(فوق الرمل تحت الشمس) هو واحد من أربعة أفلام أنجزها المخرج السينمائي السوري الشهير محمد ملص في السنتين الأخيرتين, مدته 33 دقيقة, من انتاج شركة (سانكرونيه) (باريس ـ 1998) وقد حققه بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الانسان, وبمساعدة المخرجة هالة العبدالله. في هذا الفيلم يلج محمد ملص منطقة محرمة, هي السجن السياسي, معتمدا على قصة قصيرة, في العنوان نفسه, وعلى مسرحية بعنوان (القفص) كتبهما أحد المساجين السياسيين السابقين, هو المخرج المسرحي غسان جباعي, ومستفيدا من اجواء مجموعة قصصية كتبها سجين سياسي اخر هو الصحفي علي الكردي. وقد كتب جباعي القصة والمسرحية المذكورتين خلال وجوده في السجن, حيث يتحدث في الفيلم عن تجربته في هذه الكتابة, فهو كما يقول ليس بكاتب وانما مخرج مسرحي, لكن عتمة السجن هي التي علمته الكتابة, وصنعت منه كاتبا, مثلما جعلته يكتشف مسرح خيال الظل كأداة مناسبة للتعبير والبوح. لقد كتب قصته على أوراق وبأقلام ابتكرها هو وزملاؤه, حيث يمنع على السجين الاوراق والأقلام. وكاميرا محمد ملص تعرض هذا النوع من الورق كما تعرض قصاصة دونت عليها مقاطع من القصة. تتوزع مشاهد الفيلم على ثلاثة امكنة هي المسرح, وبيت السجين, والسجن. في المسرح يقوم المخرج غسان جباعي بممارسة مهنته بعد ان خرج من السجن, حيث نراه مع عدد من الممثلين وهو يجري التدريبات على المسرحية التي كتبها ايضا داخل السجن, اي (القفص) , نرى فيها مجموعة من الجلادين يقومون بجلد مجموعة من الضحايا. وهناك مشهد بعنوان (الخبز) ينفذ بتقنية خيال الظل ويكشف عن معنى رائحة الخبز بالنسبة للسجين, وأي تداعيات تخلقها في ذهنه, لذلك نراه يلهث وراء الرغيف, ويمكن ان يتشاجر مع زملائه للحصول عليه. وفي هذا المكان نفسه يحكي لنا جباعي عن تجربته, وكيف ان عتمة السجن قد خيمت على روحه حتى وهو تحت الشمس, وقد ترافقه هذه العتمة حتى اخر يوم في حياته. يعزز هذا البوح في هذا المكان (المسرح) فكرة ان المسرح هو مكان مناسب للبوح والتعبير, ان لم يكن هو المكان الانسب. كما نجد انفسنا كمشاهدين امام فكرة (المسرح داخل السينما) كشكل تعبيري قريب للشكل المعهود في المسرح, اي (المسرح داخل المسرح) . اما بيت السجين فنراه بيتا عاديا مثله مثل بيوت غالبية المواطنين, وفيه نرى مأساة الام المنتظرة عودة ابنها (تلعب الدور الممثلة هيفاء واصف). تفتح الام نوافذ الغرفة التي كان ينام فيها الابن, وتدعو له: (الله يفك سجنك يا ابني) تقترب من سريره وتحتضن وسادته وتشمها علها تقترب من ابنها وتشم رائحته. ثم نراها جالسة وسط الغرفة خلف الة الخياطة تقلب بيجاماته: واحدة للصيف وواحدة للشتاء وأخرى (كانت موضة تلك الأيام) كما تقول, مما يعني ان ابنها قد اعتقل منذ زمن طويل ولم يفرج عنه حتى الان, فهو لم يقض في السجن الصيف والشتاء فقط, وإنما قد مر عليه زمن طويل وهو يقبع في العتمة, حيث ان موضة البيجاما قد انتهت. وان أحداثا اخرى قد مرت, فأخته فاطمة التي أتت بإحدى البيجامات قد اصبحت الان في عداد الاموات. تروي لنا الام ايضا حادثة مأساوية قد جرت معها, فهي استطاعت ان تحصل على تصريح لزيارة ابنها, وقبل يوم من موعد الزيارة قضت الليل وهي تطبخ وتعد له الطعام اللذيذ. وعندما وصلت الى باب السجن, وذلك بعد مسير طويل تصعد فيه الجبل, اخرجت الورقة من جيبها واعطتها للحارس لكنها طارت من يده, فبدأت تركض خلفها, لكن دون جدوى, فالورقة طارت الى غير رجعة, وطارت معها أحلام الأم في رؤية ابنها. المكان الثالث هو السجن نفسه, حيث تعرض لنا كاميرا محمد ملص سجناً ينتمي للقرون الوسطى سواء في بنائه او في انظمته, جدران شاهقة وارض رطبة وعتمة موحشة, (تم التصوير في قلعة دمشق التي استخدمت كسجن في ازمنة سابقة) ووسط هذا المكان ينحشر عدد هائل من المواطنين السجناء الذين ينامون كالخراف او الدواب, ينامون (عرق ورأس, كما يقال في العامية), اي رأس او وجه الواحد ملاصق تقريبا لرجلي الاخر. وذلك لكي يستطيع هذا السجن الضخم استيعاب اكبر عدد ممكن من افراد الشعب. وكأن المخرج يريد ان يقول لنا ان السجن لم يعد يتسع لأحد رغم ضخامته, او كأن الشعب قد زج به كله في السجن, مما يذكرنا بكلمة هاملت (الدانيمارك سجن كبير) . خلال نوم الجميع ينطلق صوت أحد المساجين, وهو نائم, بكلمات متكررة هي (وحوش, كلاب) مما يعني ان التعذيب يلاحقه حتى في نومه وفي أحلامه. للسجن ساحة تسمى ساحة التنفس, يخرج اليها السجناء ليتلقوا جرعة من الضوء والشمس والهواء النقي تساعدهم على استمرار حياتهم. جدرانها عالية ولا تختلف بشيء عن السجن سوى ان سقفها مفتوح للسماء الا انه مسيّج بالأسلاك الشائكة, ومع كل ذلك يقف الحراس فوق الجدران يصدرون الاوامر للسجناء بمنع النظر للسماء وتوبيخهم وشتمهم. ساحة التنفس بالنسبة للسجين تشبه مغطس الماء البارد كما يقول الكاتب ناقلا احساس السجين, فمع الخروج من العتمة (يفاجئك الضوء ثم تعتاد عليه وتحبه وتحب ان تسقط الشمس على رأسك وأكتافك ويرتسم ظلك على الارض ويمشي) . من هذه الساحة يتمكن احد السجناء من رؤية الصحراء فيصرخ بكلمة (الصحرا) كمن عثر على قارب النجاة في بحر متلاطم الامواج, وينتهي المشهد مع تكرار هذه الصرخة. في مشهد الساحة يستخدم المخرج الاضاءة الساطعة, وكأنه يريد بدوره اضاءة العتمة المعششة في ارواح هؤلاء المساكين, او يمنحهم جرعة اكبر من الشمس تحيي اجسادهم وارواحهم الذابلة. هناك ايضا توظيف لاغنيتين, الاولى اغنية شعبية سورية يقول مطلعها و(عالبنية عالبنية يا حلاوة سكرية, ولبعت سلامي لسالم ما حدا من العشق سالم) تتلو حديث السجين عن تجربته, ثم تتكرر بعد ان يقرأ مقطعا من قصته, وتعبر عن الشوق للحبيب. والثانية لفيروز (يا جبل البعيد خلفك حبايبنا) مرافقة لمشاهد الام ومشاهد السجناء على حد سواء, فالأحباب يقطنون خلف الجبل البعيد سواء بالنسبة للام او بالنسبة للسجناء. وعندما ينتهي الفيلم ينتهي مع هذه الاغنية المعبرة عن انتظار كلا الطرفين لقاء الآخر. دمشق: ناصر ونوس