بقلم: د. مشهور فواز شهدت الامارت, كما شهدت منطقة الخليج العربي كلها ـ منذ ظهور النفط ـ تحولات اجتماعية واقتصادية حادة, وقد انعكست هذه التغيرات على نمط العلاقات الاجتماعية, وعلى حركية الواقع واتجاهاته, وروافده الثقافية, الامرالذي انعكس على الانسان في المنطقة, وعلى منظومته القيمية, ومجمل علاقاته, ونمط معارفه وسلوكه الاقتصادي, الى غير ذلك من صور, تعكس التغير, وتشى باتجاهاته. وانعكست هذه التغيرات, في وجهيها الايجابي والسلبي, على المنتج الابداعي في الامارات, وخاصة في مجال الرواية والقصة, وطرحت العديد من النماذج في هذين المجالين حالة حنينية للماضي, وانحيازا عاطفيا لمنظومته القيمية التي حكمت مجمل العلاقات الاجتماعية, في صورتها العامة, كما انجزت الرواية والقصة عددا غير قليل, من الاعمال التي ادانت الواقع في صورته الجديدة, التي احدثها التغير, بل ورأى البعض ان هذه التغيرات تتهدد الهوية المميزة للدولة. وكان هذا الاتجاه مقبولا, في ظل ما تحدثه التغيرات المفاجئة عادة من ردود افعال عاطفية, كما انه كان تصويرا لجدل طبيعي بين زمنين, يحمل كل منهما ملامحه الخاصة, كما يحمل قيمه الخاصة, ونمط علاقاته, بل لعلنا نؤكد ان ذلك ضرورة تستدعيها عادة المراحل الانتقالية, والتي تتميز بالحدة, في اي مجتمع كان. واعتقد ان مرحلة اخرى قادمة في الادب القصصي والروائي في الامارات, مرحلة سوف يتعامل فيها الادب مع الواقع الجديد من داخله, وهي مرحلة تنتج الوعي بطبيعة التغيير, وبأن الرفض العاطفي للواقع الجديد, والانجاز الوجداني للماضي, سوف ينتج اعمالا مستنسخة, كما انه سوف يحرم الاعمال الابداعية الحوار الحي الضروري مع الواقع بالمنطق الذي يحكمه بعلاقته وقيمه وليس بقيم من خارجه. واعتقد ان هناك اعمالا ابداعية تكشف عن هذا الاتجاه, وتطرحه في جدية. في مجموعتها القصصية (همس الشواطئ) , تسيطر على القاصة (اسماء الزرعوني) سمات رومانسية, هذه السمات التي تتجلى ـ ظاهريا ـ في العناوين التي تحمل صبغة رومانسية بداية من عنوان المجموعة كلها (همس الشواطئ) وعناوين الكثير من القصص (هجير الصيف, عندما يجف النبع, دمعة في احضان الليل, حلم الليل..) ووصولا الى المضامين التي تتخذ الكثير منها ملامح رومانسية. وتكشف هذه الرومانسية عن نفسها, في القصة الاولى التي تحمل عنوان (هجير الصيف) , والتي تطرح القضية التي سبق وأشرت اليها, وهي الانحياز العاطفي للماضي بعوالمه, ورفض الواقع الجدي, رفضا عاطفيا ايضا. و (هجير الصيف) قصة تؤكد ان اسماء الزرعوني, تملك ادواتها, وتملك وعيا بتقنيات القصة القصيرة. ما تطرحه القصة, ان جاز لنا ان نترجم المضمون, صورة رجل مسن, يستيقظ مع اذان الفجر, وتتملكه رغبة في الهروب من (هذه الفيلا الضخمة) , فيخرج, وبعد اداء الصلاة, يستجيب لرغبة ملحة داخله في زيارة محبوبته فقد بدأ يدب في نفسه حلم زيارة من تملك قلبه, وبعد معاناة يصل الرجل الى الشاطئ حيث يرمي بجسده قرب الشاطئ.. يلهث من التعب.. يمد رجليه.. يلاعب الامواج والفرحة ترقص في اعماقه, يصفق ويهلل كأنه طفل صغير, عادت اليه بسمته بعد ان وجد لعبته التي افتقدها طويلا.. فهنا كانت كل حياته, ولكن استسلام الرجل لذكرياته التي لم تزل حية داخله, لا يدوم, حيث يوقظه الحارس الهندي: (بابا نروح البيت.. هل يقول ارباب) . تستخدم القاصة لغة السرد التي تقوم بدور الوصف, وهي تحاول بهذه اللغة السردية ان توفر للقصة ملامح الحياد والموضوعية, التي تكتفي بتقديم الحدث, تاركة للقارئ فرصة للتعليق عليه. ولكن هذه الحيادية تتسلل من بين ايدي القاصة, حينما تقرر ان الرجل العجوز (يريد الهروب من هذه الفيلا الضخمة) , لتوحي لنا من خلال الجملة ما يشي بأن الفيلا قد اصبحت معادلا للسجن, ينبغي الهروب منه. وتتخير القاصة زمنا ذا سمات خاصة, وهو زمن الاذان, اذان الفجر, انه زمن ذو ملامح مقدسة, تحمل دلالات الطهارة والفلاح والنقاء, لتجعله زمن (الهروب) , وهو زمن يأتي بعد دعوة المؤذن: (حي على الصلاة.. حي على الفلاح) وكأن الهروب من الفيلا استجابة لنداء مقدس, على الاقل من خلال التزامن بين الفعلين, وهذا يعكس بدوره انحياز القاصة العاطفي للزمن الماضي. وتشير اسماء الزرعوني ان بين الرجل العجوز, وبين حلمه في الوصول الى الشاطئ, طريقا وعرا, ينبغي عليه ان يقطعه, ترى: كيف يقطع الشارع الطويل كي يصل اليه؟ حتى عندما يشرع في تنفيذ حلمه (تنغرس رجلاه في الرمال) وتمر بجانبه سيارة تسير في سرعة كبيرة, ولولا ان تداركته عناية السماء لكانت هذه اخر خطوة في حياته. هناك اكثر من جملة تؤكد هذا الانحياز العاطفي مع الماضي, وضد الحاضر, فالسيطرة العظمى ـ مكانيا ـ في القصة للمكان الماضي, كما ان وصف المكان يوحى بالجمال, وهو متسع وممتد وفسيح, مقابل الفيلا الضخمة التي لا ترد في القصة الا كأنها سجن يرغب الشيخ في الهروب منه, اضافة الى ان القاصة تجعل الشاطئ الذي يرغب الرجل في الذهاب اليه محبوبا, يتلهف الرجل اليه, كما ان وصف حالة الشيخ وهو على الشاطئ تؤكد هذا الانحياز وتؤكد اسماء ان ذلك منطقي: (من عانق البحر سنينا يصعب عليه فراقه.. اصبحت حياته جافة كأخاديد التربة التي شقها هجير الصيف, تتلهف على اول زخة مطر تحملها الريح) . وتأتي السيارات المسرعة التي توشك ان تدعم الرجل العجوز, والزحام في بيان للواقع الآني الذي يفر منه الرجل العجوز, كما ان القاصة توظف بمهارة الحارس الهندي الذي يلازم الشيخ, فهو غريب عن نسيج القصة, حتى في جانبها اللغوي (بابا.. وين يروح؟) اضافة الى انه هو الذي ينتزع الشيخ من عالمه, ذكرياته, ليصبح بذلك, احد مفردات الواقع الذي يفر منه الرجل العجوز, واذا كان قد نجح, في الهروب من الفيلا ـ مؤقتا ـ وفي النجاة من السيارة, وعبور الشارع, فإنه لم ينجح في الهروب من الحارس الهندي, الذي ينجح في ايقاظه من شروده, واخراجه من عالمه, لنراه, ونحن نغلق القصة عائدا ـ رغما الى فيلته, سجنه, واقعه الجديد. ولكن اسماء الزرعوني تطرح في قصة اخرى ازمة المرأة العاملة في هذا الواقع, وتقدم ذلك بشاعرية لا تخلو من شجن, وفي هذه الصورة, يختلط الخاص بالعام, وتصبح الازمة التي تقدمها لنا القصة, اقرب لأن تكون ازمة عصر بأكمله, عصر يجد الانسان فيه نفسه مستسلما لدائرة لا تنتهي من الالتزامات النثرية اليومية التي لا تنتهي, والتي تسلبه ـ في النهاية نفسه ـ فلا يصبح قادرا على الجلوس الى نفسه بعضا من الوقت. هذا ما تقدمه اسماء في قصتها (ذات مساء) . تبدأ القصة بموقف حميم لأم تنهض بمهامها تجاه ابنتها, وتحاول الام ان تخلو الى نفسها وان تنعم بعالمها: (رفعت رأسي, واذا بغيمة جميلة تعانق صدر السماء وكأنها تلقي السلام وأوراق الشجر تتمايل فرحة بقدوم الغيمة.. اغنية دافقة بلحن جميل اسمعها من بيت جارتي, نسيت نفسي للحظات, جلست ادندن مع الاغنية, صياح الديك ينبهني, نظرت امامي, لم تعد ابنتي) , وكأن صياح الديك هو الموقظ من الحلم الرومانسي, الذي تستسلم له القاصة ثم يسحبها تماما من دفء العلاقة الحميمية, بينها وبين ابنتها رنين الهاتف, حيث صاحبتها تخبرها بموعد الخياط (اليومي) , وهاتف اخر حيث يخبرها زوجها باعداد العشاء حيث يصطحب معه ضيوفا, ثم مجموعة اعمال كثيرة متعلقة بعملها, تتدافع الى ذهنها (دفتر الدرجات, المشروع الذي سيقدم للموجه, البحث المطلوب, التحضير اليومي) الامر الذي يجعل القاصة تقرر في مرارة: (عبثا ابحث عن اغنيتي المفقودة في ارجاء هذه المدينة المكسورة المزدحمة) . ونتيجة جرح ابنها, تصحبه الى عيادة الحوادث, ويبدو ضيقها من سائق التاكسي الاسيوي, ومن رائحة الزيت الذي يسيل في رأسه, وفي العيادة طابور طويل, حيث المزيد من رائحة العرق والدخان, ثم هناك الموظف الذي لا يبالي بالمرضى ولا بالزحام, ويثرثر كثيرا في سماعة الهاتف, ثم (صراخ وبكاء, صكت اذني اصوات سيارة الاسعاف, انزعجت من لون الدم وانين المصابين في الحادث) وليس هناك سوى طبيب واحد, وترفع عينيها الى ساعة الحائط: (آه.. انها السابعة.. العشاء.. الضيوف.. ابنتي.. الامتحان) وانطلقت نحو المنزل في سرعة وعصبية. العالم الثري الذي تقدمه اسماء الزرعوني في هذه القصة, ليس مجرد رصد لمفردات من الواقع, بل انه تصوير لأزمة الانسان المعاصر في العالم الذي يعيشه الان, والذي يتميز بالصخب, والضوضاء, وطغيان نثريات الحياة, التي تستلب الانسان من ذاته, وبذلك يجد الانسان نفسه امام ضغوط هذا العصر, مستسلما لقوانينه, ومنطقه مع يقينه ان هذه القوانين مضادة لانسانيته, ويبدو الانسان ضحية آليات حياة, قدر لها أن تسود, ورغم رفضها الا ان الانسان ينصاع لها, بل ويذهب لها, حتى وان كان ذهابه في سرعة وعصبية. وتتميز اللغة القصصية في هذه القصة بالتوتر والحيوية, فهي تعكس ما يتميز به العصر من لهاث, حيث لا مجال للبطء او للتروي, وهو ما ينعكس بدوره على النسيج اللغوي للقصة, فتميل الى النثرية, اما الشاعرية التي تتسلل رغما الى القصة, من خلال استلام البطلة لعالم الحلم الذي تفجره الغيمة في السماء, والاغنية التي تتسلل من بيت الجارة, فإنها رومانسية لا تدوم سوى لحظات, تسيطر بعدها الحياة بنثريتها, ولهاثها.