على الضفة الشرقية لنهر دجلة وليس بعيدا عن ميدان الباب المعظم وسط بغداد يقع قصر تاريخي رائع العمارة بابه يقابل نهر دجلة مباشرة وجدرانه الخارجية مزينة بالنقوش والزخارف العربية الاسلامية وتتجسد في داخله معاني الترف المعماري. وعلى مدى سنوات طويلة عرف هذا القصر باسم (القصر العباسي) اذ يصر بعض الباحثين على انه (دار المسناة) التي شيدها الخليفة العباسي الناصر لدين الله في عام 576هـ / 1180م حيث اتخذ منها دارا للخلو بنفسه او مع حاشيته وايضا للهو وللاستماع للغناء والموسيقى والشعر. ولكن الدكتور ناجي معروف الاستاذ بالتاريخ العربي الاسلامي في جامعة بغداد يصر على ان هذا البناء شيد في خلافة حفيده المستنصر بالله (575 ـ 622 هـ/1180 ـ 1225م) الذي يعود له الفضل ببناء المدرسة المستنصرية, وهذا البناء انما هو المدرسة الشرابية التي اسسها شرف الدين اقبال الشرابي والذي كان قد بنى ثلاث مدارس حملت اسمه واحدة في مكة المكرمة والثانية في بغداد والثالثة في واسط (وسط العراق) . وبالرغم من وجود ادلة كثيرة على ان المبنى هو دار المسناة حيث موقعه الذي كان يعد وقتذاك بعيدا عن المناطق السكنية في بغداد ولإحاطته بالبساتين الجميلة ولوقوعه على نهر دجلة مباشرة ولوجود مسناة (مرسى زوارق) تمتد ما بين بوابة القصر والنهر حيث كان الخليفة الناصر لدين الله يأتي الى القصر ويغادره عن طريق زوارق خاصة ترسو في نهر دجلة وان عموم عمارة القصر او المبنى وموقعه الذي ابعده عن عيون العامة من الناس وهذا ما يدل على ان دار المسناة كان قصرا للهو الخليفة وليس لسكنه. نقول انه بالرغم من كل هذه الادلة فان الدكتور طاهر مظفر العميد الاستاذ في كلية الاداب بجامعة بغداد يميل في دراسته (العمارات المدنية) وفي المبحث الثالث الذي يتناول فيه المدارس في العصر العباسي لرأي الدكتور ناجي معروف من ان المبنى هو المدرسة الشرابية التي اكتمل بناؤها سنة 628 هـ / 1230م وليس دار المسناة او القصر العباسي مثلما هو معروف رسميا حتى اليوم في بغداد ويبدو ان الامر غير محسوم تاريخيا فيما اذا كان المبنى هو دار المسناة او قصرا عباسيا او المدرسة الشرابية. وحسب وثائق دائرة الاثار والتراث العراقية فإنه ليس هناك اية نصوص تاريخية موثوق بها او حتى كتابة تذكارية تشير الى مشيد هذا الاثر المعماري الاسلامي العربي الرائع, بل ليس هناك اية اشارة الى سنة البناء او الى اية احداث تاريخية اقترنت بالمبنى او اسم المشرف على بنائه. وقد استخدم في بناء القصر او المدرسة الشرابية الاجر (الطابوق) كمادة انشائية رئيسة اسوة بكل الابنية البغدادية وحتى منتصف القرن العشرين قبل ان يشيع استخدام الاسمنت وغيره من المواد الانشائية الحديثة. الجدار الخارجي والذي يشكل واجهة عريضة وعالية تشكل سدا ما بين الخارج والداخل مكسو بالزخارف الهندسية والنباتية وبتكرار الزخرفة النجمية التي عرفت بفن الاطباق النجمية اذ تعتمد على نجوم ذات رؤوس تتراوح ما بين خمسة واثني عشر رأسا تمتد اضلاعها في مختلف الاتجاهات لتؤلف حولها مضلعات متباينة الاشكال تحيط بها من كل جانب وقد تم استخدام اكثر من عشرين نوعا من تلك الزخارف في واجهة البناية وفي داخلها. نتخطى عتبة المدخل الرئيسي مختصرين قرونا من الزمن لنجد انفسنا داخل مجاز عريض تقوم في مواجهته حنية كبيرة وله منفذان أحدهما يتصل بالدهليز الطويل والاخر يفضي الى فناء فسيح ابعاده (21.5 * 20م) يحيط به رواق من طابقين وتشرف على الرواق مجموعة حجرات فوقها مجموعة غرف صغيرة الحجم نسبيا ابعاد كل واحدة منها (3.80م * 2.32م) تقريبا, ويرتكز الرواق في كل طابق لقسمي البناية الشمالي والجنوبي على ثماني دعامات اما في القسم الشرقي منه فيقوم ايوان كبير ومهيب يعد اجمل اقسام المبنى من حيث البناء والزخرفة ابعاده (8.5م * 5م) وارتفاعه اكثر من تسعة أمتار ويرتفع عقده لمستوى الطابقين وسقفه بيضوي الشكل تحف به زخارف نباتية يطل على الصحن من الجهة الجنوبية سبع حجرات صغيرة وفوق كل حجرة من هذه الحجرات غرفة في الطابق العلوي وخلف هذه الغرف السبع دهليز طوله (26.70م) وعرضه (1.28م) وارتفاعه (9.20م) ويشرف هذا الدهليز على اربع قاعات كبيرة ارتفاعها بارتفاع طابقي المبنى وللدهليز خمسة منافذ تفضي الى القاعات واحدها الواقع في الجهة الغربية يفضي الى مدخل المبنى الرئيسي المطل على نهر دجلة. وسواء كان المبنى هو دار المسناة التي بناها الخليفة العباسي الناصر لدين الله او المدرسة الشرابية التي بنيت في زمن الخليفة المستنصر بالله فانه يعد نموذجا للعمارة الاسلامية العربية والتي ازدهرت ببغداد في عصر الخلافة العباسية. لندن: بيان الثقافة