بعد النصف الاول من القرن الحالي وجدت تجارب مسرحية عديدة مهمة تركت أثرها في تغيير مفهوم المسرح وممارسته. هذه التجارب التي لم يكن لها حضور من خلال عروضها المسرحية فحسب, بل ومن خلال العمل التطبيقي والتنظيري الذي أعطى مؤشرات كبيرة لارساء مراجع الاتجاهات ورؤى التجربة المسرحية المعاصرة, وهذه التجارب لم تحدد نفسها في ارساء طرق اخراجية, او بقيت تدور في شكليات معالجة النص المهيمن, ولم تهتم بكيفية تفسيرها لدى هذا او ذاك المخرج؟, بل سعت كلها لايجاد وبناء طرق منهجية فنية وثقافية للبحث في قضايا العملية المسرحية المعقدة والمترامية الاطراف, حيث اهتمت بماهية وجود ظاهرة المسرح في الحضارات, ضرورته في الحياة الاجتماعية, علاقته بالثقافة, ودراسة المبادئ الاساسية التي يعتمد عليها الممثل في عمله, علاقة المخرج بالممثل, علاقة العرض بالمتفرج او اشكاليات اخرى شملت علاقة المسرح بالعلوم ودورها في المعرفة الانسانية. هكذا يكتب د. قاسم بياتلي, عراقي مقيم في ايطاليا, في مقدمة كتابه (دوائر المسرح ـ تجربة الاودن وانثروبولوجية المسرح. وتأتي تجربة مسرح الاودن في ايطاليا كواحدة من التجارب المسرحية التي نذرت جهدها البحثي في هذا الاتجاه منذ انطلاقة ايوجينيو باربا مؤسس التجربة في ذلك الدرب الطويل الباحث عن حقيقة العملية المسرحية في علاقتها بالمجتمع وبأفرادها المنتمين اليها. بدأ باربا مع مجموعة من الشبان والشابات سرعان ما تقلص عددهم الى خمسة افراد يقودهم باربا في سلسلة من التمارين اليومية الدؤوبة, يقول باربا: بدأ العمل من الصباح حتى المساء وكان كل واحد منا يضع مبلغا زهيدا من جيبه لتنظيم حاجيات العمل والمصروفات اللازمة لنشاط مجموعة مسرحية تعيش سوية, ومن هنا بدأنا عملنا المسرحي الاول في العام 1965 والتحقت بنا شابة اخذت على عاتقها تنظيم الاتصالات الخارجية مع المجاميع الاخرى وايجاد امكانية القيام بدورات تدريبية. وقامت المجموعة بنشاطات تنظيمية وثقافية, حيث نظم الاودن في العام 1965 اول عرض لجروتوفسكي في ستوكهولم, كما قامت المجموعة باصدار مجلة مسرحية اسكندنافية ركزت على نشر تجربة جروتوفسكي وستانيسلافسكي, ارتو واشكاليات النص والاخراج. وهكذا فقد تأسس مسرح الاودن في العام 1964 في النرويج ثم انتقل الى الدنمارك في العام 1965 ولايزال للوقت الحاضر يمارس نشاطه وينظم اعماله في مدينة صغيرة هي هولستبرو في الدنمارك. الاعداد الذاتي ركزت مجموعة الاودن ومنذ البداية على الاعداد الذاتي وعلى التربية الصارمة لبلوغ المستوى الفني والتكتيكي القادر على ترجمة طموحات كل فرد من الافراد العاملين في المجموعة وانصبت بداية العمل على تمارين تم استعارتها من (البيوميكانيك) لميرهولد وبعض التمارين التي عمل بموجبها مختبر جروتوفسكي وبعض تكنيكات مسرح الكاتاكالي الهندي, وهكذا دخل مسرح الاودن في الساحة المسرحية الاوروبية بعزم واستطاع ان يبني ركائز لثقافة مسرحية جديدة, وبعد العام 1974 دخلت مجموعة مسرح الاودن في مرحلة ثانية انفتحت فيها نحو اللقاءات الموسعة في بقاع مختلفة من العالم, وفي العام 1976 ينظم باربا لقاء عالميا في بلجراد, ثم في مدينة يرعمو الايطالية لدعم المجاميع المسرحية الصغيرة المنتشرة في العالم والتي تعيش على هامش الحدود المرسومة من المسارح التقليدية المهيمنة. اسس باربا لمسرح الاودن طريقا عمليا للبحث ناسفا كل الطرق التقليدية التي تعارف عليها المسرحيون, علاقة الممثل بمجموعة الفريق, علاقته بالمخرج, علاقته بالنص المسرحي, المسرح في حياته كهدف وجودي وهكذا, استند باربا على تجارب معمل جروتوفسكي, ثم انطلق في البحث نحو تدريب الممثل واستنطاق مكنوناته في درجاتها العليا.. وما كان باربا يؤسس مسرحياته للعروض الجماهيرية بقدر ما كان البحث هو الذي يفرز تلك العروض.. يقول باربا: (اننا لا نبحث في عملنا عن شيء جديد, بل نبحث في انفسنا, في ذواتنا من اجل ايجاد مراكز حساسة للتعبير, وذلك اشبه ما يكون بالسير في غابة يبدو وكأنك تسير فيها انها الطريق الصحيح ولكنك قد تكتشف انك تسير في الاتجاه المعاكس, انه بحث ذاتي خاص, ولكنه في الوقت نفسه بحث جماعي) . اعتمد باربا في تعامله مع الممثل على ثلاثة مبادئ اساسية في بحثه وعمله التطبيقي ومنها نمت اشكاليات عديدة مهدت فيما بعد لبروز البحوث الانثروبولوجية في المسرح او علاقة المسرح بالانثروبولوجيا وهذه المبادئ هي: * التكنيك اليومي المعتاد والتكنيك خارج المعتاد. * ما قبل التعبير. * اللا ترابط ـ المترابط او اللاتماسك ـ المتماسك. وقد برزت هذه المبادئ ونمت من خلال العمل الطويل الذي انجزه باربا مع مجموعة مسرح الاودن, ومن خلال بحثه الدقيق في الثقافة المسرحية اليابانية والهندية وفي بالي, واصبحت بالتالي محفزا لدراسة الاسس التي يشترك فيها الممثل الشرقي والغربي في مجال التطبيق العملي. المخرج هو المرشد وتحاول المبادئ الثلاثة التي وضعها باربا اساسا لتدريبه التطبيقي النشر في بنية الممثل الفيزيائية ـ الجسدية والصوتية بحيث تدفعه الى نوع من الخلق الفني الشعري وذلك يعني ان الممثل يعمل بالدرجة الاولى على بناء جسد شخص يختلف عن جسد شخصه المعتاد اليومي وبالتالي فهو يظهر بصورة يقوم من خلالها بتأليف نصه. وبصدد ذلك يقول باربا: (ان ما يبحث عنه الممثل في هذه الحالة هو خلق جسد مختلف لا صلة له بالواقع, وليس شخصية مختلفة) . وذلك يعني ان جسد الممثل لا صلة له بواقع جسده المعتاد اليومي, ولكنه في الوقت نفسه لا يقوم بانتحال جسد الشخصية الخيالية. يأخذ المخرج في مسرح باربا دور المرشد الذي يفتح الطريق امام الممثل لامكانية تفجير طاقاته, وبهذا فهو الذي يضع الارضية العملية لانماء قدرات الممثل وحرث الارض وزرعها معه في تجربة كسرت اطر المسرح التقليدي, وقد انصف هذا العمل بالتوجه نحو الداخل, نحو دراسة وتطبيق حيثيات عمل الممثل, فهي المهمة الاولى في وضع المفردات العملية للممثل في حيز التنفيذ بعيدا عن انظار المتفرج, وفي هذه الحلقة امتداد العمل نحو اكتشاف الجذور, جذور عمل الممثل ومواجهة لتجارب المعلمين السابقين. لكن مهمة المخرج المرشد ليست اعداد تمارين للممثل من اجل التمهيد لاخراج عرض معين, بل هي اعداد الممثل عمليا. بحيث يتيح له امكانية اداء دوره في اي عرض كان من خلال الدربة والدراية في مختلف اوجه حرفة التمثيل, ممهدا الطريق من اجل تفجير طاقاته الفنية. ويؤكد باربا على دوره كمخرج قائلا: هناك مخرجون اشبه بالامهات, يقومون بارادتهم باعطاء الصور والشكل للعرض المسرحي وهناك مخرجون اشبه بالمولدات اللواتي يقمن بمساعدة العرض من اجل ان يرى النور, وينظرون له بتطفل بعين الدهشة والشك وبنوع من النقد وكأنهم اول من يتفرج عليه, انني انتمي الى النوع الثاني من المخرجين. على الجانب الاخر يرحل د. قاسم بياتلي في كتابه حول تجربة مسرح الاودن في علاقة العروض المسرحية لمسرح الاودن بالمتفرج ويشير في كتابه ان المتفرج المسرحي لعروض الاودن لا يأتي لمشاهدة العرض لفهم ما يريد قوله, بل يحضر لمعايشة التجربة او (تجربة التجربة) التي عاشها المساهمون في تأليف العرض في غياب المتفرج, بعد ان كان حضوره افتراضيا اثناء بناء العرض, ومن خلال ملاحظتنا لتجربة مسرح الاودن نرى ان هناك متفرجا متميزا بدأ يأخذ ملامحه من خلال متابعته لهذا المسرح, ليس من خلال تحركه وسفره حيثما وجدت احدى عروض الاودن, بل وحتى من خلال مشاركته في ارسال آرائه ووجهات نظره وانطباعاته الى مقر المجموعة, وقد نشرت مجموعة كبيرة من رسائل المتفرجين في كتاب مصور عن تجربة الاودن تعكس لنا مدى تعلق المتفرج واهتمامه الجدي من خلال النقد والاشارات المضيئة حول عروضه. اللغة المسرحية ان كل عرض جديد للاودن يثير التساؤلات والدهشة امام التعامل مع اللغة الفنية للمسرح وامام المعالجات الذكية والساحرة المتداخلة في سيرة البنية العرضية, فعدم التزام العرض بالمحدوديات اللغوية وكسر طوق الادبية والخطابية, التي تنتهي في حدود معانيها يجعل من عروض الاودن نوعا من التجاوز المستمر لحدود القوالب المرسومة, فكل عرض هو رحلة في اعماق اللغة المسرحية المستقلة ويشعر المتفرج بذلك بانتقاله من الحياة المعتادة الى تفجير لاشكاليات الحياة المخبأة خلف الحياة اليومية المعتادة. ان كافة عروض مسرح الاودن اتصفت بدرامية موسيقية وبحركات موسيقية وكلاسيكية متداخلة في شبكة من العلاقات الدرامية, فلا وجود لموسيقى تصويرية ولا لرقصات فكل عنصر يدخل ضمن البناء الدرامي, دراماتورجيه العرض في حبكة متماسكة. ويرحل د. قاسم بياتلي في كتابه (دوائر المسرح ـ تجربة الاودن وانثروبولوجية المسرح) في علاقة باربا بالمدرسة العالمية لانثروبولوجية المسرح, حينما القى باربا في العام 1980 في وارسو محاضرة بعنوان (انثروبولوجية المسرح ـ اقتراحات اولية) وكان صداها تبني اقامة مشروع الدورة الاولى للمدرسة العالمية للمسرح الانثروبولوجي, حيث طرح باربا في تلك المحاضرة المبادئ الراسخة التي يستند عليها عمل الممثل مثل مبدأ (تغيرات التوازن في الجسد) ومبدأ (التضاد في الحركة) ومبدأ (الطاقة في الزمان وفي الفضاء) وهذه المبادئ الثلاثة واخريات ثانوية لها اصبحت الاسس للدراسة والبحث في ثنايا عمل الممثل. فقد تساءل باربا في بداية الامر عن ماهية الطاقة عند الممثل, وكيف يمكن اعطاؤها شكلا معينا, وطرح ذلك على العديد من المختصين من الشرق والغرب, وبذلك فتح الطريق لدراسة احدى أعقد الاشكاليات في عمل الممثل: اي كيف تحصل التفاعلات الداخلية عند الممثل اثناء عمله, الى مستوى ما قبل التعبير؟, الامر الذي دفع الى دراسة التكنيك الجسدي المعتاد في الحياة اليومية والتكنيك الخارج عن القيادة. كما ابرزت المبادئ الاخرى التي اعتنى بها باربا ومجموعة الباحثين والعاملين في المدرسة العالمية خصالا اخرى لها صلة بعمل الممثل في كل مكان وفي كل ثقافة. في تقصي تجربة مسرح الاودن يشير د. قاسم بياتلي ايضا الى العديد من العروض التي قدمتها هذه الفرقة والعلاقة التي خلقتها مع جملة المتفرجين الذين كانوا دائما في محك مستمر مع تجارب جديدة وفريدة, ان مسرح الاودن استكمال لطريق شاق وطويل من البحث في صميم اللعبة المسرحية وحياتها بين افرادها وبين المتفرجين, واذا كان ستاسلافسكي قد عمد منذ البداية الى تناول اعداد الممثل في مخبره, فإن باربا استقى من تلك التجارب وذهب الى طريقة بحث شاقة مع مجموعته التي تخرج منها مدربون ايضا. كتب ـ مرعي الحليان