تغذية الشمس كانت أجمل هدية حملتها من دبي في زيارتي الأخيرة لها مجموعة قصائد مترجمة بعنوان (تغذية الشمس) . وهي مختارات من الشعر الآسيوي ترجمها الشاعر أحمد فرحات عن اللغة الانجليزية, وقدمها إليَّ بتواضع شفاف قبيل رحيلي, ولم يقل لي كلمة واحدة عن المختارات التي حملتها مع ما حملت من كتب أتلقاها من الأصدقاء على سبيل الاهداء. وعدت إلى القاهرة محملا بهذه الكتب. وحسب العادة التي اعتدتها. وأمارسها بعد عودتي من كل سفر, أفرغت من الحقيبة ما حملته من كتب, وصففتها أمامي كي أتصفحها كتابا كتابا قبل أن أضع كل كتاب في مكتبتي التي ضاق بها بيتي. واستغرقت عملية التصفح في روتينها المعتاد, وحيادها الذي ألفته منذ أعوام, خصوصا بعد أن ندر الكتاب الذي يهز المرء من التصفح الأول ويدفع إلى قراءته الفورية. وفجأة, على غير توقع, رأيت عنوان (تغذية الشمس) . شد العنوان انتباهي للوهلة الأولى بالتباسه, إذ لم أفهم هل المقصود هو تغذية الشمس المفعول من فاعل غيرها أم تغذية الشمس الفاعل لمفعول غيرها؟! وأخذت أقرأ المقدمة كي أفض الالتباس. واستغرقتني المقدمة إلى أن فرغت منها دون توقف, مدركا انني أمام عوالم شعرية جديدة, عوالم ابداعية أعترف انني لم أكن أعرفها من قبل, فأنا - مثل كثيرين غيري - أسير هذه المركزية الأوروبية الأمريكية التي نحاول أن نتمرد عليها, والتي - رغم تمردنا عليها - نعود إليها, ونقع في شراكها, كما لو كنا لا نقدر على فراقها, ولا ننتبه إلى تأثيرها البالغ علينا إلا عندما يشد انتباهنا عمل ابداعي فذ من خارج دائرة هذه المركزية المهيمنة. وهذا ما فعلته مقدمة أحمد فرحات التي نبهتني إلى ضرورة معرفة عوالم شعرية غير تلك التي ألفناها في الشعر الأوروبي الأمريكي. عوالم أقرب إلينا بحكم المشكلات التي تجسدها والأسئلة التي تطرحها والمعضلات الوجودية والميتافيزيقية والجمالية التي تواجهها على السواء. هكذا, تركت المقدمة لأقرأ المختارات الشعرية الآسيوية, متنقلا من بين شعر كومار سينج كوجرال من الهند, وعبدالله أكبر خان من الباكستان, وسيال عبدالرحمن وستار عمر مهادي من ماليزيا, وأبو بكر محمد اكرامي ونصرت صالح علي من اندونيسيا, وماركوف ف. ميردياس وفرناندو ريباليداس من الفلبين, وسوسنيد نانا دوم من تايلاند, وايل سانج ننه من كوريا الجنوبية, ولي وانج سوشي من تايوان, وإدريس حجي عبدالرحمن من بنجلاديش, وعزيز سلطان آراش من أفغانستان, وكياو سو مونج وعثمان سعدي شاني من بورما. وكنت كلما مضيت في القراءة أزداد وعيا بتقصيرنا - نحن محبي الشعر - في حق أنفسنا وفي حق الشعر الذي نحبه على السواء, فكيف لم نترك انحيازنا إلى الشعر الأوروبي, ونحاول اقتحام هذه العوالم الشعرية التي تتكشف عن عذوبة خاصة وعفوية فريدة واحساس مثقل بوطأة الوجود الإنساني الذي تقرعه القصيدة بالتأمل لتخلع عنه أقنعته الزائفة. وكانت القصائد التي قرأتها في تتابعها تؤكد معنى التنوع البشري الخلاق, بعيدا عن المركزية التي تحصر الابداع في دائرة جغرافية بعينها, كما كانت تجسد عمق الرابطة الإنسانية التي تجمعنا بأبناء القارة الآسيوية الذين عانوا مثلنا من الاستعمار التقليدي الذي ظل يجثم على صدورنا لقرون, ومن الاستعمار الجديد الذي لا يزال يفرض علينا هيمنته بتجلياته الجديدة التي تتخفى وراء الشركات متعددة الجنسية, كما كانت القصائد - في الوقت نفسه - تكشف عن وجه إنساني آخر, بالغ الشفافية والعمق, في دلالته على الوعي الابداعي لهؤلاء الآسيويين الذين تزدحم بهم أقطار الخليج العربي, هؤلاء الذين لا نعرف عن ابداعهم شيئا يذكر لاننا لم نهتم بهذا الابداع, أو حتى نفكر في احتمال وجوده. ولذلك كانت القصائد تكشف عن غزوات حدسية من نوع جديد, في أسى شفيف, أسى يبعث في أعماق النفس لهفة التعرف على ما لم تكن تعرف, مضفورة بفرحة التعرف على ما كنا لا نحسب له وجودا من قبل. وتتابعت القصائد تحت عيني, يمسك الوجدان بعلاقات صورها ليفردها على صفحة الوعي الذي يتأمل فيها رؤى إدراكية متعددة لجوانب من العالم الفعلي الذي نعيش فيه دون أن نلتفت إلى دلالاته المتغيرة أو تحولاته الدالة. وكان قصر هذه القصائد يعود بي إلى تقاليد الشعر الصيني القديم أو تقاليد قصيدة الهوكو اليابانية ذات السبعة عشر مقطعا التي تأثر بها بعض شعراء الحداثة الأوروبية, وذلك ضمن تأثرهم بأشكال القصيدة في الشعر الآسيوي بوجه عام. ولم أكن أشعر ازاء قصر هذه القصائد بأي نوع من أنواع الغربة, بل أشعر بأنني أعود شعريا إلى الرحم الذي صدر عنه الكثير من القصائد التي أعجبت بشعرائها الغربيين. لكن اعجابي هذه المرة كان محتشدا بالألفة والفرحة والأسى والشجن الذي لا يفارق الشعور بهذه الغربة الزرقاء التي تحدث عنها الشاعر الماليزي سيال عبدالرحمن, أقصد إلى اعجاب نابع من درجة الكثافة الشعرية العالية التي تكتنز بها القصيدة القصيرة. ومن الدرجة العالية من رهافة الاحساس بتفاصيل العالم المتعارضة في تجلياتها المختلفة التي لا تفوت على العين النافذة التي ترى الشعر حتى حيث لا يوجد الشعر عادة. وكانت دهشتي كبيرة لاكتشافي, بواسطة هذه المختارات, منابع شعرية مغايرة, مخالفة في اللغة والحدس والرؤى لتلك المنابع التي أعرفها في دولة الامارات. وهي منابع ترتبط بجاليات الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية التي يعمل أبناؤها في دولة الامارات منذ سنوات طويلة, واستقروا فيها بعد أن وجدوا الأمان وامكانات النجاح, فتتابعت أجيالهم, وظهرت الأجيال الأحدث التي تدفق الشعر على ألسنة المتعلمين تعليما عاليا من أبنائها, تعبيرا عن حضور إنساني جديد في مدن كوزموبوليتانية تحتشد بالعديد من الجنسيات. وهنا, يفيد أحمد فرحات من معرفته بالجاليات الآسيوية العديدة التي تعيش حوله في دبي, من الهنود والباكستانيين والماليزيين والاندونيسيين والفلبينيين والأفغان والبنجاليين والتايلانديين والبورميين والكوريين والتايوانيين وغيرهم, ونتجت عن هذه المعرفة لقاءات مع شعراء هذه الجاليات, ومعايشة لهم عن كثب, والحديث معهم حول همومهم الابداعية والوجودية, والحوار العميق حول إبداعاتهم, الامر الذي ترتب عليه ترجمة هذه المختارات التي ارجو ان تلتفت اليها اقلام النقاد على امتداد الوطن العربي لاسباب اربعة على الاقل: تميزها الفني اللافت, وجدتها الابداعية, ودلالاتها الثقافية, وسلاسة الترجمة فيها. ولا اريد ان اتحدث تفصيلا في هذه الاسباب بما يجاوز المساحة المحدودة لهذه الاستراحة, حسبي الاشارة إلى نموذج الشاعر الذي تجسده قصائد المختارات, انه ليس نموذج الساحر أو العراف أو المتنبىء, أو حتى ذلك الكائن النوراني الذي يهبط الارض كالشعاع السني بعصا ساحر وقلب نبي, وانما نموذج بسيط, يشبه من حوله من البشر العاديين الذين لا يتميز عنهم الا بعينيه المحدقتين في التفاصيل الدالة التي لا تلفت انتباه عابري السبيل, وهو نموذج الشاهد الذي ينطوي على رؤية شاحبة لا تتوافق مع العالم الذي يرفضها كما ترفضه, وعلى نزوع عفوي ينساب مع الحدس اليومي الذي يكشف ويعانق كل ما يحرر من القيود والاقنعة في عالم متنافر الملامح والقسمات, عالم لا يصلح لوصف علاقاته الانسانية الا هذه الابيات: جدران غير موجود لكنها منيعة تصدم العين واليد والخطى اما ما ترك اثرا عميقا في نفسي اثناء قراءة مختارات احمد فرحات فهو مأساة الشاعر الهندي كومار سينج كوجرال, هذا الشاعر الرقيق الذي انتحرت في مدينة الشارقة سنة ,1997 تاركا رسالة بالقرب من جثته, يقول فيها: رحلت لهدف وحيد هو البحث عن مزيد من الصلة بالواقع, وياله من تعبير محتشد بالدلالات المتعددة المتعارضة, في احدى هذه الدلالات ما يذكرني بقول الشاعر العربي القديم: (سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا) , كما يذكرني بما قاله صلاح عبدالصبور: (أجافيكم لأعرفكم) , ولكن هذا الشاعر الهندي لم يختر الرحيل بالحياة في الحياة وانما اختار الرحيل بالموت في الموت, لعله بذلك يعرف معنى الحياة أو يقرب من عالمها الذي دفعه إلى الارتحال عنه, تاركا قصائده التي احسن احمد فرحات كل الاحسان بترجمتها هي وغيرها من قصائد الشعراء الذين ارتحل معهم في عوالمهم الخاصة ليقترب من عوالمه التي يجفوها ليدنو منها بالمعرفة.