الرقص على الجليد الأحد عصراً الرقص على الجليد يبدو أنني أهوى الفرجة على الرياضات التي لا أستطيع ممارستها, ومن ذلك الملاكمة والرقص على الجليد, والرياضة الأخيرة اكتشفتها من الفضائيات الأوروبية, حيث يتزحلق الراقصون والراقصات على أرضية مكسوة بجليد صناعي مصقول, ويرتدون أحذية خاصة, لكل منها كعب معدني كامل رهيف الحرف مثل السكين, ثمة مسابقات تقام بانتظام للرقص الفردي أو الثنائي, الفردي للشباب والشابات كل على حدة, والزوجي لشاب وشابة, يقتضي هذا النوع تدريبا عاليا ولياقة عالية, أتابع مبهورا قدرة الانسان على عزف الموسيقى بجسده, أرقب اللهفة على وجوه المتسابقين بعد انتهاء الرقص وهم في انتظار اعلان الأرقام التي حصلوا عليها. اليوم اندفع أحد الراقصين قافزا في الهواء, نزل فوق السطح وهو يدور باتقان, حركة اعتدت رؤيتها كثيرا, المهارة هنا في هذه الدورات, وحفظ التوازن والسيطرة على الجسد عند لقائه بالأرض. سقط متمددا, انتظرت أن يقوم إذ يحدث هذا كثيرا, لكنه لم يتحرك, بدا متألما جدا, وعندما طالت رقدته اندفع رجال الاسعاف يحمل اثنان منهم نقالة لحمله, بدا واضحا أن الألم كبير لفداحة الاصابة, غمرني شعور بالتعاطف مع هذا الانسان الذي لا أعرفه. ان منظر الألم أقسى من الشعور به. توقفت المباراة, وعندما حان الدور على اللاعب التالي, بدأ يستعد, لكن وجهه كان مغموما, ثم اتجه فجأة الى منصة المحكمين, دار حديث لم أصغ اليه, لكنني فهمت أنه متأثر لاصابة زميله, أسدل سقوط اللاعب واصابته ستارا على المسابقة, وتوقف تدفق اللاعبين على الساحة تأثرا وتعاطفاً. الجمعة مساء/ مدبولي قصدت الحاج محمد مدبولي لتقديم واجب العزاء, للأسف عزاء متأخر, فلم أعرف برحيل شقيقه الأصغر سيد إلا مصادفة, ومن خبر قرأته صباح اليوم في صحيفة عربية. لم أنتظم بعد في قراءة صفحة الوفيات بالصحف المصرية, عند اقترابي من المكتبة لمحت الحاج يجلس امام المكتبة مرتديا الجلباب البني الفاتح, الجلباب الذي لم يبدله منذ أن عرفته, عبر أربعة عقود. من منا ليس مدينا للحاج مدبولي؟.. إما بتوفير كتاب نادر أو ممنوع لقراءته؟ أو بالنشر. مكتبته منارة ثقافية حقيقية منذ أن كانت مجرد كشك يبيع الصحف والمجلات العربية والأجنبية, كان كشكا ذا لونين أخضر وكريم, اختفت هذه الأكشاك الآن من شوارع القاهرة, مكان قديم استقر فيه الأب الصعيدي الذي جاء من محافظة سوهاج الى القاهرة في النصف الأول من القرن الماضي. لم يكن هناك إلا مصريون قلائل في هذه المنطقة من وسط المدينة التي كانت قاصرة على سكن الأجانب. شيئا فشيئا أصبح الكشك المتواضع مكتبة, ثم امتدت واتسعت, في البداية كان معتادا رؤية الأشقاء الثلاثة, الحاج محمد والحاج أحمد وسيد, أطال الله في عمر الحاج محمد الذي لا أستطيع تخيل الميدان بدونه. الأربعاء/ غروب إذن, لما تغرب الشمس في الموضع نفسه. اعتدت التطلع ناحية الهرم من نقطة التقاء طريق الاوتوستراد السريع, بطريق صلاح سالم, عندما تستدير وصلة الطريق عبر المنطقة المؤدية الى ضريح سيدي عمر بن الفارض. أيام الشتاء الماضية كنت أتوقف لأرى أحد أجمل مشاهد العالم الذي عرفته. من هذه النقطة عند سفح المقطم, تلوح مآذن القاهرة المنبعثة من مقابر الخلفاء, وعند الأفق أهرام الجيزة, الشمس تتدلى بين الأكبر والأوسط. تماما بينهما, يختفي القرص البرتقالي المتأجج هناك, أهي صدفة أم قياسات الأجداد التي لاتخطىء. اليوم, نحن في ابريل, الحر بدأ, ثمة غبار يضبب الفراغ, لدهشتي رأيت الشمس تغرب في موضع مغاير, الى يمين الهرم بالنسبة لمن يقف مكاني موليا ظهره الى سفح المقطم. اذن, لا يثبت شيء على حال, فثمة دوران مستمر, دوران الشمس حول نفسها, ودوران نظامها حولها, وميل كل منهم على محوره, واختلاف درجة الميل, كل شيء في الكون يدور, بدءا من الذرة التي لا يمكن رؤيتها إلا بالمجهر وحتى المجرات. واذا كان الدوران مستمرا وقائما, فكل شيء يتغير بما في ذلك موضع مغيب الشمس. الثلاثاء خلع قال صديقي الدكتور علاء الأسواني, إن خلع ضروسي العليا, أدى الى بروز السفلى, ومع الزمن ستقع الخلخلة تحت كما جرت فوق. أبديت دهشتي, ما علاقة خلع الضرس الأعلى بالأسفل. مع الدكتور علاء أجد الفرصة لأسأل, ولأتأمل. فهو كاتب موهوب, وابن أديب كبير, كان فريدا في موهبته وكتابته الساخرة, أدركته لحسن الحظ وأصغيت اليه في مجالسه, انه المرحوم عباس الأسواني, ومن هنا يقدم علاء على علاج عدد كبير من الأدباء, ومرة سألني ابني: كيف تقبلون العلاج بدون مقابل, الرجل فاتح عيادة وليس ملجأ؟ قلت إنه يأبى مع أن تكلفة مواد الأسنان عالية, ولكن يبدو أن الله يجازيه لعنايته بالأدباء المساكين, زبائنه كثيرون. أجاب علاء على استفساري قائلا ان الضرس تحت لا يجد ما يقابله, ما يحد من بروزه لأن المكان فوق خال, لهذا يبدأ بروزه شيئا فشيئا, ومع الزمن يخلخل وضعه. أبديت الدهشة, استغرقني التفكير, انتبهت الى صوت د. علاء يسألني. * ماذا قررت؟ تخلع أم.. قلت باختصار ـ اخلع. حلم محطة قطار, اللون الغالب أصفر, يبدو أن المكان قرب الصحراء, أقف بصحبة أبي فوق الرصيف, عربات القطار تشبه عربات البضاعة المعدنية, لكنها معدة من الداخل لجلوس ركاب. الركاب مدنيون, لكنهم يرتدون ملابس الجنود, يتحدثون باللهجة الجزائرية. أجد نفسي داخل القطار, القطار يتحرك, ألمح أبي فوق الرصيف, أنتبه الى أنه لم يركب القطار, أصيح, لكنه يتطلع من الرصيف, وجهه هادئ, ملامحه لمنتظر وليس لانسان فاته القطار. أبدو حزينا, لكن جنديا يتحدث بلهجة جزائرية يقول: لماذا تحزن؟ سوف تلحق به في المحطة المقبلة.