مسرح صغير وضيق في وسط القاهرة, ينتابك شعور بأنك ذاهب إلى مخبأ سري, لا لمشاهدة مسرحية, والخسارة أنك بعد ساعتين وأكثر لن تجد هذه المسرحية, فقط ستخرج وتحمل معك حالة حب صافية ومشتعلة مثل جمرة خرجت لتوها من القلب.. على مسرح ميامي بالقاهرة تعرض رائعة (توفيق الحكيم) (رصاصة في القلب) التي كتبها في 1931 لتستمر كل هذه الأعوام بعيدا عن خشبة المسرح ربما لخوف المخرجين من منافسة الفيلم الذي قدمه (محمد عبد الوهاب) عام 1944 عن نفس القصة وبنفس العنوان, والذي أخرجه محمد كريم.. بعد كل هذه الأعوام جاءت اللحظات التي تتحرك فيها شخصيات تلك المسرحية وتصبح لحما ودما حقيقيين, ولعل المخرج المعروف وأبا الأوبريت الغنائي (حسن عبد السلام) قد دقق الاختيار قبل أن يأتي بعلي الحجار وأنغام ليقودا هذا العرض الذي يبتعد كثيرا عن كونه مسرحا أو حتى اوبريتا. إلى حالة غناء تصاحبها خيوط الحكاية منذ البداية وحتى نهايتها المفتوحة.. تدور القصة حول التناقض بين الشخص العاطفي الرومانسي الذي يحيا حياة بوهيمية تجعله في حالة فقر دائم وهو (محسن) أو (علي الحجار) وبين صديقه الطبيب المنظم الذي يحسب كل شيء بالورقة والقلم ولا يفكر سوى في المادة. وذلك من خلال علاقة كل منهما بالجميلة (فيفي) أو (أنغام) . ويفضل (محسن) أن يضحي بعلاقته وحبه بها, من أجل بقاء قيمة الصداقة والوفاء ويدور كل ذلك في قالب مأساوي وكوميدي في وقت واحد, وربما يوصلنا ذلك إلى تقريرية الحالة وعدم التعاطف معها, لعدم الشعور بوجود صراع نفسي حقيقي بين الشخصيات. وحتى يتخلص العرض من طابعه المرتبط بقيم وأفكار وحالات مزاجية قديمة, وحتى يتم تحديثه, ليبدو على الأقل منسجما مع تيار الشعور الحالي لدى الجمهور.. تمت إضافة وربما إقحام بعض المشاهد والتي لا تعبر إلا عن سطحية في الرؤية والتصوير منها مثلا المشهد الأول, وفيه ينصح الدكتور (مغاوري) كلا العاملين لديه أن يمسك كل منهما بالآخر. وأن تكون اليد في اليد. وألا يسمحا لأي كائن بالتفريق بينهما. وكلا منهما يحمل اسم يعبر عن الديانتين (الإسلام.. والمسيحية) فهما ( حسنين وحنا).. لتبدو هذه الجمل من العبارات الممجوجة والمدرسية. بعيدة تماما عن روح النص المسرحي. أيضا عبارات مثل (أنا طالب الخلع من العمارة دي) وبعض التنويعات على الأغنيات الحديثة مثل (الحب الحقيقي) لمحمد فؤاد وغيرها.. وكلها تتعامل مع فكرة النص باعتباره ماضيا لا يجب تقديمه كما هو.. بل يجدر بث الروح العصرية فيه, وهو ما يتنافى مع تقديم المسرح والنص بروحه الحقيقية.. وهذا العمل يعتمد أولا وأخيرا على الأغنية.. التي تستدعي بالضرورة المقارنة بما قدمه عبد الوهاب في فيلمه (رصاصة في القلب), وبعيدا عن المغالاة يمكن اعتبار ما قدمه (الحجار) و(أنغام) على درجة عالية من الروعة تنافس ـ وربما تتفوق ـ على أداء عبد الوهاب وخاصة ما صاحبه من رتابة وجمود في التمثيل.. على خلاف حيوية أنغام والحجار. ودفء وحياة كلمات بهاء جاهين. التي جاءت كأغنيات تعبيرية ضمن السياق الدرامي للنص.. كل ذلك جعلنا أ مام حالات غنائية أكثر من جميلة, رافقتها موسيقى (أحمد الحجار) و(أمير عبد المجيد) لتزيدها روعة.. لكن يظل للأغاني وجودها المستقل عن المسرحية. وبلا تجني فلا توجد مسرحية من الأساس. حيث تم اختزال كل شيء, حين اعتمدت على أربع شخصيات فحسب (محسن. فيفي. سامي. البواب) كما تم اختصار المشاهد إلى مشهدين فقط هما, (عيادة الدكتور ـ ومنزل محسن) كل ذلك ربما لضعف إمكانيات المسرح والديكور وربما حتى تسنح الفرصة لتقديم الأغاني بمفردها! كذلك تمتعت بحوار ركيك وأفكار سطحية عن الحب والصداقة والأنانية والتضحية, بدت جميعها كأفكار مقولبة وهزيلة بعيدة عن الواقع تماما. أما عن الديكور والإضاءة والحركة. فكأنها مخلوقات مبتسرة ومقيدة أو فقيرة الأداء. وربما لم يتم الالتفات إليها حيث كانت بقع الضوء تتركز على النجمين فقط.. والغريب أنه عندما تحين لحظة غناء أحدهما يتم إظلام المسرح لنشاهد المطرب وحده يغني وكأن اللحظة المسرحية قد انقطعت. في حين كنا ننتظر مثلا من مخرج بحجم (حسن عبد السلام) أن يجيد توظيف الأداء الغنائي ليخدم به العرض بدلا من حدوث العكس!! والمعروف عن المخرج (حسن عبد السلام) أنه أبو الأوبريت الغنائي الكوميدي في مصر, ولا أحد ينسى روائعه (سيدتي الجميلة) (الملاك الأزرق) وغيرهما. لكن وحتى لا نحاصره بالاتهامات ينبغي أن نتوقف أمام الإمكانيات المتاحة له. بداية من مساحة المسرح التي تجعله قريبا من شكل مسرح (الجيب) في أوروبا.. وحتى فقر تلك الإمكانيات المادية التي لم تسمح بوجود الديكور والموسيقى, والإضاءة والملابس, وكافة العناصر المسرحية المطلوبة.. وهو ما يؤكد عليه المخرج (عصام السيد) (مدير المسرح الكوميدي) الذي يقول: إن أفكار (حسن عبد السلام) فاقت إمكانياتنا وإمكانيات خشبة مسرحنا. بل ومسارحنا جميعا!! وهذا ما يأخذنا إلى التساؤل حول عدم عرض هذه المسرحية على مسرح آخر مثل الجمهورية أو مسارح الأوبرا المغلقة. على الرغم من أنه يتم فتحها لمسرحيات أخرى أكثر تواضعا, وأقل فنية من هذه المسرحية.. والعرض في مجمله مساحة عريضة من دفء (الحجار) ونعومة وبراءة (أنغام) وكوميدية ومرح (سامي مغاوري) و (أحمد رزق) وأغنية طويلة تمتد حتى بعد خروجك من المسرح تأخذك إلى عالم آخر غير الذي نعيش فيه بالفعل.. عالم ربما لن تصادفه مرة أخرى على المسرح.. القاهرة ـ سراج محمود