يمثل المخرج السينمائي لويس بونويل ظاهرة ابداعية وثقافية متكاملة, ولعله من أولئك المبدعين القلائل الذين لم تطالهم سنوات التغييب والتهميش, فقد نمت عبقريته السينمائية بسرعة كبيرة مقارنة بأقرانه ومجايليه من السينمائيين, وهو حتى الان ورغم كل هذه التطورات التي طالت القطاع السينمائي يظل رائدا، ومدرسة لابد من الوقوف امامها وخاصة لفهم التيار البصري والفلسفي الذي أسسه في سياق تجاربه السينمائية, ونقول تجاربه لانه لم يتعاط في يوم من الأيام مع السينما الا في اطارها التجريبي والبحثي, فكانت افلامه نقاط انطلاق, وحالات تبشيرية لآفاق جديدة ومعايدة في السينما وفي هذه المادة نطل على جانب من حياته وأعماله وخاصة ان الوسط السينمائي العالمي يحتفل في هذه الفترة بمرور مئة عام على مولده. أنشأ لويس بونويل تيارا فلسفياً جماليا وحيويا في عالم السينما, الا وهو السيريالية وذلك جنبا الى جنب مع صديقه دالي الذي امد هذه الرؤية من خلال الرسم والذي ابقاها مجسدة في عمل بونويل الاول. وصداقتهما بدأت في سكن للطلاب في جامعة مدريد حيث بنوا هناك علاقات واسعة مع فنانين بقامة فيديريكو جارسيا لوركا أو رفائيل البيرتي وتعرفوا أيضا على بيبين فيو الصديق الكبير لبونويل لسنوات طويلة وهو يتذكره في ذلك السكن في الفترة التي كان فيها ملاكما... يتذكره بمزاج عال وبلا أية كلمة وبدون اية ميول فنية. وكثيرة هي مقاهي مدريد التي اعتادت هذه المجموعة من الطلاب ارتيادها. وبدون ان ينهي دراسته في كلية الزراعة, يسافر بونويل الى باريس في العام 1925 حيث تعرف على فنانين باريسيين من الطليعة والنخبة الثقافية وبدأت ألمعيته بالظهور الى العالم بأكمله, وهناك كتب دالي (كلب اندلسي) في العام 1929 وهو عمله الاول الذي اينعت فيه براعم السيريالية بجنباتها الخمس وبعد عام من ذلك التاريخ ظهر للعيان (العمر الذهبي) متسببا بوضع ساد فيه الهرج والمرج. على ضوء ذلك يدفع له نصير الادب والفن فيكونت (نوئايس) تكاليف رحلة يقوم بها الى الولايات المتحدة على ان ينجز فيلما وبقي هناك ستة أشهر قطع فيها البلد بالقطار من نيويورك حتى الوصول الى هوليود حيث كان بانتظاره نيفيلي, اوجارتي ولوبنر روبيو. المغامرة الى أمريكا مغامرته الامريكية بدأت اذاً من هوليود التي وجدها تحتوي على مستعمرة اسبانية كبيرة تقوم بدبلجة الأفلام الامريكية الى لغتهم الام والشيء الوحيد الذي قام به أثناء اقامته عند الطرف الاخر للمحيط هو المراقبة والتجوال بين الاستوديوهات بالاضافة الى التنقل بين حفلة واخرى وهو علي هذا المنوال صدف قدوم عيد الميلاد وفي حفلته وبعد ان انشد امبارو ريفييس قصيدة للوطن اسبانيا نهض لويس وأصدقاؤه غاضبين وداسوا بأرجلهم شجرة الميلاد التي زينت المكان وبعدها بأيام قليلة في حفلة (الليلة القديمة) التي أقيمت في منزل شابلن, اول ما فعله هذا الاخير كان تقديم شجرة الميلاد الى لويس تلافيا لاي قرار محتمل من قبله بان يفعل نفس ما فعله قبل عدة ايام وفي حال اراد ذلك فليكن منذ بداية الحفلة. الى ذلك وانطلاقا من الفكرة التي جسدها لويس بعدم تكيفه الجيد مع المجتمع يقرر دبلجة حوارات للبارامونت في باريس ولوارنر في اسبانيا وذلك من تاريخ جولته وحتى سنة 1935. وخلال جولته في الولايات المتحدة قام بصنع فيلم بفضل ورقة يانصيب رابحة والفيلم كان (ارض بلا خبر) عام 1932, يصور فيه بؤس البلاد ويمنع عرضه في اسبانيا بسبب ما احتواه من موضوع. ومع بدء الحرب الأهلية في العام 1936 انكبّ بشكل كامل لاخراج فيلم وثائقي للحزب الجمهوري تحت عنوان: (اسبانيا الوفية تحت السلاح) وبعد تسع سنوات من زيارته غير الموفقة لشمال امريكا يعود اليها كمستشار تاريخي لفيلم ذي بيئة اسبانية ولكن لم يتحقق شيء من هذا القبيل اذ ان اتحاد المنتجين كان قد منع الأفلام المحتوية على موضوع اسباني سواء كانت الى جانب صالح الجمهورية ام ضدها. بعدها يتجه بونويل نيويورك حاملا استعداداً للقيام بأي عمل حتى لو كان طباخاً. وفي النهاية لم يضطر للقيام بذلك حيث صادفه نصيب من نوع مختلف ذلك ان نيلسون روكفيلر كان قد شكل لجنة دعائية للتبادل البيئي الامريكي وتمثل نصيب بونويل فيه بدخوله العمل ضمن هذا المشروع وأنيطت له المهمة الاولى وهي اعادة نشر (انتصار الارادة عند ليني رييفينستاهي وحالاً يدخل للعمل في متحف الفن الحديث التابع للمدينة ليقوم بمهمة اختيار افلام دعائية ضد النازية) . وهناك عند عتبة نيويورك يعود لبناء علاقات مع فنانين سيرياليين اخرين مثل بريتن وارنست او دوشامب ولكن هناك ايضا يقطع علاقة الصداقة بينه وبين دالي الذي نشر خبرا يقيّم لويس على انه (ملحد) , الامر الذي تسبب بإنقلاب الكاثوليكيين الشمال امريكيين عليه لطرده من المتحف الا انه يستقيل قبل ذلك ولم يكلم دالي ولم يشاهده ابدا بعد هذه الحادثة. التوجه الى المكسيك وفي العام 1946 يتوجه بونويل الى المكسيك ويلتقي بالكثير من الاسبان وبشكل خاص مثقفون وفنانون اضطروا الى الهجرة بسبب الحرب الأهلية وتحولت بلاد المكسيك الى ملجأ له حتى نهاية حياته ودون ادراك منه لذلك اصبح مواطنا مكسيكيا في العام 1949 وهناك أدار عشرين فيلما لغاية 1964, هذا ومن الجدير ذكره ان كل انتاجه المكسيكي لا يمكن قراءته الا من خلال صفحة الحنين المعاشة في مذابح اراض غريبة. ومنذ فيلمه (الضائعون) ـ 1950 ـ وحتى (ناصارين) 1958 الذي حاز على جائزة السعف الذهبي في كان يكون بونويل قد أطال مسيرة مسلسل الصعاليك الاسبان, واذا اردنا الاستعانة بكلمات روبين جوبيرن الحقيقة الجاحدة, والرغبة والحقيقة شكلت محور العناوين الرئيسية لعمل بونويل. وبسبب الغربة الاضطرارية فان الرغبة تستقطب بإتجاه بعض الجذور الثقافية التي لم يتخلى عنها أبداً. وتدور العجلة ويصور في العام 1961 في اسبانيا (فيرديانا) الفيلم الذي أثار جدلا اينما عرض بعدما تأخر عرضه خمسة وعشرين عاما على عرضه الاول داخل وطنه. وفيرديانا هذا عكس معلما من معالم السينما في تلك الحقبة وبالرغم من انه منع من قبل نظام فرانكو لكونه ينتهك اشياء مقدسة فإنه لم يجد اي عائق امام انتصاره في كان مصطحبا معه السعفة الذهبية في ذلك العام. ويتواصل العمل ويدر (الملاك المدمّر) 1962, مفكرة آلة التصوير 1964, سيمون الصحراوي 1965, وهذا الاخير حصل على جائزة (الأسد الفضي) في مهرجان فينيسيا. وكان قد لعب دور البطولة في (بيي دي خور) الممثل كانتيريف دينوفي 1966. هذا وان الفيلم الذي امتحن بونويل مهارته من خلاله, سنقتبص له هنا كلمات قالها ل. ج بيرلانجا: (العشق كقوة غامضة ومنفلشة يقبع بالقرب من فكرة الموت بدون التوصل ابدا للتحرر من فكرة الخطيئة) . وفي عام 1972 يقوم برحلته الاخيرة مدفوعا بطموح الحصول على الاوسكار وفعلا يحصد فيلم (كتمان السر, فرح البرجوازية) جائزة اكاديمية هوليود عن أفضل فيلم اجنبي, بهذا ومن قمة القمة يتخذ بونويل قراره بالانسحاب ومع ذلك لم يدم القرار طويلا اذ انه انتظر عامين ليقع من جديد وراء الكاميرات ويكون (شبح الحرية) وبعده اخر فيلم له تحت عنوان (ذلك الهدف المظلم للرغبة) 1977, بطولة فيرناندو ري مع فتاة شابة هي كارول بوكيت بسنواتها الثمانية عشرة حصلت على بطولتها الاولى على يد المعلم بونويل. ومنذ طفولتها التي قضاها في كالاندا (تيرول) مرورا بالاقامة في مدريد او باريس او الغربة في المكسيك حيث حقق الجزء الاكبر من انتاجه فان بونويل لم يكن معلما من ناحية الشكل فقط وإنما من ناحية العمق ايضا, عمق التأريخات الروائية جميعها المعبرة عن منافذ لروح مفرطة في هزلها ومضطربة.