بقلم: احمد عبدالتواب احمد لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة بداية لعهد جديد في تاريخ البشرية وفاتحة لجهاد متواصل لتوثيق دعوة التوحيد التي يسمو بها الانسان الى عبادة الواحد الديان. وحتى تنشأ هذه الأمة الواحدة الموحدة كان المنهج المتكامل من سلامة العقيدة واستقامة الجوارح على الطريق السوي الذي يصل بالانسان الى رضوان الله في دنياه والفوز بالنعيم المقيم في اخراه, انه جهد الأفذاذ من الرجال جهد القمم من الابطال. لقد عاشت قبائل العرب على خلاف مستحكم ونزاع مفرق فلم تعرف هذه الأمة الأمية ما هي الأمة الواحدة. كما كانت تعبد اصناما متعددة اقاموها حول الكعبة والتمسوا بها القربى الى الله ضلالا وبهتانا ولقد ادرك قائد الامة ورسول الاسلام صلى الله عليه وسلم ان توحيد هذه الامة وجموعها المتفرقة تحت راية الأمة الواحدة لا يتم الا بانشاء الدولة الاسلامية الموحدة التي تعمل على نشر الأمن والامان بين افراد المجتمع الاسلامي الجديد وعلى تطبيق الشريعة الاسلامية التي تقوم وترعى مصالح الناس الدينية والدنيوية كما تضع المنهج الذي يحصن النفس والوطن والمال والولد كما تفرض الحدود والعقوبات التي تزجر من يتجاوز حده بايذاء الناس وسلب حقوقهم وان يتواكب ذلك مع مواصلة الدعوة الى هذا الدين الخالد الخاتم بين الأمم والشعوب. ان الفرد جزء من الدولة واللبنة الأساسية لقيام صرحها شامخا عاليا وحتى تنهض الدولة على أسس متكاملة لابد من بناء الفرد على المنهج الاسلامي وأول مبادئ هذا المنهج الاسلامي تحرير الوجدان لله تعالى وحده وذلك باقامة المسجد لتلتقي فيه جموع الامة على عبادة الواحد الأحد. ولننظر الى القدوة المثلى والاسوة الحسنة اول يد تمتد لحفر اساس المسجد ورفع التراب انها يد أحب وأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم فقد خلع رداءه وشمر عن ساقيه وحمل اللبن على صدره وهنا تسري بين المهاجرين والانصار روح التأسي والاقتداء ويعزمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يجلس وهم يقومون بالعمل وتنادوا قائلين: لئن جلسنا والنبي يعمل ذاك اذن للعمل المضلل ولكنه يضاعف العزم ويجدد الهمم ويردد مع اصحابه داعيا لهم اللهم ان العيش عيش الآخرة فارحم الانصار والمهاجرة. ولقد رأى أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل حجرا فقال: يا رسول الله أعطنيه فقال له عليه الصلاة والسلام: اذهب فاحتمل غيره فانك لست بأفقر الى الله مني. لقد أراد صلى الله عليه وسلم ان يوجه الهمم الى بناء المسجد لتلتف حوله قلوب المؤمنين يؤدون صلاتهم ويلتقون فيه على ذكر الله وليكون المسجد مقرا للحكم بما أنزل الله ليقيم العدل بين الناس يقول سبحانه: (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل (90) كما كان المسجد مدرسة جامعة لرواد العلم وطلاب الفقه: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين) الجمعة (2) وقد اختار صلى الله عليه وسلم قطعة من الارض لبناء مسجده بالمدينة المنورة وكانت هذه القطعة مملوكة ليتيمين من الانصار عرضا ان تكون الارض هدية لله ورسوله ولكن النبي الرحيم شكرهما ودعا لهما وقدم لهما عشرة دنانير ذهبا ثمنا للأرض حتى يكون بيت الله من مال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) الانعام (152) وحين يدعو صلى الله عليه وسلم المسلمين الى بناء المساجد لاقامة الصلاة يدعوهم كذلك الى التكسب والاسترزاق بالعمل والاخلاص بأمر الله تعالى في قوله: (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) كما وعد سبحانه وتعالى بتيسير الرزق لمن طلبه وأمر بالسعي له يقول تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور) . فاذا ضاق الامر وتعذر السعي واستعصى الرزق فارض الله واسعة فيها مراح لكل طالب ومغنم لكل راغب قال تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة) . ومن هذا وذاك تقوم تربية الفرد المسلم على الموازنة بين مطلب النفس واشراق الروح ليتكامل للانسان رسالته في عمارة دنياه والعمل لأخراه يقول تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان الله لا يحب المفسدين) . لقد كون صلى الله عليه وسلم بمبدأ التآخي بين المسلمين أسرا اسلامية متكاملة تآلفت قلوبها وتلاحمت أهواؤها والتقت مقاصدها على المنهج الاسلامي الذي يصل بالسلوك البشري الى درجة غير مسبوقة ولن يلحق بها أحد من دعاة الحضارات لأن الاخوة في الاسلام قائمة على قول الله تعالى: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم انه عزيز حكيم) .