تمثل الطفولة تجربة ثرية في تاريخ الانسان عامة, والمبدع خاصة, ويقرن الشعراء دائما بين انفسهم والطفولة وما زال الشاعر يصرح,غير ذي مرة في جلاء ووضوح: انا طفل العالم, ولقد قرنت الدراسات النقدية ـ قديمها والحديث ـ بين الشاعر المبدع والمجنون من جهة, وبين الشاعر المبدع والطفل من جهة ثانية. وبعيدا عن الغوص في هذه القضية الطريفة, بكل ما تستدعيه من اتفاق او اختلاف فإنه مما لا شك فيه ان مرحلة الطفولة واحدة من اكثر المراحل ثراء وشفافية في مسيرة الانسان الحياتية, ويعيش الانسان ـ منذ ان يغادر مرحلة الطفولة ـ مسكونا بهاجس حنيني للطفولة, وعالمها الزمني والمكاني وفضائها الثقافي عامة, وتلعب هذه الحنينية دورا حيويا في العملية الابداعية, اضافة الى ان الطفولة ـ كمرحلة تمثل احد اهم مصادر التفجير الشعوري في التجربة الشعرية للشاعر. ولاتشكل تجربة الطفولة وعالمها الثري مجرد مفجر شعوري للتجربة الشعرية فقط, بل انها تتجاوز ذلك لتسهم ـ ولعل هذا هو الاهم ـ في تشكيل ملامح اللغة الشعرية في القصيدة, فتلعب دورا في توجيه نسيج المفردة, وتحديد ملامح الاسلوب, بكل انحرافاته وابعاده, كما تسهم في تشكيل الملامح الرئيسية للتشكيل الموسيقى في النص, فيتوفر له بذلك, ما يبنغي ان يتوفر من تناغم بين التجربة وادوات تشكيلها, ليلتئم ما بين العازف ومعزوفته في لحن واحد. ليست الطفولة التي نعنيها هنا, هي تلك التي تحمل الملامح الرومانسية الحالمة, حيث تعتبر الطفولة مرادفا للبراءة والنقاء, والطهارة والخيال والحلم الى آخر هذه الحالات ذات البعد الوحيد, ذي الملامح الايجابية لتجربة الطفولة, وانما ما نعنيه هنا هو الطفولة كتجربة انسانية تشكل المخزون الاول في الذاكرة الانسانية, وبالتالي فنحن نعنيها كحالة بكل محتواها ومخزونها من افراح واحزان, وانتصارات وانكسار, ومعاناة وأوجاع.. ببساطة نحن نعنيها كحالة بكل ما تحتويه, وهي ـ بالتالي ـ وشأن كل التجارب ذات البعد الانساني مختلفة المحتوى والمشاعر, ولعل هذا احد ابرز اوجه ثرائها. عشرون لوحة شعرية في ضوء ما سبق, يمكن لنا ان نقرأ ديوان الشاعر كريم معتوق (طفولة) وهو الديوان الذي يقدم عشرين لوحة شعرية, غالبيتها من القصائد القصيرة, ترسم, مجتمعة, ملامح هذه الطفولة التي تخيرها الشاعر, عنوانا للتجربة التي يقدمها في العمل, وهي تجربة تتكىء على الطفولة وفضائها, وتترصد ابعادها, ويبدو الشاعر في هذه التجربة الشعرية, مسكونا بهاجس الحنين الى هذه المرحلة بل انه يبدي رغبة جارفة للعودة الى هذه التجربة, يقول في (اللوحة الاولى) : من يبيع الامس إني أرهن العمر فداء لخبر عن لياليه اليتيمات وعن سفن الريش التي ما عانقت غير البراءة لم نكن نعرف ما معنى الكتاتيب وما معنى القراءة لم نكن نعرف اذا كان بنا الجهل قد استوطن والعشق احتوانا ايما طفلين كنا كانت الاشباح حراس هوانا التجربة التي يطرحها المقطع هنا ذات ملامح رومانسية ترصد في الطفولة (البراءة) مقترنة بالجهل, وكأن الشاعر يريد ان يقول ان المعرفة تؤدي الى قتل البراءة ويمكن ان نرصد ان الشاعر اتكأ على الصورة الجزئية كمصدر للصورة في المقطع, وتجنح مفردات الصورة الشعرية الى سمات الاسطورة, لتجعل للطفولة اغراءها, فالاشباح هي حراس الهوى, في محاولة منه لنزع التجربة الطفولية من واقعها ذي الملامح المألوفة ومنحها بعدا اسطوريا. الاسطورة والوعي ويشير معتوق في اللوحة الثانية صراحة الى الاسطورة باعتبارها احد مصادر تشكيل الوعي في الطفولة, والمسهمة في تكوين الوجدان للطفل: حين كنا في الصغر كانت الامواج حراس الجزيرة لم نكن نخشى من البرد ومن حر الظهيرة واذا جاء لنا الليل وقالوا ها هي ام ادويس لكن لم تجىء كان بعض الحزن يأتينا ويأس يبتدىء.. يحتوينا نحن هنا ايضا امام لغة شعرية, تسعى من خلال التصوير الجزئي الى اضفاء سمات اسطورية على التجربة الشعرية فيها, فالبعد المكاني في المقطع جزيرة تقوم الامواج بحراستها, واضافة الى هذه السمات الاسطورية فإن الاسطورة, معنى وسمتا, حاضرة في المقطع, فنحن ازاء (أم ادويس) وهي اسطورة شعبية ـ كما عرف الشاعر في هامش القصيدة ـ لسيدة متوحشة تخطف الاطفال في النيل. ويجعل الشاعر لهذه الاسطورة بعدا اجتماعيا, يفضح من خلاله نمطا من انماط التربية قائما على التخويف, وهو منتشر في الوطن العربي, يؤدي ـ عادة ـ الى نتائج سلبية, ويرصد الشاعر ذلك, فالتخويف, الذي كان الهدف الرئيسي لم يتحقق, وانما تحقق بدلا منه الحزن واليأس, وهي نتائج اعمق واخطر من الخوف, الهدف الرئيسي من ذكر الاسطورة. والشاعر كريم معتوق لا يطرح فقط (أم ادويس) كأسطورة من التراث الشعبي, بل انه يقدم عددا من الالفاظ ذات الدلالات الشعبية في الامارات, يأتي بها الشاعر ليضفي على التجربة ما للمكان من حياة ودلالات فنرصد: كم لعبنا فوقه (الصبة) والصبة: لعبة شعبية تلعب برسم مربع على الرمل, و(كسر الخوص الذي تغزله ايدي نساء الحي للظهر مهفه, والمهفه: مروحة تصنع من خوص النخيل, و(فكأني لم ازل اشتم في ذاك الدخان, واحتراق (العود) و(الحرمل) في النار وللشر (اللبان) . والعود والحرمل واللبان: انواع من البخور تحرق للرائحة الزكية, أو لطرد الشر من البيوت, و(أو صافرة يطلبها الاطفال, ابناء الفريج) وابناء الفريج: ابناء الحي, و(يا جمال الليل في سحر اهازيج المطر (دق يامطر) ودق يا مطر: تلفظ باللهجة المحكية, وهي تمن ورجاء بأن يستمر المطر, ووصلنا بيت (فطوم) وقد كان العزاء فيه من موت ابنها احمد في البحر, وفطوم: اسم تنادى به فاطمة وسهرنا نلعب (الهولو) الى وقت السحور, والهولو لعبة شعبية تلعب في الليل. ويمكن ان نلحظ ان المفردات ذات الظلال المحلية, امكن توظيف معظمها لتضفي على التجربة بعدا دلاليا, يسهم في كشف المزيد من ملامح التجربة وتعميق دلالاتها بالكشف عن فضائها الانساني, وان كنا نحس ببعض النفور في استخدام لفظ (فطوم) في السياق الشعري, فالتجربة تجربة عزاء في موت ابنها احمد في البحر وللفظ (فطوم) دلالات ذات ايقاع راقص وتشي بالتدليل وهو ما لا يتناسب من مناخ الموت والمشاعر التي يستدعيها موت ابن فطوم نفسها. اهزوجة نزول المطر ولكن معتوق, يسير خطوة اكثر عمقا في التعامل مع التراث الشعبي, فيوظف اهزوجة شعبية تغنى عند نزول المطر يقول في اللوحة التاسعة: فكل برق بعده رعد يصم الاذن خير ينهمر (دق يا مطر دق بيتنا جديد مرزابنا حديد والليلة ليلة عيد ليلة أناشيد وسمر) . فاستخدام الاهزوجة بلهجتها المحكية, لا يمنح التجربة بعدا موسيقيا ذا رصيد شعبي فقط بل انه يجعل لتجربة المطر عمقها الاجتماعي الفاعل, ليصبح للمطر ـ لغة ايضا ـ اشعاعه الشعري في النص. وفي البعد التصويري نجد كريم معتوق يعتمد على التصوير الجزئي, فلا يلجأ الى تنمية الصورة لتشكل فضاء التجربة, وابعادها كما يعتني الشاعر بالموسيقى اعتناء خاصا وتحديدا بالقافية ومن اجلها يقطع الشاعر لحمة الجملة, ونسقها الاسلوبي ليحقق لها القافية كما نلحظ ذلك في اللوحة الثانية عشرة: ووصلنا بيت (فطوم) وقد كان العزاء فيه من موت ابنها احمد في البحر وقد كان البكاء في ازدياد مع كل الداخلين وتقلبت على صدر النساء تمسحين الدمع من عين واخرى تحضنين فالشاعر يلجأ الى تسكين الهمزة في (العزاء) و(البكاء) و(النساء) ليوفر للمقطع نوعين من الموسيقى: الاول يتمثل في موسيقى التفعيلة, التي سوف تختل ان هو حرك الهمزة في اي من الكلمات السابقة, والثاني توفير موسيقى القافية الناتجة عن الهمزة الساكنة في كل منها. بقلم: د. مشهور فواز