي ينخر في عظامها كما أن لديها أكثر من ثلاثة آلاف نوع من العبادة داخل الإطار المسيحي وهذا انقسام وتفتت كبير.. كما أن المجتمع الأمريكي ليس له نسيج وطني وقومي واحد ومترابط. وأمريكا يسكنها 4% من سكان العالم يستهلكون 50% من كوكايين العالم. وفيها 120 مليون بندقية في أيدي الناس حتى وصلت للطلاب يستخدمونها في المدارس ويقتلون بعضهم البعض. بالإضافة إلى الملايين الذين يمارسون الشذوذ الجنسي وملايين مثلهم مصابون بالإيدز.. ولهذا فهم يهربون من كل هذه المشكلات بالكوكايين. وما يقال على المجتمع الأمريكي يقال مثله على كثير من المجتمعات الأوروبية. وربما كان تأخر مجتمعاتنا هو الذي اطال عمر المجتمعات الأمريكية والأوروبية ويوم أن نتقدم نحن سيتراجعون حتما. وهنا يجب أن نربي أبناءنا على المقاومة والمنعة والعزة ثم التضحية والعطاء.. وللمتنبي بيت من الشعر يقول فيه: يحاذرني حتفي كأني حتفه وتنكرني الأفعى فيقتلها سمي وبهذا العنفوان وبهذه الشخصية القوية نريد أن نؤسس جيلا مقاوما لا أن نعود أجيالنا على التخنث الذي أودى بأولادنا إلى عبادة الشيطان. وعلينا أن نلتزم منهج الأمة الوسط.. فنحن الآن نعيش إشكالية بين فريق علماني لا ديني يريد أن يرمينا في أحضان الغرب وفريق آخر باسم الأصالة يريدنا أن نجمد عند ماض سحيق.