من الصعب فهم حركة مجتمع ما دون فهم طبيعة الناس الذين يتكون منهم هذا المجتمع, وحركة الناس داخل المجتمعات تحكمها عوامل مختلفة قد تساهم في الحد من الانشطة والاعمال. وقد اشار المفكرون الذين درسوا حركة المجتمعات بطريقة المادية التاريخية, ان اي مجتمع تحكمه عادات وتقاليد واطر فكرية موروثة. ومن هنا فلدراسة المجتمعات العربية التي تمر الآن بأسوأ حالتها, لابد من الاخذ بالاعتبار العادات والتقاليد والموروث الفكري. هذه المجتمعات بدت الآن عاجزة عن مسايرة ركب الحضارة نتيجة الفقر والبطالة والشعور بالنقص تجاه الآخر والسعي نحو تقليده, اضافة الى تحلل العلاقات الانسانية وسواد النزعة الذاتية المادية البعيدة عن الموضوعية. ونتيجة لهذا الوضع المأساوي الذي تمر به مجتمعاتنا فقد قرأت في احدى الصحف العربية, ان ثمة اربعين مليون مريض عقليا او نفسيا في عالمنا العربي وان عشرة ملايين يعانون من امراض الفصام. والمقصود بالفصام هو انفصام او انقسام العقل في الافعال والاقوال والتصرفات, وكذلك اكثر من عشرين مليونا يعانون من مرض الاكتئاب الجسيم وهذا عبارة عن استعداد خاص في الجهاز العصبي ومركز الانفعال في المخ مع وجود نقص وعدم اتزان في بعض الموصلات العصبية بالجهاز العصبي, فيشعر الانسان بالاكتئاب دون وجود سبب واحد مباشر في حياته يدعو لذلك, بل قد يكون ناجحا في حياته متمتعا بصحة جيدة, يملك المال ومع ذلك فإن مرض الاكتئاب الجسيم قد يصيبه مثل اي مرض جسدي آخر, فيحيل حياته الى جحيم يجعل كل الاشياء امامه سوداء ويشعر ان كل ابواب اليأس فتحت امامه. فهو يسكن في ليل طويل ويحاول دائما ان يمنع النهار من المجيء, وثمة من يعمل ضد المجتمع فقد يعمل على ايقاع الأذى بالآخرين ليرضي نفسه الشريرة. ما اكثر هؤلاء الذين يعيشون بيننا وهم مجانين بصور مختلفة, فحب الذات المفرط هو نوع من الجنون خصوصا اذا احب الانسان ذاته وكل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور وفوق ما يدرك وانه ليخيل اليه انه طوع مشاعره وراض عن نفسه وخفض من غلواء حب ذاته, ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها, حتى ينتفض فجأة كما لو لدغته افعى, ويحس لهذه اللمسة لدغا لا يملك انفعاله معه, والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان انما هو مرتقى عال لا يصل اليه القلب الا بلمسة لدنية, او بمحاولة دائمة ومرانة دائمة ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة. ان ابشع ما في الانسان هو النرجسية هذه سمة ولا شك تدل على جنون من نوع مختلف. محمد خليفة